العنوان الجزائر.. هل تنجح في مواجهة التحديات
الكاتب بدر محمد بدر
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مارس-1990
مشاهدات 83
نشر في العدد 960
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 27-مارس-1990
إطلاق الحريات
كان هو الحل الوحيد لعلاج الأزمات.
فرنسا تحارب
الجزائر بكل ضراوة إلى الآن.
كانت أحداث
الخامس من أكتوبر 1988 والانفجار في الشارع الجزائري احتجاجًا على رفع الأسعار
ونقص السلع الغذائية والفساد الإداري وراح ضحيتها العشرات من أبناء الشعب، كانت
هذه الأحداث هي نقطة البداية في المرحلة الحالية التي تعيشها الجزائر الآن، وسواء
كانت هذه الأحداث من تدبير النظام أو أن النظام قد تركها تأخذ طريقها الطبيعي في
إحداث التغيير، كما سمعت ذلك من عدد من القيادات الرسمية في جبهة التحرير التي
تتولى السلطة بهدف الوصول إلى إحداث التغيير الحالي والتخلص من أعداء هذا الاتجاه
داخل الحكومة نفسها من مؤيدي الانغلاق والاشتراكية البومدينية، فأيًّا كان الأمر
فالصورة أن السلطة تفتح الأبواب على مصاريعها للجميع ليناقشوا قضاياهم ومشكلاتهم
ويعبروا عن آرائهم بوضوح وعلانية.
لقد نجحت السلطة
من ناحية التوقيت، في امتصاص غضب الجماهير قبل أن يتحطم كل شيء، فسمحت بالتعددية
السياسية وفي الجزائر الآن أكثر من 25 حزبًا سياسيًّا لا يستطيع المرء التمييز بين
أغلبها بوضوح، حتى باتت المشكلة الآن هي في اختيار اسم الحزب!
وإلام يدعو!
وظهور هذا العدد الكبير نسبيًّا من الأحزاب السياسية يوضح أولًا أن الشعب الذي
يصمت طويلًا في ظل نظام الحزب الواحد، لا بد أن يتحدث كثيرًا إذا ما أُتيح له ذلك
فليس غريبًا أن يظهر كل هذا العدد من الأحزاب، وكذلك ما قد ينشأ في المستقبل، ولكن
بعد فترة سوف تهدأ الأمور ولا يستمر إلا الحزب المتميز والمؤثر جماهيريًّا، الأمر
الثالث الذي يكشفه هذا العدد من الأحزاب هو انتهاء الدور التاريخي لحزب جبهة
التحرير الجزائرية، التي بدأ دورها في الخمسينيات لمقاومة الاستعمار الفرنسي حتى
أرغمته على الجلاء عن البلاد في عام 1961 وحكمت الجزائر من ذلك التاريخ وحتى الآن.
أول حزب إسلامي
ولأول مرة في
المنطقة العربية يُعلن عن تأسيس حزب سياسي يتبنى النهج الإسلامي في سياساته وهو
حزب «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» الذي يرأسه الدكتور عباس مدني وهو أستاذ جامعي دخل
الحلبة السياسية مؤخرًا والحزب كما هو واضح من اسمه «جبهة» أي إنه ليس نسيجًا
إسلاميًّا واحدًا، وبالتالي يستغل البعض التناقض الواضح بين آراء قياداته في تشويه
الصورة الإسلامية بعامة، وصورة الحزب الإسلامي بوجه خاص، ولعل أبرز شخصيات الحزب
هو الشيخ علي بلحاج نائب رئيس الحزب وزعيم التيار السلفي في الجزائر، وللحزب جريدة
نصف شهرية صدر منها أحد عشر عددًا حتى الآن وهي صحيفة «المنقذ» ولكنها من الناحية
التحريرية والإخراجية تحتاج إلى الكثير من التطوير وعلى المستوى السياسي يتميز حزب
الجبهة الإسلامية للإنقاذ بردود الفعل السريعة والتي تأخذ طابع الحدث في نفس الوقت
بما يدفع الكثيرين إلى إبداء تخوفهم من التيار الإسلامي خاصة وعلى رأس هؤلاء تأتي
فرنسا التي تهدد بالتدخل لحماية مصالحها في الجزائر.
ومن أبرز
التيارات التي استفادت من جو الحريات الآن التيار الإسلامي الذي يتزعمه الشيخ
نحناح الأستاذ بالجامعة الجزائرية حيث أسس جمعية وطنية هي جمعية الإرشاد، حيث
أُشهرت بعد تقديم أوراقها للجهات المختصة بأكثر من تسعة أشهر وأصدرت صحيفة شهرية
هي «مجلة الإرشاد» وصدر منها عددان حتى الآن، وفي إطار لقاءات رئيس الجمهورية
الشاذلي بن جديد بعدد من قيادات الأحزاب السياسية، التقى أيضًا بالشيخ محفوظ
النحناح وعرض التلفزيون الجزائري صورة اللقاء مع لقاء تلفزيوني سريع عقب المقابلة
أجاب فيه الشيخ محفوظ عن أهم ما دار في لقائه مع رئيس الدولة وعدد من القضايا التي
تهتم بها جمعية الإرشاد والإصلاح.
والجزائر دولة
بترولية وتنتج الغاز الطبيعي وفيها مساحات شاسعة من المراعي والأراضي الزراعية،
وبإمكان أراضيها التي تُروى في أغلبها بماء المطر، أن تنتج من الحبوب ما يكفي
لإطعام الملايين لكن التجربة الاشتراكية والثورة الزراعية التي قادها بومدين في
أوائل السبعينيات أدت إلى الكوارث والمصائب، فارتفعت الديون الخارجية لتصل إلى
أكثر من 25 مليار دولار «عدد السكان حوالي 25 مليون نسمة» وغالبية هذه الديون
لصالح فرنسا وهو ما يفسر الضغوط الكبيرة التي تتعرض لها الجزائر الآن من قِبَل
فرنسا حتى وصل الأمر إلى التهديد مؤخرًا بإمكانية التدخل لحماية المصالح الفرنسية
في الجزائر!
مثلث الرعب في الجزائر
ومثلث الرعب
الاقتصادي في الجزائر هو: أزمة الإسكان- البطالة- الديون الخارجية وأزمة الإسكان
استفحلت منذ حوالي عشر سنوات، والدولة تقف عاجزة عن مواجهتها سواء من ناحية
التخطيط أو من ناحية القدرة المادية، ومشكلة البطالة كذلك تسبب تذمرًا دائمًا في
الوسط الاجتماعي، وتزداد الأزمة سوءًا حيث ينعكس ذلك على الشباب.
أكثر من 70% من
سكان الجزائر من الشباب أقل من 30 سنة ويُضاف إلى ذلك أزمة الديون الخارجية التي
بدأت في عهد بومدين، وأصبحت الآن تلقي بظلالها على المستقبل حيث تتعرض الجزائر
لضغوط خارجية كبيرة، بالإضافة إلى نقص العملات الصعبة وبالتالي وضع قيود شديدة على
الاستيراد وبخاصة استيراد السلع الغذائية، والأمر المؤسف أن الجزائر كانت مُصدرة
لعديد من السلع الغذائية والموالح، ولكنها أصبحت الآن مستوردة لكثير منها، وعلى
رأسها القمح!
لقد نجحت السلطة
إلى حد كبير في أن تُلقي الكرة في ملعب الأحزاب السياسية المعارضة فطرحت مشكلات
الجزائر أمام الجميع باعتبارها ليست مسؤولية الحكومة وحدها، ولكنها مسؤولية
الجميع، وبخاصة الأحزاب السياسية، ونجحت الحكومة بذلك في تقليص التفاعل الشعبي مع
هذه الأحزاب عن طريق إظهار عجز هذه الأحزاب عن إيجاد الحلول العملية لمشكلات
الجزائر القائمة الآن، والجانب الإخباري والسياسي في التلفزيون الجزائري متميز حيث
يناقش القضايا السياسية والاقتصادية بكل حرية، وفي لقاء شهير ينتظره الشعب
الجزائري كل ثلاثاء يلتقي التلفزيون في برنامج «في لقاء الصحافة» مع أحد الشخصيات
السياسية المعارضة التي أسست حزبًا جديدًا، ويناقش معها مشكلات الجزائر بوضوح
ويطلب الحلول العملية لهذه المشكلات، وكثير من هذه الشخصيات لا يملك تقديم الحلول
أو الرد المُقنع، وبالتالي يؤثر ذلك في جماهيرية الحزب كثيرًا، وعقب اللقاء الذي
جرى مع رئيس الحزب الاجتماعي الديمقراطي وهو أول حزب أعلن عن تأسيسه بعد الانفتاح
السياسي نشبت أزمة داخل الحزب حيث أقال المكتب السياسي للحزب رئيس الحزب فردَّ
عليه الرئيس بإقالة المكتب السياسي! وكان سبب الأزمة ضعف إجابات رئيس الحزب في
البرنامج!
إضرابات كثيرة
وعلى المستوى
الداخلي تواجه الجزائر مشكلة كثرة الإضرابات فقد أعرب عمال أصحاب المخابز، وكذلك
سائقو التاكسي والمدرسون وعمال البلديات وغيرها، حيث يطالبون بحل مشكلاتهم،
والدولة لم تتدخل لإنهاء أي من هذه الإضرابات بل تحاول قدر الإمكان مناقشة القضية
بهدوء والوصول إلى حلول مقبولة من جميع الأطراف.. ومن الطبيعي أن تظهر المشكلات
القديمة في جو الحريات ومن واجب الدولة أن تتحلى بالصبر وطول النفس في معالجتها
لمثل هذه المشكلات، أيضًا ظهرت المشكلة العرقية وهي مشكلة البربر الذين يطالبون
الحكومة بتدريس لغتهم والاهتمام بهم ككيان مستقل، وتبذل فرنسا جهودًا كبيرة لدعم
هذه القضية واتخاذها جرحًا دائمًا يهدد كيان الدولة، في حين أن هؤلاء البربر أو
كما يسمون «الأمازيغ» مسلمون، لكن القوى الأجنبية تحاول أن تلعب على المشكلات
العرقية لإحداث القلاقل والمتاعب للدولة، خصوصًا بعد مرحلة الانفتاح السياسي
والاقتصادي والإعلامي التي بدأت منذ أكثر من عام، فهل تنجح هذه المحاولات وهذه
الضغوط في مواجهة السلطة، لتغير من اختيارها القائم، وهو دعم الحريات والانفتاح
السياسي والاقتصادي؟ هل يصمد النظام الجزائري أمام التحديات الخارجية والداخلية
وهل يدرك شعب الجزائر المجاهد إنه مستهدف الآن أكثر من أي وقت مضى، وأن عليه أن
يكون حذرًا شديد الحذر متيقظًا شديد التيقظ حتى لا يعطي الفرصة لأعداء الإسلام أن
ينالوا منه أو يؤخروا مسيرته نحو التقدم الصحيح الواثق المتزن.. هذا ما نرجوه وما
نأمله.. والله ولي التوفيق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل