العنوان الجميع يسعى لتقسيم البوسنة بين الصرب والكروات
الكاتب أسعد طه
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-1995
مشاهدات 95
نشر في العدد 1164
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 29-أغسطس-1995
تتتابع المحطات التي تمر بها القضية البوسنية بسرعة شديدة ومتلاحقة، وخلال شهري يوليو وأغسطس 1995م شهدت المنطقة تطورات مهمة بدأت بسقوط سريبرينيتسا وجيبا، ومرت بالنصر الكرواتي السريع والحاسم، وانتهت بالأطروحات السلمية الجديدة، واحتمالات تفجر الموقف العسكري.
ورغم أن سقوط البلدتين «الأمنتين» حسب القرار الأممي لم يشكل تطورًا عسكريًّا باعتبار أنهما كانا منذ عام ۱۹۹۲م في حكم السقوط، إلا أن الحادث وقع بأسرع مما كانت تظنه القيادة السياسية البوسنية التي يبدو أنها كانت موعودة برد فعل دولي قوي يحول أو يؤجل على أسوا تقدير من سقوطها، وهو الأمر الذي أدى إلى اتخاذ القيادة العسكرية البوسنية قرارها المفاجئ بوقف العمليات العسكرية حول سراييفو، والتي كانت تستهدف فك الحصار عنها لإعادة ترتيب الأوراق من جديد وفق المعطيات التي استجدت على الساحتين السياسية والعسكرية.
وأعقب هذه الحادثة تسارع التقارب المسلم الكرواتي، والذي تم ترجمته في شمال غرب البوسنة؛ حيث تدخلت كرواتيا بصورة مباشرة في هذه المنطقة لتقوم قواتها بمساعدة القوات البوسنية في تحرير مدينتي جلاموتشي، وجراهفو الإستراتيجيتين، وهو ما اعتبر خسارة صربية كبيرة.
وفي حسابات الجانب الكرواتي فإن تحرير هاتين المدينتين كان الخطوة الأولى والأساسية في العمليات العسكرية الكرواتية التي بدأت لاحقًا لتحرير منطقة كرايينا في كرواتيا، باعتبار أن هذا النجاح قطع طريق الإمدادات الرئيسي الذي تتدفق عبره المساعدات من صربيا إلى كنين التي يتخذها صرب كرواتيا الانفصاليين عاصمة لهم، وحتى تصل هذه الإمدادات يجب أن تسلك طرقًا جبلية وعرة وطويلة للغاية، وعندما بدأت العملية الكرواتية في الرابع من شهر أغسطس، فإن القوات الكرواتية استخدمت هذه المناطق البوسنية المحررة لتدك المواقع الصربية حول كنين، وبانتهاء العملية العسكرية الكرواتية بنجاح ساحق استردت كرواتيا خلالها أراضيها المحتلة في منطقة كرايينا بسرعة شديدة ثار من أجلها المزيد من الشائعات عن وجود اتفاق سري جديد بين الرئيسين الصربي والكرواتي، تنازل الصربي عن دعم أشقائه في كرواتيا «صرب كرواتيا» مقابل الاتفاق مع الرئيس الكرواتي على التخلي عن تحالفه مع المسلمين، والتوصل إلى تصور نهائي بشأن تقسيم البوسنة والهرسك بينهما.
ورغم النفي القاطع والحاسم من قبل القيادات الكرواتية، إلا أنه كانت هناك أرضية خصبة لانتشار مثل هذه الشائعات، فالأراضي البوسنية أهم للرئيسين الصربي والكرواتي مما عداها من أراض، كما أنها لم تعط أية تفسيرات واضحة ومقنعة تبرر هذا النصر السريع والحاسم.
وفي مقابلة صحفية مع قائد القوات الدولية في كرواتيا اللواء الأردني عيد كامل قال: إن القيادات الصربية في كرواتيا طلبت منه بعد بدء المعارك مباشرة مساعدتها في إجلاء السكان الصرب عن كرايينا بما يعني أن هناك قرارًا واضحًا بعدم المقاومة، والانسحاب وتسليم الأرض.
وما رأيته خلال الجولة الصحفية التي أعدتها وزارة الدفاع الكرواتية للصحفيين الأجانب لزيارة الأراضي المحررة يثير أيضًا الشك، فغالبية المنازل المحترقة والمدمرة، إما نتيجة حرب عام ۱۹۹۱، أو أن الصرب قاموا بأنفسهم بحرقها قبل مغادرتها وفقًا للعادات الصربية القديمة؛ حتى لا يسكنها أحد غيرهم، وهناك بلا شك البعض بما أصيب في المعارك الأخيرة، وشاهدنا الأعلام البيضاء وهي ما زالت مرفوعة على منازل الصرب الذين هربوا، وفي كل الأحوال فإنه لم يكن بوسعنا أن نسجل علامات مقاومة حقيقية من قبل الصرب الذين كانوا بوسعهم الدخول في مفاوضات مع كرواتيا، والاعتراف بشرعية حكومتها، وكان ذلك على الأقل سيمنحهم الفرصة للبقاء في ديارهم أو الديار التي استوطنوا بها.
السلام على الطريقة الأمريكية
وسرعان ما طرحت الولايات المتحدة الأمريكية مبادرة جديدة للسلام في المنطقة ظهرت بوادر موافقة من الجانبين الصربي والكرواتي عليها، وأبدى الجانب البوسني رفضًا مبدئيًا لها.
وحتى اللحظة لم تعلن بنود هذه المقترحات، لكن ما نشر يفيد أنها تمنح صرب البوسنة حق الكونفدرالية مع صربيا، مما يعني تقسيم البوسنة بين دولتي صربيا وكرواتيا، باعتبار أن الولايات المتحدة الأمريكية ضغطت سابقًا على المسلمين؛ ليوافقوا على حق الدولة الفيدرالية المشكلة بين المسلمين والكروات في البوسنة في الكونفدرالية مع كرواتيا، وأدخل المشروع الأمريكي تعديلًا على خريطة مجموعة الاتصال الدولية يمنح الصرب حق ضم شرق البوسنة إليهم، وهي التي كانت تضم ثلاثة جيوب مسلمة سقطت اثنتان منها: سريبرينيتسا وجيبا وبقيت جوراجدي، والمدهش أن الأمم المتحدة وأمينها العام بطرس غالي قررًا فجأة سحب القوات الدولية من حول جوراجدي على أن تقوم طائرات حلف الناتو بحماية هذه المنطقة، وفي يوم الأحد 20/٨/١٩٩٥م بدأت القوات الصربية في قصف جوراجدي مجددًا مع بدء سحب القوات الدولية من حولها؛ ليقتل ثلاثة أطفال دفعة واحدة، فيما ظلت طائرات حلف شمال الأطلسي تنتظر الأوامر بالقصف التي لن تأتي، وإذا كان هذا هو موقف الحليف الأمريكي فكيف يكون موقف العدو، وفي كل الأحوال فإن التوقعات كلها تشير إلى أن شهر سبتمبر القادم سيشهد استئنافًا للعمليات البوسنية الساعية لفك الحصار عن العاصمة، خصوصًا وأن القيادات العسكرية البوسنية أجرت حركة تغييرات شاملة في المراكز القيادية بها ضمن استعدادات جديدة لمرحلة جديدة.
ملخص القول إن مسلمي البوسنة يتعرضون مجددًا لاختبارات شديدة، يبالغ فيها أحيانًا كما حدث مع الخلاف الذي نشب بين الرئيس البوسني ورئيس حكومته حارس سيلاجيتش، ورغم أن الاثنين ينتميان إلى تيارين متضادين، لكن ليس من حق أنصار هذا التيار أو ذاك أن يتهم الآخر بالخيانة والتآمر لمجرد وقوع خلاف في وجهات النظر، خصوصًا وأن الخلاف أمر طبيعي وظاهرة صحية تكون أحيانًا مطلوبة على الأقل؛ حتى تثبت لأنفسنا ولاءنا لأفكار وليس لأشخاص.