الثلاثاء 09-سبتمبر-1980
• - لقد انصب الكفاح الإسلامي في باكستان على المطالبة بحكم إسلامي..
• - التناقض بين الإجراءات غير الشرعية وبين الإعلان عن تطبيق الشريعة الإسلامية، فسح المجال للاستهزاء؟
• - النظام الإسلامي يحرر الإنسان من كل أنواع الظلم والجحاف.
• - لا بد من عودة الحريات الأساسية وقيام الحكومة الصالحة..
• - عندما طوى أيوب خان الدستور انشطرت باكستان وانفصلت الشرقية عن الغربية.
بسم الله الرحمن الرحيم
«خطاب هام وجهه الأستاذ طفيل محمد أمير الجماعة الإسلامية إلى الجنرال محمد ضياء رئيس دولة باكستان»
سيادة رئيس باكستان الجنرال محمد ضياء الحق إسلام أباد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: وبعد،
أرسل إليكم رسالتي هذه التي عبرت فيها عن انطباعاتي وأحاسيسي عما تعانيه باكستان حاليًا من أوضاع ومشكلات. كما أنها تتضمن ما أراه مناسبا لتحسين تلك الأوضاع وحل تلك المشكلات وقد أملى علي واجب النصح للإسلام وللوطن ولكم بأن أرفع إليكم بهذه الرسالة. ولا أستطيع أكثر من ذلك. لأن أزمة السلطة بيدكم ولا يتحقق مما قلت في الرسالة إلا ما تريدونه أنتم وما قدر الله لنا ولكم. ولهذا البلد الكريم. وعلى كل، أدعو الله سبحانه وتعال أن يكتب لكم التوفيق فيما فيه خير الإسلام والأمة الإسلامية وسعادتها في الدنيا والآخرة.
الناصح الأمين
طفيل محمد
التاريخ ١٢ شوال المكرم ١٤٠٠ ه
26 يوليو 1980م
نص الخطاب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحكم الإسلامي غاية الكفاح:
إن كفاح المسلمين في باكستان على امتداد تاريخها كان له أمر واحد هو: أن تتمتع باكستان بحكم يكون بمعنى الكلمة ممثلًا للإسلام ولتحويلها إلى دولة إسلامية
تكون الشورى ركيزة أساسية من ركائزها.
والحركة الثورية التي تفجرت ضد نظام بوتو الاشتراكي والتي اتخذت النظام الإسلامي شعارها ، هي كذلك لم تستهدف إلا إلى النظام الإسلامي في جميع نواحي الحياة، وإقامة حكومة إسلامية شورائية تمثل رغبة الشعب بدلاً من النظام الدكتاتوري القائم.
وإن جميع المشاريع الدستورية التي وضعت في باكستان في أعوام 1954م و1956م و1963م اتفقت على اختلافها في كثير من المواد، على أن مسلمي شبه القارة الهندية والباكستانية والسيد محمد علي جناح القائد الأعظم لم يكونوا باكستان إلا لتحقيق الأهداف المذكورة أعلاه.
كما أن الجريدة التأسيسية الأولى التي كانت تضم قادة باكستان استصدرت قرار في مارس 1949م عرف بـ «قرار الأهداف» لتبنيه تلك الأهداف.
وأضيف كوثيقة رسمية لأهداف باكستان إلى مقدمة كل مشروع دستوري وضع في باكستان.
إلغاء الانتخابات يثير تعقيدات:
ومع أن الحكومة الحاضرة هي كذلك اتخذت نفس الأهداف نصب عينيها، إلا أنها بإلغائها الانتخابات العامة مرة بعد أخرى وأخيرا إلغائها في 17 نوفمبر 1979م لأجل غير مسمى تسببت في إثارة التعقيدات وإحداث المشاكل الجديدة في داخل أطر الحكومة وخارجها في كل شعبة من شعب الحياة.
ولا أدري هل تدرك السلطات أم لا. إلا أنه من الحقيقة أن هناك فجوة هائلة تمت بين الحكومة والجماهير بكل خطورة بالغة.
ثم إن الآمال التي علقها الشعب على الإعلانات والبيانات التي صدرت بملء الصوت من إقامة النظام الإسلامي وعن تطبيق الحدود وتكوين المحاكم إسلامية أصبحت فارغة في واقع الحياة وسرابا لا وجود له.
الأمر الذي أثار فعل عنيف في داخل البلاد وخارجها، فأصبح بذلك المسلمون يعيشون حالة التشاؤم والتذمر بينما أصبحت القوى المعادية للإسلام تتشجع وتتقوى بمرور الوقت.
الجهود كلها لمواجهة الروس:
وجعل الاحتلال الروسي لأفغانستان وما يتمخض عنه من المخاطر هذا الوضع أكثر تعقيدا. إذ إن الظروف تقضي لمواجهة نتائج الاحتلال الروسي أن يكون كل من الجيش والشعب يقوم على جبهته المناطة به بكل نشاط وجلد. وهذا لا يمكن في البلاد حكم يثق فيه الشعب من ناحية ويستنفد جهده لتحسين إدارة الدولة وحل مشاكل البلد من ناحية أخرى- أما الجيش فعليه أن ينفض يده من الإدارة المدنية ليتفرغ لأداء مسؤولياته المهمة الثقيلة تجاه الدفاع عن الحدود. وبدلاً من أن تتسع الفجوة بين الشعب والجيش لأجل تدخل الأخير في شؤون البلد العامة وحدوث الشكاوى من الجماهير ضده، بدلاً من ذلك يجب أن تتوطد صلات الوئام والتقدير والتعاون والتساند.
العودة إلى الحكم الشعبي:
وفي ضوء هذه الرؤية للأحداث ليس للأمة الإسلامية الباكستانية من طريق واضح للخير والسعادة إلا اتخاذ الخطوات اللازمة السريعة لإقامة المؤسسات الدستورية على أساس دستور عام 1973م الذي أجمع عليه الشعب كله، حتى تقوم في البلد حكومة ممثلة للشعب. والانصراف من هذا الطريق إلى طريق آخر لا بد من أن ينتهي إلى المزيد من تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية وإلى زيادة الشعور بالحرمان وعدم الطمأنينة في المقاطعات المتخلفة بسبب عدم مساهمتها في السلطة ثم إلى إتاحة الفرص المتعاقبة للعناصر الهدامة في إثارة القلاقل والاضطراب والكراهية بين مختلف الطبقات. ولعمري كيف ينبغي أن نجعل جيشنا ينزلق في مزالق السياسة شيئا فشيئا، وأن ينهار مركزه في المجتمعات الدولية.
ولذلك يقتضي واجب النصح للأمة ورجال الحكم تحقيق ما يلي بدونما تأخير:
خطوات الإصلاح:
- إلغاء الرقابة على الصحف، واستعادة الحق في إبداء الرأي وتنظيم اللقاءات كما ينص عليه دستور الدولة. حتى تستطيع الحكومة والشعب كذلك الاطلاع على ما يجري في البلاد من الأوضاع، ثم يسعى كل واحد منهما في تحسينها بالتعاون فيما بينهما. ومن الحق أن القانون المدني في باكستان فيه كفاية لقمع المجرمين والمنحرفين، ولا يحتاج الأمر إلى فرض حالة الطوارئ بشرط أن يكون القائمون على تنفيذ القانون رجالاً يتسمون بالأمانة والصدق والشعور بالمسؤولية.
- رفع الحظر المفروض على الأحزاب السياسية لكي تتمكن من تبصير الناس بمسؤولياتهم، وتبصيرهم بمقتضيات الفكرة التي قامت عليها باكستان والظروف التي تسودها، والأخطار التي تحدق بها، كي تستطيع كذلك إيقاظ حماسة الجهاد في قلوبهم للدفاع عن الدين والأمة وتوطيد دعائمهما، بينما نرى الآن أن البلد أصبح مرتعا خصبا للقوى الهدامة التي تشتغل في السر.
- استعادة المؤسسات الشعبية على جميع المستويات بوساطة الانتخاب العام وتشكيل الحكومة الممثلة. ويجب أن يكون نظام الانتخاب القادم على مبدأ التمثيل النسبي والتصويت غير المختلط «أي انفصال أصوات غير المسلمين من أصوات المسلمين» كما كان مقررا في الانتخاب الذي أعلن موعده في ١٧ نوفمبر ١٩٧٩م ثم ألغي إلى أجل غير مسمى.
وبهذا النظام فقط تنال كل طبقه وكل حزب حق التمثيل في البرلمان والمجالس بقدر يناسب حجمه، ولا يشتكي بعد ذلك أي حزب من الأحزاب أو فئة من الفئات صغيرة كانت أم كبيرة، تمثل الأغلبية أم الأقلية الإجحاف وعدم حصولها على حق التمثيل بنسبة أصواتها.
- إلغاء جميع التعديلات التي أدخلت أخيرا على دستور الدولة لأنها شلت السلطات القضائية وجعلت المواطنين يعيشون في رحمة السلطات التنفيذية تماما التي من صلاحياتها أن تخطف أي مواطن تشاء وأينما تشاء، وتمارس معه ما تريد من الظلم لا تسئل عما تفعل.
- النظام الإسلامي تحرير للإنسان
ومن الذي لا يكابر فيه أحد أن ممارسة تلك الإجراءات في ناحية وإصدار الإعلانات عن تطبيق الشريعة الإسلامية في ناحية أخرى يجعل الإسلام والنظام الإسلامي مهزلة في أعين العالم المتحضر. كما أن أعداء النظام الإسلامي ظلوا يستهزئون بالإسلام بالاستناد إلى تلك الإجراءات. بينما ليس النظام الإسلامي للحياة إلا عبارة عن تحرير الإنسان من كل نوع من أنواع الظلم والإجحاف، ومن كل لون من ألوان الاستغلال والحرمان، ومن كل ضرب من ضروب الأغلال والإصر. كما أن التعاليم التي جاء بها الإسلام على لسان محمد صلى الله عليه وسلم تعتبر الإسلام والحياة الاجتماعية أمرين متلازمين، أما أنتم فحرمتم على الشعب ممارسة الحياة الاجتماعية ثم قد فرض الله سبحانه وتعال في كتابه على المؤمنين تضافر الجهود لأجل إقامة النظام الإسلامي ولكنكم جعلتم بذل الجهود المتكاتفة جريمة لا تغتفر. يجب على كل شخص يؤمن.. بالله ورسوله ويعلن إسلامه أن يجاهد ليقمع المنكر بيده، وإن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه. لأن النظام الإسلامي للحياة ليس مما يعلن باللسان ويصدر عنه قرارات فقط، بل هو تطهير المجتمع من جميع المنكرات. ولذلك فإن الإسلام يؤكد على الذين يحملون لواءه في الدنيا أن يطبقوه على أنفسهم قبل أن يطبقوه على غيرهم. ومنطق الإسلام في هذا الصدد واضح جلي لأن أي نظام في العالم لا يمكن أن يطبقه ويبرزه إلى حيز الوجود إلا الذين يعرفون أن تنفيذه في حياتهم الفردية وفي كل ناحية من نواحي الحياة الاجتماعية من أوجب واجبات الإيمان. ثم إن نظام الإسلام يجب أن يحوز على تأييد شعبي بقدر يتمكن به من كسر الحواجز وتذليل العراقيل وتحطيم المؤامرات التي تحكيها الطبقات النفعية ضد الإسلام. ومن البديهي أن كل ذلك لا يتم إلا بعد استعادة الحريات الأساسية وقيام الحكومة التي يثق المسلمون في ولاءها الصادق مع العقيدة الإسلامية وفكرة باكستان الإسلامية.
الإعلام في خدمة الإسلام:
وبجانب اتخاذ الإجراءات الأربعة التي أشرنا إليها آنفًا لا بد كذلك من استخدام كافة الوسائل الإعلامية لأجل إقناع كل فرد في باكستان من الذكر أو الأنثى بأن أعداء الإسلام وأعداء باكستان في جانب، وأصدقاء الإسلام وباكستان الحمقى في جانب آخر يبذلون جهودهم، كل في مجاله، لإثارة التناحر بين المسلمين: وإحداث الفوضى والتفكك في المؤسسات الاجتماعية، في الوقت الذي وصلت القوة العالمية الكبرى «روسيا» حدودنا، وبدأت تهدد كياننا. كما أنها تقتل كل يوم الآلاف من إخواننا الأفغانيين.
إذن فمن مقتضى العقل والإيمان أن نعمل على إنقاذ الشعب من التناحرات ودفعه إلى حل الخلافات بالتفاهم وبأساليب ديمقراطية معروفة. لا هذا فقط، بل علينا أن نستحث الناس على مساعدة إخوانهم الأفغانيين في كل المجالات وعلى جميع المستويات.
العودة إلى دستور 73:
ولإيجاد هذا النوع من الجو لا بد من استعادة فعاليات دستور عام 1973م الذي أجمعت عليه كافة الطبقات بدلا من تجميد السلطات القضائية وإلغاء الحريات الأساسية، ولا بد كذلك أخذ الدروس من الأخطاء الماضية ونتائجها الفظيعة، ومن تلك الدروس أن أيوب خان لما قام بالانقلاب العسكري في باكستان في عام ١٩٥٨م وطوى دستور باكستان الذي كان وضع وطبق عام ١٩٥٦م. أدى ذلك الأمر في النهاية إلى انشطار باكستان وانفصال باكستان الشرقية عن باكستان الأم. وفي ضوء ذلك لا يصعب على العاقل أن يفهم جيدا أن الدستور الراهن والذي وضع عام 1973م أي بعد انشطار باكستان بعامين. ووافقت عليه كافة طبقات الشعب الباكستاني برمتها بعد اللتيا واللتي. إذا لم يسمح له بالتحكم في شؤون باكستان المتبقية لا يكون نتيجة ذلك أقل خطرا من الخطأ السابق الذي مارسه الحكم الأيوبي، فسلامة البلاد تكمن في عدم تطويل مدة الفراغ الذي حصل بعد تجميد ذلك الدستور، وأن تعاد جميع المؤسسات الاجتماعية والمناصب التي يقتضي الدستور قيامها بأسرع ما يمكن لتوفير الفرص للجماهير الباكستانية لأن تسير أمور بلدها بنفسها على غرار الشعب الهندي.
كيف ينجح الهندوس؟؟
ويخفق المسلمون!!
ومن المؤسف، بل من المخزي أيضا أن الذين قد بلغ بهم الانحطاط الفكري أي الهندوس إلى أن يعبدوا ثلاثمائة وعشر مليونا آلهة من دون الله ويتخذون البقرة إلها لهم يتمكنون من تسيير أمور بلادهم بأنفسهم بكل الاعتزاز والثقة بالنفس
أول يوم الاستقلال. بينما الذين يحملون كتاب الله ويؤمنون بآخر الأنبياء ويرفعون لواء دعوته صلى الله عليه وسلم في الدنيا يعيش عيشة قطيع الأغنام يتعاقب عليه حكام كل واحد منهم يصر على .... هذا الشعب تنقصه الذاتية والثقة بالنفس فلا بد له أي للحاكم، أن يفرض نفسه عليه ويحتوي احتواء الأم لولدها الرضيع الذي يستطيع الحركة إلا برعاية أمه.
الشورى أساس:
وأخيرا رأيتم بأم أعينكم مصير أوامركم لإقامة الصلاة في الدور الحكومية والقوانين الإسلامية الأخرى التي أصدرتموها.
وإلى قبل مدة قليلة أصدرتم قانون جمع أموال الزكاة وتوزيعها على المستحقين، وأرجو أن لا يكون مصير قانون الزكاة كذلك مصير القوانين السابقة ولا قدر الله والصفة الأساسية لنظام الحكم الإسلامي هي الشورى كما ورد في كتاب الله عز وجل: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) ، (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ).
وبدون ذلك لن يكون لأي إجراء من الإجراءات الرسمية وزن ولا تقوم له قائمة.
وختاما أدعو الله عز وجل أن يسدد خطاكم ويوفقكم لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين.
«أمير الجماعة الإسلامية بباكستان»