; الجماهير العربية في سلة خبز | مجلة المجتمع

العنوان الجماهير العربية في سلة خبز

الكاتب أحمد راؤول

تاريخ النشر الثلاثاء 22-نوفمبر-1988

مشاهدات 65

نشر في العدد 892

نشر في الصفحة 17

الثلاثاء 22-نوفمبر-1988

* أثبتت التجارب أنه لا جدوى من تطبيق «نصائح» البنك الدولي.

* رفع النميري الدعم عن السلع الغذائية وزاد أسعار الخبز فسقط.

* منطقتنا العربية هي أكبر منطقة مستوردة للقمح في العالم.

* الجفاف والنمو الديمغرافي لا يفسِّران وحدهما هذا النقص الكبير في المواد الغذائية.

* دول الفائض الغذائي تدعم صادراتها الغذائية حتى لا تتدنَّى أسعارها فينعكس ذلك سلبًا على الفلاحين وعلى النشاط الزراعي.

«ليس بالخبز وحده يعيش الإنسان» إن في هذا الشعار الذي يرفعه المنادون بالحرية والعدالة والمساواة إقرارًا واعترافا ضمنيًا بأن الخبز هو الضرورة الأولى بالنسبة للإنسان إذ لا بد من تَوَفُّرِ الخبز والغذاء عمومًا حتى يبقَى الإنسان على قيد الحياة ثم ينشط لتحقيق متطلبات حياته المادية الأخرى.

وعندما يثور الناس مطالبين بالخبز فإن ذلك يعني أن السكين قد وصل إلى العظم ومن هنا ينظر إلى ما أطلقته الصحافة على المظاهرات العنيفة التي وقعت في كل مصر والسودان وتونس والمغرب منذ سنوات قليلة وفي الجزائر مؤخَّرًا من تسميات مثل «أحداث الخبز» أو «انتفاضات الخبز» أو «ثورات الخبز» على أنَّه ذو دلالة بالغة الخطورة، والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا الجمع بين كل تلك الأحداث تحت تسميات تفوح منها رائحة الخبز الممزوج بالدم؟ وماذا يعنِي ذلك بالنسبة للأمن الغذائي العربي الذي صار هاجس المواطنين العاديين والمسؤولين على حد سواء؟

القشة التي قصمت ظهر البعير

ليس من باب الصُّدفة أن يذكر المراقبون السياسيون لما يجري على الساحة العربية إبَّان أحداث الجزائر في شهر أكتوبر الماضي بما حدث قبل في تونس والمغرب ومصر والسودان وأن يربطوا بين تلك الأحداث ويبرزوا الجوانب المشتركة بينها، ومن أهم تلك الجوانب المشتركة أن الأحداث المشار إليها هي أعنف الأحداث على الإطلاق في ربع القرن الأخير بالنسبة للبلدان التي وقعت فيها وقد هزت أمنها واستقرارها وستبقى علامة فارقة في تاريخها الحديث فعندما وقعت أحداث 18 و19 يناير 1977 في مصر كانت المرة الأولى التي يفرض فيها حظر التجوال منذ قيام حركة 1952 وتنزل فيها القوات المسلحة إلى الشارع ويسقط خلال يومين فقط 77 قتيلًا و214 جريحٍ وفق البيانات الرسمية، وفي تونس خرج الشارع عن سيطرة قوات الأمن في يناير عام 1984 مما استدعى نزول الجيش إلى شوارع العاصمة والمدن الأخرى وإعلان حالة الطوارئ وقد تم منع التجول ليلًا لأول مرة منذ 27 عامًا كما قذفت لأول مرة منذ الاستقلال سيارة الرئيس السابق بورقيبة بالحجارة والبندورة وقد سقط في تلك الأحداث ما لا يقل عن 150 قتيلا غالبيتهم من الشباب.

وبعد ثلاثة أسابيع فقط من أحداث الخبز في تونس يتفجر الوضع في المغرب بطريقة مشابهة وإن كان أقل دموية.

أما ما حدث في السودان عشيَّة السادس من أبريل عام 1985 فلا أدل على أهميته وخطورته من أنه كان الخطوة الأولى عن طريق الإطاحة بنظام جعفر النميري.

الجانب المشترك الثاني في كل هذه الأحداث هو أن الخبز والغذاء عمومًا كان فيها القشة التي قصمت  ظهر البعير ففي مصر كان السبب المباشر لانفجار أحداث 18 و19 يناير 1977 تلك القرارات الأولى من نوعها منذ عام 1919 التي توصلت إليها المجموعة الاقتصادية في مجلس الوزراء المصري والتي تقضي برفع الدعم عن عدد من السلع الأساسية مثل الدقيق «وبالتالي الخبز والسكر والأرز والشاي والغاز» وقد صدمت زيادات الأسعار المواطنين حيث وصل إلى 50% بالنسبة للخبز و25% بالنسبة للسكر والأرز و35% بالنسبة للشاي والغاز، علمًا بأن  مواد أخرى كمالية أو نصف كمالية وصلت زيادة أسعارها إلى 120% وفي مقابل ذلك لم تحدث أية زيادة في الأجور لمدة تربو على 15 عامًا ولم تتوقف الاضطرابات إلا بعد إعلان الحكومة إلغاء قرارات رفع الأسعار وإذاعة قرار جديد يوم 20 يناير بوقف العمل بالقرارات السابقة التي كانت المجموعة الاقتصادية قد انتهت إليها بشأن زيادة أسعار السلع الاستهلاكية.

وفي تونس كان منطلق أحداث يناير 1984 بدء تنفيذ قانون أقرَّه مجلس النواب التونسي ويقضي بمضاعفة أثمان الخبز والدقيق ومشتقات الحبوب الأخرى ولم يكن ينقص الشعب التونسي سوى قرار مثل هذا ليصل الاحتقان إلى ذروته فتتطلق الشرارة الأولى من الجنوب التونسي بسبب كيس طحين طلب من مشتريه أن يدفع ثمنا له ضعف ما كان يدفعه من قبل، وبسرعة وصل الحريق إلى العاصمة التونسية ولم يهدأ الوضع إلا بعد نزول الدبابات إلى الشوارع ومرة أخرى يضطر أولو الأمر وفي مقدمتهم الرئيس السابق بورقيبة إلى التراجع حيث أعلن يوم 6 يناير عن إلغاء قرار الزيادة في الأسعار وإن تم هذا الإلغاء في إطار خطة لإقصاء بعض الشخصيات وتحميلهم مسؤولية الأحداث الدامية وما ترتب عنها من خسائر جسيمة، وفي المغرب تلبدت السماء بالسحب تدريجيًّا بسبب الزيادات المتوالية في الأسعار وجاء يوم 27 ديسمبر حيث طالب الملك الشعب المغربي بمزيد من شد الحزام على البطون ورغم أنه قال في تصريحه يجب أن يُستثنَى الفقراء من ارتفاع الأسعار، فإن الواقع كان عكس القول تمامًا وقد سبق للحكومة المغربية أن تقدمت في شهر يوليو 1983 ببرنامج تقشف حمل معه زيادة في الأسعار تتراوح بين 20% و40% للخبز ولم يأتِ يناير 1984 حتى سجَّل ارتفاعًا في جميع المواد الأساسية وفي مقدمتها دقيق القمح والخبز والسكر والشاي والزيت وانفجرت الاضطرابات التي صادفت انعقاد القمَّة الإسلامية في الدار البيضاء ورغم التكتُّم الرسمي على تلك الأحداث إلا أن وسائل الإعلام الأجنبية رسمت صورة لجسامتها وعنفها، وكان من المتوقع أن يحدث سيل جديد من الزيادات في الأسعار ولكن انفجار الأحداث جعل ملك المغرب يلغيه في خطابه الذي ألقاه يوم 22 يناير.

وفي السودان يتكرر تقريبًا نفس السيناريو ولكنه يتفاعل مع عوامل أخرى فيقتلع النميري من كرسيِّه ففي مارس 1985 اتخذ نميري قرارات تحت وطأة الانهيار الاقتصادي تقضي برفع الدعم عن السلع الغذائية والزيادة في أسعار الخبز وكانت الزيادة مهولة حيث أصبح الرغيف يساوي 20 قرشًا وهذا يعني أن الأسرة المتوسطة باتت تحتاج إلى ستة جنيهات يوميًّا لتأمين الخبز وحده أي بواقع 180 جنيها في الشهر والأدهى من ذلك أن المنتظرين في طوابير للحصول على الخبز كانوا أحيانا يعودون إلى بيوتهم صفر اليدين.

وحتى في أحداث الجزائر الأخيرة كان الخبز وندرة المواد الغذائية من العوامل التي ساعدت على إشعال الفتيل وقد هرعت الحكومة في خطوة أولية لتهدئة الوضع إلى إغراق السوق بالمواد الغذائية وتوفير الخبر بكميات كبيرة مما جعل بعض الجزائريين يتساءلون: أين كانت كل هذه المواد الغذائية من قَبْل وهل كان لا بد أن يحدث ما حدث حتى تظهر؟

صندوق النقد الدولي وراء انتفاضات الخبز في البلدان العربية

اللافت للنظر أن المعارضة في كل البلدان التي وقعت فيها انتفاضات الخبز ما عدا الجزائر تشير بأصبع الاتِّهام إلى تدخلات الصندوق الدولي وتوصياته وقد حذرت من اتِّباع تلك التوصيات ولكن الحكومات المعنية تحت ضغوط الأزمة الاقتصادية ونتيجة وقوعها في فخ الدَّيْن والاعتماد على جزء من غذائِها على مما يأتيها من وراء البحر أحنت الرأس فوقع ما وقع وكشف إلى أي حدٍ نحن نفتقد الأمن الغذائي.

والجدير بالملاحظة أن «وصفة» صندوق النقد الدولي لكل البلدان العربية المذكورة سابقًا وحتى لبلدان أخرى من العالم الثالث المرتبطة بعجلة الاقتصاد الرأسمالي مثل نيجيريا والباكستان والبرازيل تقوم على خمسة مرتكزات أساسية هي:

1- وقف الدعم عن السلع الأساسية ومواد التموين مثل الخبز والسكر والوقود.

2- خفض قيمة العملة الوطنية على أن ذلك يساعد على تصدير السلع المحلية.

3- تصفية مؤسسات القطاع العام باعتبارات ذلك يخفف من عبء الإنفاق الحكومي ولا يهم ما يترتب على ذلك من تفاقم مشكلة البطالة.

4- رفع الحواجز الجمركية أو تخفيفها أمام البضائع والسلع الأجنبية.

5- الضغط على الرواتب والأجور.

ولا يخفَى أن هذه النصائح أو بالأحرى الضغوط هي تدخل صارخ في شؤون الآخرين وأن التجربة أثبتت أنه لا جدوى منها حيث طبقت بعض هذه النصائح دول مثل المغرب ومصر ولم تجنِ من ورائها فوائد تذكر، وإذا عرفنا أن هذه النصائح ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمشكلة الديون وفوائدها المتعاظمة وأن ما ستوفره الحكومات من ذهب لسداد أموال الديون وفوائدها التي حلَّت آجالها؛ عرفنا أنها الطامة الكبرى على ضعاف الحال من  المواطنين، وعلى الاقتصاد الوطني، وعلى الصناعة والزراعة المحلية التي لن تصمد أمام البضائع المستوردة والمدعومة من الدول الغنية التي تملك فائضًا غذائيًّا تبحث له عن أسواق حتي لا يتدني سعره فينعكس سلبًا على الفلاحين وعلى النشاط الزراعي وحتى الجزائر التي نجحت في الابتعاد عن التدخلات السافرة لصندوق النقد الدولي في شؤونها الاقتصادية لم تنجُ من آثار الأزمة العالمية بحكم استيرادها لنسبة كبيرة من موادها الغذائية من الخارج وهي على سبيل المثال تستورد 65% من حاجاتها من الحبوب وبالتالي كان لا بد أن يتعرض سعر الخبز والمواد التموينية الأخرى في الجزائر إلى تقلُّبات السوق العالمية وهكذا دبت العدوَى إلى الجزائر بعد أن صمدت طيلة الأعوام السابقة من الثمانينيات.

خبز من وراء البحر 

لا نبالغ إذا قلنا إن كل رغيفين يأكلهما العربي في أكثر من بلاد عربية رغيف منها يأتي من وراء البحر، وإذا كانت هذه الملاحظة تبعث على الاستياء فإن الذي يبعث أكثر على الاستياء أننا لا نرى في الأفق ما يدعو إلى التفاؤل بتغيير هذه المعادلة.

وإذا أخذنا القمح كمثال وباعتباره أهم الحبوب الغذائية المستوردة من قِبَل الدول العربية نجد أن العرب استوردوا منه في عام 1985، حوالي 21 مليون طن متري بقيمة قدرها حوالي 3.7 مليار دولار، وبهذا تكون نسبة الدول العربية 20.3% من جملة المستوردات العالمية منه وهذا يعني أن منطقتنا العربية هي أكبر منطقة مستوردة في العالم لهذه المادة الغذائية الهامَّة، وتأتي على رأس قائمة المستوردين العرب للقمح مصر بسبعة ملايين طن متري، ثُمَّ الجزائر بأربعة ملايين وأربعين ألف طن، ثم العراق، تليها المغرب فالسودان.

وعندما تقرأ هذه الأرقام نتساءل في حيرة لماذا يأتي خبزنا من وراء البحر وأكثر من مسؤول عربي وأكثر من جهة رسمية عربية ترددد على مسامعنا أن السودان وحده يمكن أن يكون سلة خبز للعالم العربي بأسره؟ 

لماذا يأتي خبزنا من وراء البحار ووطننا العربي يشمل 10.3% من مساحة اليابسة وهو بذلك أكبر من قارة أوروبا بكاملها وأكبر من الولايات المتحدة الأمريكية، ويحتوي على اثنين من أهم الأنهار في العالم وهما حوض وادي النيل في مصر وحوض دجلة والفرات في العراق.

لقد كانت مصر حتى الستينيات تكفي نفسها من القمح ولكنها اليوم أكثر بلدان العالم استيرادًا له، وكانت  الجزائر حتى وقت قريب مصدرة للقمح لأوروبا ولفرنسا بالخصوص، وحتى سوريا التي كانت منذ سنين قليلة مصدرة للقمح أصبحت اليوم مستوردة له، أما المغرب والسودان والعراق فإن أمرها يدعو إلى التأمُّل إن لم نقل إلى الدهشة والحيرة حيث تتوفر أخصب التربة في الوطن العربي ومصادر مائية هامة، وإذا كنَّا لا ننكر الإشارة السلبية للجفاف على الزراعات العربية، كما لا ننكر ضغط النمو الديمغرافي على استهلاك المواد الغذائية ولكن كل هذا لا يفسر عجز الوطن العربي عن الإيفاء بحاجته من الغذاء.

الغذاء سلاح

تكمُن خطورة الاعتماد على الخارج في تلبية الحاجة من الغذاء في أن هذا الغذاء أصبح سلاحًا تستعمله الدول المصدرة لتوجيه سياسة الدول المستوردة بما يكفل لها تنفيذ مخططاتها وليس هذا بالأمر الجديد فمنذ ثلاثين سنة سمعنا سناتور أمريكيًّا يقول: إن نبأ اعتماد الناس على الولايات المتحدة الأمريكية في غذائهم كان نبأ طيبًا بالنسبة له إذ إن الاعتماد الغذائي طريقة رائعة تجعل الناس يعتمدون عليك «أي يتعاونون معك» ونعرف نحن ماذا يعني «التعاون» في قاموس الدول الكبرى وبالذات في قاموس الولايات المتحدة وأوضح دليل على اعتماد الولايات المتحدة على سلاح القمح التقرير الذي وضعته وكالة المخابرات الأمريكية بطلب من هنرِي كيسنجر عام 1974 وقد جاء فيه:

«إن نقص الحبوب في العالم من شأنه أن يمنح الولايات المتحدة سُلطة لم تكن تملكها من قبل... إنها سُلطة تمكِّنها من ممارسة سيطرة اقتصادية وسياسية تفوق تلك التي تمارسها في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية».

وبعد هل تهنأ الأجيال العربية القادمة بأكل خبز عربي وتستطعمه؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

159

الثلاثاء 07-أبريل-1970

أحداث السودان

نشر في العدد 8

133

الثلاثاء 05-مايو-1970

صحافة - العدد 8