العنوان الجزائر: مطالب مستعجلة لمنع الانفجار من جديد
الكاتب أحمد سحنون
تاريخ النشر الثلاثاء 13-ديسمبر-1988
مشاهدات 55
نشر في العدد 895
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 13-ديسمبر-1988
شهدت بلادنا هذه الأيام أحداثًا دامية مأساوية مؤلمة، عبرت عن سخط جماهير الشعب، وشخصت الطريق المسدود الذي آلت إليه السياسة غير الرشيدة المتبعة منذ الاستقلال وعودة السيادة إلى الوطن.
تلك السياسة التي فوتت على الأمة فرصة تاريخية للانطلاقة الحضارية في مختلف الميادين بفضل الموارد المالية الهائلة العائدة من بيع المواد الأولية، وبفضل الزخم الثوري المتأجج بالعاطفة الدينية، خرج به الشعب من جهاده المبارك، وحقق به النصر المبين على الاستعمار الصليبي.
سياسة جرت إلى التناقضات ونمتها، وعمقت الهوة الفاصلة بين مختلف فئات الشعب؛ فتكونت طبقة أَثْرَت من موارد غير مشروعة، تزداد مع الأيام ثراءً؛ لأنها تجمع بين مكاسب مادية معتبرة، وتسهيلات إدارية تفسح الطريق أمامها في وجه الخدمات المختلفة، بينما طبقة أخرى يتنامى بؤسها مع الأيام بسبب ما يتهددها من مستقبل مجهول، نظرًا للغموض المظلم الذي يكتنف مسيرة الشعب في ظل سياسة أملاها التعصب الأيديولوجي أحيانًا، وأملاها الارتجال والجزئية في النظرة، والرغبة الجامحة في السلطة أحيانًا أخرى.
سياسة لم تنبثق من إرادة الشعب الحرة، لذا اعتمدت لضمان عمر طويل لها على القمع والتنكيل، والضرب بيد من حديد على رأس كل صوت حر غيور، فكان الأنين يكبت في كل مرة قبل أن يزعج المترفين على موائدهم التي يمتصون فيها دماء الشعب، غير أن الشعب هذه المرة أبى إلا أن يرفع ضده صوت الألم والأنين مهما كانت الضربات موجعة، وذلك من أجل أن يعلن الذين صمت آذانهم أن ربع قرن من الزمان قد مضى على الاستقلال، وأن جيلًا كاملًا من الذين ولدوا في ظل الاستقلال قد دخلوا معترك الحياة لا يمكن أن يسكتهم القمع ولا سياسة العصا الغليظة.
إذن فإن الأحداث الأخيرة قد آذنت بأن ساعة التغيير الذي تدخل إرادة الشعب في الحسبان قد أزفت.
ومساهمة في إخراج البلاد من الطريق المسدود، وشعورًا بالمسؤولية التي يمليها الواجب الديني، والاهتمام بمصالح الأمة في المعاش والمعاد، فإننا نتوجه بهذه المطالب المستعجلة التي تعبر عن مطامح كل المخلصين من أبناء هذا الوطن، مع التركيز في الصدارة على ما يلي:
1- نندد بأساليب القمع الوحشي الذي جوبهت به الانتفاضة، وهو ما رفع عدد القتلى والجرحى.
2- إننا متضامنون مع الشعب في مطالبه المشروعة، ونحن جزء منه، ولا نتخلى عنه.
3- إننا نتأسف لأسلوب التخريب الذي استعمل للتعبير عن الألم والظلم الاجتماعي.
4- نندد بسياسة التبذير الرسمي التي اتبعت طوال سنوات دون مراعاة للأولويات والحاجيات الحقيقية للجماهير العريضة.
وأما الإجراءات المستعجلة التي ينبغي اتخاذها دون انتظار؛ لأن الوضع ينذر دائمًا بالانفجار ما دامت أسبابه قائمة، وهي كالتالي:
1- إنهاء سياسة الأحكام العرفية المستمرة منذ الاستقلال بشكل مقنع، وتطوير الجيش ليصبح حارسًا لإرادة الشعب التي يعبر عنها بكل حرية، ويكون ولاؤه للشرعية المبنثقة عن الاختيار الحر لا وجهة نظر معينة.
2- إصدار العفو الشامل على كل المعتقلين من أجل آرائهم، بغض النظر عن الوسيلة التي استعملوها، وفرضتها عليهم أجواء مصادرة الحريات التي خيمت على البلاد ردحًا من الزمن، والسماح لكل الملاحقين بسبب آرائهم بالعودة إلى الحياة العادية مع رد الاعتبار لهم.
3- توفير فرص العمل وتشغيل الطاقات المعطلة في الشعب، مع إعادة الاعتبار والقيمة للجهد والكفاءة والعلم، ومحاربة السبل غير المشروعة للترقي والثراء، كالمحسوبية والرشوة والغش والتوثب واستغلال النفوذ والإقطاع الإداري.
4- تطبيق قيم العدالة الإسلامية في توزيع ثروات البلاد على مختلف فئات الشعب؛ بحيث يضمن حدٌّ كافٍ لكل مواطن من العيش الكريم، فلا يضطر لإهدار كرامته من أجل العيش.
ويكافؤ على العمل حسب نوعه ومقداره ومشقته وآثاره العاجلة والآجلة وتطبق قواعد:
أ- الرجل وبلاؤه: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 95).
ب- من كل حسب طاقته: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: 286).
جـ- ولكل حسب عمله: ﴿ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التحريم: 7).
5- ضمان حرية نشر الدعوة الإسلامية بكل السبل المشروعة، مع توفير الحصانة للإمام والواعظ والمدرس، طالما كان توجيهه في حدود آداب الإسلام، وإذا أخل بهذه الآداب يسند أمر تقويمه إلى هيئة من أهل الحل والعقد في الأمة، لا إلى مصالح خاصة تهينه ولا ترعى مقامه.
6- ضمان الحريات الأساسية لكل أفراد الشعب في حدود احترام مقدسات الشعب، ومن ذلك حرية الاجتماع، وحرية الفكر والنقد لكل من يتصدى للإشراف على المصالح العامة، دون التعرض لحياته الخاصة، أخذًا بالأدب الإسلامي، ابتداءً من أكبر كبير إلى أصغر صغير، مع توفير الحماية القانونية وحرية التعبير عن الآراء والأفكار والنتائج العلمية بكل وسائل التبليغ الجماهيرية المختلفة في حدود الآداب الإسلامية.
7- إعادة الكلمة للشعب من أجل أن يقرر مصيره، ويختار شكل مستقبله، مع الأخذ بعين الاعتبار لثوابته العقائدية والثقافية والجغرافية والتاريخية والحضارية.
8- ترشيد وسائل الإعلام المختلفة من كل إنتاج تربوي وثقافي يعمق الهوة بين المواطن وأصالته، ويكون الذهنية والأنماط الإستهلاكية الغربية، وهو ما يجعل الفرد يتهالك وراء الملذات والرفاهية التي لا تسمح بها إمكانات البلاد؛ فيضطر إلى التلاعب بمصلاح الوطن تحت تأثير وطأة الشهوات المادية، فضلًا عن المخاطر الأخلاقية على الفرد والأسرة والمجتمع.
9- الاهتمام بالقضاء ليصبح جهازًا يتمتع بحرية ممارسة المهمة بشرف، وما تمليه المسؤولية أمام الله، وإصلاح القضاء يمكن رؤيته من الزوايا التالية:
أ- العناية بالتربية الإسلامية في برامج تكوين رجل القضاء لتنمية الوازع الديني في نفسه.
ب- العناية الكاملة بمطالبه المشروعة ليكون غنيًا عن الناس، ولا يكون مطمعًا لذوي الأطماع.
جـ- إعادة السيادة للحق، وحماية رجل القضاء من أصحاب النفوذ، والضغوط الناجمة عن استغلال النفوذ، أو الإرادة الاستبدادية للسلطة الحاكمة، وتتخذ القضاء أداة لتصفية الخصوم السياسيين.
د- تمكين رجل القضاء من ممارسة مهمته بشرف وحرية، دون مراعاة لأي اعتبار ولأي كان، لأن الثورة والدولة ووحدة التراب الوطني كثيرًا ما تتخذ ذرائع لتصفية الخصوم بالزج بهم في غيابات السجون، أو النفي، أو الاضطهاد.
هـ- تطهير المنظومة القانونية القضائية مما علق بها من القوانين الوافدة مع الاستعمار في نصها وروحها، ولا تكفيها الجزأرة إذا كانت تتنافى مع ثوابت الشعب الجزائري.
و- تجسيد مبدأ الحق فوق الجميع، وإعلان الشروع في تطبيق المساواة المطلقة أمام القانون، وحق مقاضاة أية جهة أو هيئة أو شخص أمام قضاء مستقل نزيه.
10- إحياء رسالة الصحافة لتكون أداة للتبليغ والتربية والتوجيه والنقد لكل الظواهر السلبية مهما كان مصدرها، مع الحصانة الكاملة لرجال الصحافة في أداء مهمتهم النبيلة، آخذين بعين الاعتبار شرف المهنة، وأمانة الكلمة، وثوابت الأمة.
11- إصلاح المنظومة التربوية لتتماشى مع تطلعات الشعب الجزائري إلى غد مشرق، وذلك بتجسيدها الأهداف التالية:
أ- تربية الإنسان تربية إسلامية شاملة يستوعب مواصفات الإنسان القرآني الذي:
* يتحلى بالفضائل الأخلاقية من صدق وشجاعة، ووفاء وصبر وتضحية، وروح جماعية.
* ينتفع بما خلق الله في الكون من طيبات ومنافع، عن طريق تنمية البحث العلمي والتطبيق التكنولوجي، وتفجير المواهب الابتكارية لدى الفرد، وتمكينه من أعلى الخبرات.
* تنمية القدرات وإتاحة الفرصة لتفتح شخصية الإنسان؛ ليصبح قادرًا على تحمل المسؤولية، وحل أية مشكلة مهما كانت عويصة.
* تنمية الروح الجماعية دون مصادرة حق الشخصية الفردية في الوجود والتعبير عن الذات.
* تنمية الشعور بدوائر الانتماء الجزائرية المغربية الإسلامية والإنسانية، والتعامل على أساس الإحسان مع الأشقاء، والعدل مع الغير.
12- إصلاح حال المرأة، وذلك بمساعدتها على إدراك رسالتها السامية الخالدة، عن طريق تحريرها من التقاليد التي لا تتماشى مع الإسلام، وتحريرها من عقدة تقليد المرأة الغربية، وينبغي مكافأة عهدها التربوي الرسالي، على أنه ينبغي العناية بها، وإعدادها إعدادًا نوعيًا يؤهلها للنجاح في رسالتها التي تكمل رسالة الرجل، إذ بهما معًا تكون الإنسانية الفاضلة.
تلك هي بعض معالم الحل للأزمة الخانقة التي تنذر دومًا بالانفجار ما دامت أسبابها قائمة في الأوضاع الناجمة عن سياسة العصا الغليظة، وإغلاق أبواب الحوار في وجه كل الأصوات الحرة.
إنه بالفعل آن الأوان لتعود الكلمة للشعب المسلم المجاهد الكريم، الذي لم يعد يتحمل السكوت في وجه من يريدون أن يفرضوا عليه الحياة في خصومة هو طرف فيها.
ومرة أخرى فإننا نعبر عن أسفنا وألمنا وحزننا على شباب غض التهمه الرصاص، شباب سليل الشعب المجاهد، شباب نشأ في عبادة الله، نرجو أن لا تذهب دماؤه سدى إذا عجلت برياح التغيير القادمة.
لكن بقي أن نهيب بالأخوة الكرام أن يتحلوا بالحكمة وضبط النفس، وأن يقفوا بالمرصاد لكل من يحاول أن يجر القطار إلى غير المنهج الذي يختاره الشعب الجزائري المسلم العريق في إسلامه، شعب الثورة الجهادية التي أحيت العزة في نفوس المسلمين قاطبة؛ فأصبحت مثالًا يحتذى للشعوب التي تريد أن تتحرر من الظلم والطغيان.
﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: 105)، ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: 8).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل