; الجــزائـر:تحديات تأمين الحدود بسبب أزمات دول الجوار | مجلة المجتمع

العنوان الجــزائـر:تحديات تأمين الحدود بسبب أزمات دول الجوار

الكاتب عبدالعالي زواغي

تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-2016

مشاهدات 45

نشر في العدد 2093

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 01-مارس-2016

الجــزائـر:تحديات تأمين الحدود بسبب

أزمات دول الجوار

الجزائر: عبدالعالي زواغي

تشكل الحدود المترامية للجزائر هاجساً حقيقياً للسلطات السياسية والأمنية للبلاد، فعمقها الجغرافي والإستراتيجي الذي تحده سبع دول كاملة، أضحى محاطاً برمال متحركة تحاصره من كل جانب، بفعل ما تعيشه المنطقة من أوضاع أمنية خطيرة، وتحولات سياسية عميقة. 

ففي الحدود الشرقية التي يبلغ طولها 1256 كيلومتراً، منها 1006 كيلومترات ملتهبة بالكامل، وتتقاسمها مع ليبيا التي تعاني من أزمة سياسية وأمنية مزمنة، بفعل تنامي الانقسامات الداخلية، وازدياد نشاط التنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة، وأبرزها تنظيم «داعش»، الذي زحف أيضاً إلى الجارة تونس، ونفذ عدة عمليات إرهابية على ترابها؛ مما حفز دولاً غربية لإعلان نيتها في تدخل عسكري وشيك في ليبيا لمحاربة هذا التنظيم ووقف تهديده، وهو حتماً ما سيلقي  بالكثير من الحمولة الأمنية على كاهل الجزائر؛ بهدف تأمين حدودها وحمايتها من أي اختراق. 

أما في الجنوب، فهناك الحدود الحارة حرارة الصحراء مع دولتي مالي والنيجر اللتين بدورهما تعرفان تواجداً لتنظيم «القاعدة» الذي لا يزال تهديده قائماً من خلال العمليات التي ينفذها بين الحين والآخر، إضافة إلى استمرار النزاعات المسلحة، وتنامي ظاهرتي التهريب والهجرة غير الشرعية باتجاه الجزائر.. أما غرباً، فالحدود تشهد تدفقاً هائلاً للمخدرات وتهريب البنزين، والجزائر فعلاً تعاني من تعاظم ظاهرة تهريب المخدرات التي بات خطرها ينخر المجتمع، ويساهم في إحداث الكثير من المشكلات والجرائم المترتبة عن استهلاك وترويج هذه السموم المحرمة.

في الوقت الراهن، تولي السلطات الجزائرية أهمية كبيرة لما يحدث ما وراء الحدود الشرقية، فتسارع الأحداث في الجارة ليبيا، منذ انهيار نظام «معمر القذافي» عام 2011م، ألقى بظلاله على الواقع الأمني للجزائر، خصوصاً بعدما تمكن تنظيم «داعش» من إيجاد موطئ قدم له فيها، وبسط نفوذه على بعض المناطق الليبية؛ مما حدا بعدد من الدول الغربية إلى التفكير الجدي في تنفيذ تدخل عسكري لمحاربته واستئصاله، الوضع الذي سيفرز نتائج وارتدادات على المنطقة ككل؛ وهو ما استشعرته القيادة الأمنية والسياسية للجزائر باكراً، برفضها التدخل العسكري ودعوتها إلى حل سياسي توافقي يجمع كل الفرقاء الليبيين، ويساهم في استتباب الأمن وضمان وحدة البلاد. 

كما تدرك الجزائر جيداً النتائج المترتبة عن هذا الوضع المقلق والبالغ الحساسية، من منطلق أن التهديدات السياسية والأمنية تنتقل في منطقة جغرافية قريبة بسرعة أكبر منها في منطقة جغرافية بعيدة، لذلك فقد أحكم الجيش الجزائري، الذي صُنف مؤخراً في المرتبة 27 عالمياً ضمن أقوى جيوش العالم، قبضته البرية والجوية على الحدود الشرقية، وعزز من تواجده وانتشاره على طول الحدود الليبية، وفقاً لإستراتيجية عسكرية بعيدة الأمد يتم تحديثها دورياً، وتهدف إلى ضمان تغطية أمنية شاملة للشريط الحدودي، سواء من حيث تعداد أفراده وجهوزيتهم القتالية واستعدادهم الدائم ليلاً ونهاراً، أو من حيث حجم القوة النارية التي يحوزها والإمكانات والعتاد الحربي الذي تم تسخيره؛ بهدف سحق أي محاولة اختراق أو تهديد لأمن البلاد. 

وهي الإستراتيجية التي أثمرت خلال الأشهر الأخيرة توقيف عدد من الإرهابيين والقضاء على بعضهم، مع تسجيل عمليات حجز كميات من الأسلحة الحربية، واكتشاف مخابئ في بعض الولايات الحدودية مع ليبيا بالخصوص، وإحباط تدفق عدد من الأجانب كانوا ينوون الالتحاق بالتنظيمات الإرهابية النشطة في ليبيا، وفي طليعتها تنظيم «داعش»، مروراً بالأجواء الجزائرية، كما ساهمت اليقظة التي تبديها جميع الأجهزة المختصة في محاربة الهجرة غير الشرعية في توقيف عدد معتبر من المرشحين لذلك.

ولأن طبول الحرب قد دقت في ليبيا، فقد بدأت الجزائر تتحضر لمختلف التداعيات المحتملة، سواء من حيث تعزيز اليقظة الأمنية على حدود البلدين؛ تأهباً لصد أي اختراق محتمل نتيجة فرار عناصر إرهابية وتسللهم إلى داخل التراب الجزائري وما يشكله ذلك من تهديد على أمنها، أو حتى من حيث الاستعدادات المتعلقة بالإغاثة الإنسانية، لاحتمال حدوث موجة نزوح لمواطنين ليبيين هرباً من هذه الحرب؛ الأمر الذي دفع بالهلال الأحمر الجزائري إلى تسخير إمكانيات بشرية ومادية معتبرة لمواجهة قوافل النازحين المحتملين وتقديم المساعدة اللازمة لهم.

إلى جانب طوق النار الذي تشكله الحدود الشرقية للجزائر، بسبب النشاطات الإرهابية في دول الجوار، فإن الحدود الغربية تتسبب أيضاً في «وجع رأس» حقيقي للجزائريين، جراء التدفق المستمر والكثيف للمخدرات بمختلف أنواعها، على اعتبار أن الجزائر تُعتبر منطقة عبور لهذه السموم باتجاه دول الخليج وأوروبا، حيث فاقت الكميات المحجوزة من القنب الهندي (الحشيش) خلال عام 2015م، حسب الديوان الوطني لمكافحة المخدرات والإدمان بالجزائر، 109 أطنان،  60.35% منها تم حجزها بالحدود الغربية، أما الحدود الجنوبية، فتنتشر عبرها عمليات تهريب المخدرات الصلبة، وأهمها الكوكايين والهيروين والأقراص المهلوسة، وهي عمليات منظمة تديرها شبكات من الموردين الأفارقة.

ولخطرها الكبير على المجتمع والأمن الداخلي، فقد اتبعت الجزائر سياسة متشددة لمكافحة المخدرات القادمة من وراء الحدود، وسخرت جميع إمكاناتها البشرية والمادية والمالية للتقليل من تدفقها، بإشراك جميع الأجهزة الأمنية والمدنية، وهو ما أدى إلى إحباط عدة عمليات لإدخال كميات كبيرة من المخدرات وتهريبها عبر الحدود.

يندر أن توجد دولة في العالم تحوز حدوداً مترامية الأطراف ومليئة بالمفاجآت والتهديدات، مثلما هو الأمر مع الجزائر، لذلك فإن هذه الحدود «السباعية»، تعتبر بمثابة رهان حقيقي للسلطات الأمنية والسياسية في البلاد، للحفاظ على أمنها واستقرارها، وسط ظروف متقلبة وغير آمنة تعيشها دول الجوار.>

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل