العنوان الجهاد الشيشاني ضد الغزو القيصري، والبلشفي
الكاتب شمس الدين عثمان طاش
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-1989
مشاهدات 112
نشر في العدد 936
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 10-أكتوبر-1989
الجهاد الشيشاني
ضد الغزو القيصري والبلشفي
بقلم: شمس الدين
عثمان طاش
لقد ظن القائد
العام الروسي أن هروب شامل والهدوء الظاهري على الجبهات الشيشانية مؤشران عسكريان
على أن تلك الحرب الطويلة قد انتهت.
كان الروس، حسب
عادتهم، يحرقون القرى والمزارع وكل مقومات الحياة، ويجهزون على كل جريح وطفل
وامرأة.
من جراء الخسائر
الجسيمة، هاجم القيصر مواقع المريدين.. هاجم الداغستانيين لكي يحقق انتصارًا ولو
بسيطًا.
الإمام حمزات
يتولى قيادة المريدين
...بعد استشهاد
الإمام غازي مولا، انتُخب حمزات بك – "بك" ليس لقبًا من الألقاب الرسمية
المعروفة في بعض البلاد العربية، ولكنها كلمة يلحقها أقوام عديدة بأسمائهم مثل دنل
بك وكز بك وغيرها – وكان حمزات قد وُلد في بلدة «غوتسائل» الداغستانية في سنة 1789،
وتعلم اللغة العربية، ودرس القرآن، وفيما بعد كاد أن ينحرف، ولكن عم الإمام علي
وبخه على ذلك، وسرعان ما التحق بالإمام غازي مولا وصار واحدًا من أكثر أتباعه
حماسة.
وبعد استشهاد
الإمام غازي، تعاون الإمام الجديد حمزات مع شامل على توطيد قوته خلال عامين،
وبحلول شهر آب من عام 1834، اعترفت كافة آفاريا بسلطته بما فيها العاصمة خونزاخ
التي قاومت أميرتها في البداية ولكنها استسلمت أخيرًا. ولعدم ثقة الإمام حمزات
بموقف الأميرة، طلب منها أن ترسل له ولديها كرهينة لضمان ولائها، ولكن بعض مساعدي
حمزات حرضوه على قتل الأميرين، ويقال إن من بين هؤلاء شامل الذي، كما قلنا، كان قد
أصبح ساعده الأيمن. وينقل المؤرخون أنه تردد في تنفيذ ذلك التحريض، ولكن إصرار
مساعديه جعله يوعز بقتلهما.
وكان هذا العمل
سبب إنهاء حياة الإمام حمزات؛ لأن من عادة أهل القفقاس الثأر للقتيل، وقلما تمر
جريمة قتل بدون ثأر.
ولذا، حيكت
مؤامرة لاغتيال الإمام حمزات أثناء صلاة الجمعة في 19/9/1934. وقد علم بعض أتباعه
بالمؤامرة فجاء إليه واحد منهم وحذروه، ولكن الإمام لم يأبه لذلك وقال للرجل: «هل
تستطيع أن تمنع الملائكة إذا ما جاءت لتقبض روحي؟ فإذا كنت لا تستطيع، فاذهب إلى
دارك واتركني وشأني، ولا راد لقضاء الله، فإن كان ذلك مقدرًا لي أن أموت غدًا،
فسوف أموت غدًا».
...ورغم أنه
اتُّخذت جميع الاحتياطات للحيلولة دون المؤامرة، إلا أنه وكما قال الإمام، لا راد
لقضاء الله، حيث أطلق النار عليه فور دخوله المسجد وسقط الإمام قتيلًا مع عدد من
مريديه. وهكذا غاب إمام آخر وتسلم الأمور إمام جديد.
11- الإمام شامل
يتسلم راية الجهاد المقدس
...وكان شامل في
تلك الأيام متغيبًا عن موقع تلك الأحداث، وعند سماعه بالخبر عاد حيث نودي به
إمامًا لجماعات المريدين. وكما هو الحال دائمًا عند استشهاد أئمة المريدين، كان
الروس يعتقدون في هذه المرة أيضًا أن المريدية قد انتهت بمقتل الإمام حمزات. وظنوا
أن شاملًا لن يستطيع عمل شيء أو الوقوف في وجه المد الروسي في تلك المناطق. ولكن
الأمور سارت بعكس تقديرهم، فقد تمكن شامل من تسلم زمام الأمور وقاد الجهاد
والمجاهدين بكل قوة واقتدار. وجرت عدة معارك في الداغستان تكبد فيها الطرفان خسائر
جسيمة؛ لأن تلك المعارك كانت معارك انتقام وحقد من كلا الجانبين.
وكان الروس، حسب
عادتهم، يحرقون القرى والمزارع وكل مقومات الحياة، ويجهزون على كل جريح وطفل
وامرأة، وأصبحوا لا يأخذون أسرى، أي أنهم أعلنوها حرب إبادة وتدمير. ومن الجانب
الآخر، كان التصميم على الاستشهاد والجهاد حتى آخر قطرة دم.
وكان من المقرر
أن يقوم القيصر نقولا الأول بزيارة القفقاس، وخاصة جورجيا وأذربيجان اللتين استتب
الوضع فيهما للاحتلال الروسي. وأحب قادة الروس أن تكون الزيارة المقررة في خريف
عام 1837 مناسبة للاحتفال باحتلال القفقاس عامة وتهدئة الأحوال العسكرية. ولذلك،
أرسلت تعليمات سرية إلى القائد العام لكي يقوم بإقناع الإمام شامل بمقابلة
الإمبراطور في عاصمة جورجيا، مع شرط مسبق بأن يقوم الإمام بطلب العفو من
الإمبراطور عن ذنوبه السابقة، ومع تعهد مسبق أيضًا من الإمبراطور بمنح هذا العفو
فورًا.
... وتم الاتصال
بالإمام شامل لعقد اجتماع بينه وبين مساعد القائد العام، ووافق شامل على عقد
الاجتماع صباح يوم 18/9/1837.
ولقد أورد
المؤرخ الإنجليزي جون بادللي في كتابه "احتلال الروس للقفقاس" وصفًا
دراميًّا لما جرى من حوار صامت من قبل الطرفين قبل أن يجلسا على عباءة مُدت على
العشب الأخضر. واستمرت المناقشات بينهما منذ الصباح وحتى الساعة 3:00 بعد الظهر،
وظن القائد الروسي الجنرال كلوك فون كلوجناو أن فصاحته كادت أن تثمر؛ لأن شاملًا
كان يتظاهر بأنه متأثر بما يقوله. إلا أنه فوجئ عندما قال شامل: «لا أستطيع أن
أبدي رأيي أو ألتزم بأي عرض قبل التشاور مع أصحابي». وشعر كلوجناو بخيبة الأمل
ونهض واقفًا كما نهض شامل، ومد الجنرال يده لمصافحة شامل مودعًا. وقبل أن يمسك
شامل بيد الجنرال، أمسك مساعد شامل سورخاي خان بيد الإمام وحال بينه وبين مصافحته
قائلًا: «إنه لا يليق أن تمس يد زعيم المؤمنين بيد كافر».
وكان الجنرال
مغتاظًا من موقف شامل وجاءت هذه الحادثة فازداد غيظًا، ورفع عصاه، وهمّ بضرب
سورخاي على عمامته، وهو أمر لو تم لأدى إلى مذبحة بين الطرفين، ولكن سرعة الخاطر
لدى شامل حالت دون ذلك؛ حيث كان شامل قد أمسك بعصا الجنرال بيد وأبعد مساعده باليد
الأخرى بينما كان يسحب خنجره من غمده لغرسه في بطن الجنرال.
وانسحب الجنرال
ورفاقه من الموقع. وبعد بضعة أيام، أرسل الجنرال رسالة إلى شامل يحثه على الموافقة
على شروط الإمبراطور. ولكن الرد كان سريعًا وموجزًا، إذ رد شامل برسالة قال فيها:
«من العبد الفقير شامل كاتب هذه الرسالة والذي يوكل كل شيء لله في 28/ أيلول/
1837... أعلمكم إنني قررت في النهاية ألا أذهب إلى تفليس حتى ولو مزقت إربًا بسبب
رفضي؛ لأنني كثيرًا ما خبرت غدركم الذي يعرفه كافة البشر».
وقام الإمبراطور
بزيارة كافة المناطق في أرمينيا وجورجيا وأذربيجان والقرم وبعض المواقع في
الداغستان، واجتمع إلى مندوبي إيران وحذرهم من محاولة الاحتكاك بالروس أو التعرض
للمصالح الروسية، وأنذرهم بطريقة مؤدبة ومبطنة بأنه إن لم يذعنوا لمطالبه فإنه
سيقطع العلاقات الدبلوماسية معهم. وفعلًا، أذعن الفرس لمطالب القيصر، وأعادوا إلى
الروس كتيبتين من الجيش الروسي كانتا انضمتا إلى الإيرانيين.
12- الموقف على
خطوط المواجهة بعد رفض الإمام شامل مقابلة القيصر
...لا شك أن كلا
الجانبين أدرك أن الموقف قد تأزم وأن المنطقة مقدمة على صراع رهيب؛ لذا فإن كلًا
منهما أخذ يستعد ويتأهب لمواجهة ذلك الصراع ولكن بصمت وتأن، حتى إن عام 1838 مر
بهدوء وبدون حوادث.
وكان شامل يقوم
باستقطاب كافة القبائل وبناء بعض القلاع حيث تمكن من ضم كافة الجماعات حول آفاريا
وازداد يومًا عن يوم قوة من ناحية العدد والعدة. وفطن الروس أخيرًا إلى سكوت شامل
بأنه ليس من باب عدم الرغبة في القتال، بل لأن الرجل يعيد بناء قواته. وهنا شعر
قادة الجيش الروسي أنهم كانوا مخطئين لأنهم أعطوا الإمام فرصة للتفرغ لتلك المهمة.
وهكذا تحركت
القيادة في أوائل عام 1839 وأمرت القوات بالهجوم على مواقع الإمام في شمال
داغستان، حيث قامت قوات كبيرة بشن حرب جنونية استمرت إلى أواخر عام 1839. وتمكنت
القوات الروسية بعد معارك طاحنة من اقتحام مقر شامل في الداغستان ولكنها أصيبت
بخيبة أمل؛ لأن الإمام تمكن من الإفلات. وهذا يعني استمرار الحروب والمعارك، ولكن
أين ومتى وكيف، فإن كل ذلك متروك للأيام القادمة.
هكذا كان الوضع
في الداغستان التي تم الاستيلاء عليها كلها خلال عام 1840.
أما الأوضاع في
المنطقة الشيشانية، فقد كان هدوء ظاهري يسود المنطقة، مما جعل القائد العام الكونت
غراب يكتب إلى وزير الحربية قائلًا: «مع أننا لم ننجح في القبض على شامل، إلا أن
موت جميع أعوانه أو أسرهم وهروبه المشين والدرس الرهيب الذي تعلمته تلك القبائل
التي أيدته قد حرمه من النفوذ تمامًا ووضعه في مأزق بحيث أصبح تائهًا وأصبح لا
يفكر إلا بلقمة عيشه وسلامته الشخصية. لقد سقطت طائفة المريدية بكل أنصارها
وأتباعها». ويستطرد القائد الروسي قائلًا: «أما إذا أخذنا في الحسبان الحالة
الراهنة في داغستان وشيشانيا، فمن المرجح جدًّا أن قوات الحملة لن تلقى مقاومة».
ثم يقول: «ولا
يوجد في شيشانيا قلاقل ذات بال ولا داعي لتوقع انتفاضة عامة». كان هذا رأي القائد
بأوضاع شيشانيا في بدايات عام 1840، حيث أصبح هذا القائد متيقنًا أن المريدية قد
انتهت وأن شاملًا اختفى ولن يستطيع الظهور، كما وأن المنطقة الشيشانية قد هدأت ولا
يتوقع قلاقل ولا انتفاضات – حسبما جاء في رسالته.
وقد ارتكب هذا
القائد خطأ فاحشًا عندما قام بتقدير المواقف والأوضاع من خلال هرب شامل من
الداغستان على تلك الصورة ومن خلال أيضًا ما رآه من الهدوء الظاهري في شيشانيا
السفلى، ودون أن يحسب أي حساب لشيشانيا الجبل، كما ارتكب هو وقادته الصغار أخطاء
إدارية في معاملة السكان الوطنيين في المواقع التي احتلوها حيث اتسمت تلك المعاملة
بغاية القوة والوحشية منذ بداية الاحتلال، ولم يحاولوا امتصاص عوامل الكراهية
والحقد المتأصلة في نفوس الوطنيين ضد الروس، بل عملوا على تعميق وزيادة تلك
الكراهية بتصرفاتهم اللاإنسانية – وهي قاعدة يستعملها الروس حتى اليوم حيث يؤمنون
بتطويع الآخرين ببث الخوف أو بمعنى آخر يفضلون طاعة الخوف على طاعة المحبة. وهي
قاعدة لا يؤمن بها كل الناس المهزومين، بل بالعكس أثبتت الأيام منذ القدم أنها
السبب الوحيد المباشر لاشتداد حالات التذمر التي تؤدي في الغالب إلى الثورات
المعاكسة والانتفاضات.
13- خلافًا
لتوقعات وتقارير قادة القيصر: شيشانيا تثور عن بكرة أبيها عام 1840
... كما قلنا
آنفًا، فإن القيادة الروسية وبعد مرور 118 عامًا على أول احتكاك لهم بالشيشان عام
1722، أصبحوا الآن في عام 1840 يعتقدون أنهم قد تمكنوا أخيرًا من إخضاع القفقاس
نهائيًا. وكما قلنا أيضًا، فقد زف القائد العام الروسي البشرى إلى سيده القيصر؛
لأنه ظن أن هروب شامل وكذلك الهدوء الظاهري على الجبهات الشيشانية مؤشران عسكريان،
حسب تقديره، أن تلك الحرب الطويلة قد انتهت.
ولكن لم تمض 6
أشهر على هروب شامل من عاصمته في الداغستان مهزومًا على تلك الطريقة التي أوحت إلى
القائد الروسي بأنها نهاية شامل، حتى كان الإمام يظهر في شيشانيا أكثر قوة وأعظم
نفوذًا، وتوافدت عليه جموع المجاهدين، وأخذ يتجول في المنطقة يبشر بالشريعة
الإسلامية ويدعو الناس إلى الجهاد. وخلافًا لكل توقعات قادة الروس وجنرالات
القيصر، فإنه ومع إطلالة فصل الربيع مع منتصف شهر آذار عام 1840، حتى كانت جماعات
المجاهدين تهاجم المواقع الروسية. وعندما بلغت تلك الأنباء مقر القائد العام
المحتل لم يصدقها ورفض أن تفشل تنبؤاته التي أبلغها لسيده القيصر. واعتبر ما حدث
أنه «رقصة الديك المذبوح»، واكتفى بالإيعاز للقائد المحلي لمعالجة الأمر، ولكن
التقارير اللاحقة أثارت اهتمامه فأوعز إلى مساعده الجنرال غلافييف للانتقال إلى
موقع الأحداث، وفيما بعد اضطر القائد الجنرال غراب للانتقال شخصيًّا إلى شيشانيا
ليتولى القيادة بنفسه.
ومن خلال
انتصاراته التي حققها الإمام شامل في شيشانيا، قام بتوسيع نطاق عملياته لتشمل
ثانية موطنه الداغستان، ولكن الإمام لم يحرز في الداغستان أي انتصار يستحق الذكر.
أما في شيشانيا،
وفي نفس ذلك الوقت، وبعد حرب استمرت طيلة تسعة أشهر قام الجيش الروسي خلالها
بتدمير شيشانيا السفلى تدميرًا وحشيًّا لم يسبق له مثيل؛ لأن الروس الذين كانوا قد
اعتقدوا أنهم قد حققوا النصر ازداد حقدهم على الشيشان الذين اعتبروهم بأنهم مفجرو
هذه الثورة الجديدة، ولذلك كانت قوتهم قد بلغت الذروة وتخلوا عن كل أخلاقيات
الحرب.
ولكنهم الآن
وبسبب دخول فصل الشتاء الذي يعدونه عدوهم الأول؛ لأن أولئك الجبليين يعرفون كيف
يستغلون ذلك الفصل لصالحهم ويذيقون الروس أشد الويلات، ولذلك كان على تلك القوات
أن تعود إلى القلاع والحصون لتختبئ كالحشرات حتى يحين موعد «سعد الخبايا». وفعلا،
وفي 30/5/1841، انطلق الجنرال غراب على رأس جيش قوامه 10 آلاف جندي مزود بـ 24
مدفعًا وكميات هائلة من العتاد والمواد التموينية. انطلق هذا الجنرال لمهاجمة بلدة
«دارغو» الشيشانية لتأمين طرق الاتصال مع القوات الروسية في الداغستان. ولكن الفشل
الذريع حاق بهذه الحملة؛ لأن الجبليين فطنوا إلى ضخامة القوة والصعوبة التي
ستواجهها من جراء ذلك؛ لأن مفاوز الغابات لا تسمح بعبور جيش ضخم كهذا. ولذا، فإن
الشيشان لم يجدوا صعوبة في وضع العراقيل أمام سير الحملة بحيث لم تستطع قطع سوى 28
كيلومترًا في ثلاثة أيام تكبدوا خلالها الكثير من الجرحى والمرضى الذين شكلوا
عبئًا إضافيًّا على قيادة الحملة.
وأخيرًا، وفي
اليوم الرابع من حزيران 1841، عاد هذا الرتل الذي أطلقوا عليه اسم رتل شيشانيا بعد
أن خسر 66 ضابطًا وحوالي 1700 جندي بين قتيل وجريح ومدفع ميدان، بالإضافة إلى جميع
المواد التموينية، وكل ما تحتويه مستودعات الحملة تركوه وراءهم للتخفيف من
الأحمال.
.. وهذه الخسائر
الجسيمة أمام القيصر، صار يهاجم مواقع المريدين هنا وهناك. وعندما شعر بصعوبة
مهمته مع الشيشان، عاد لمهاجمة الداغستانيين لكي يحقق انتصارًا ما ولو بسيطًا،
ولكنه عاد خائبًا بعد أن خسر 11 ضابطًا و275 جنديًّا في هذه الحملة العقيمة.
... وبعد أن آل
الوضع إلى هذا الحال بالنسبة للقوات الروسية، استدعي الجنرال «غراب» إلى عاصمة
القيصر وحل محله الجنرال نيد هاردت الذي تسلم القيادة كما تسلم الخطة التي وضعها
القيصر ليتم بموجبها إخضاع القفقاس بنهاية عام 1844، حسب رأي القيصر.
ولكن عندما
انتهت سنة 1844 وبنتائج هزيلة، استدعي القيصر الجنرال نيد هاردت وكلفه بإعداد خطة
لحملة 1845. وعندما قدمت له الخطة، قام بالتوقيع عليها. وابتدأت الحملة من
الداغستان للقضاء على شامل الذي كان هو الآخر قد أعاد تنظيم قواته. ودارت معارك
شرسة خلال عام 1845 تكبد فيها الطرفان خسائر فادحة وإن لم تتحقق مكاسب تذكر على
الأرض، وكانت رسالة القائد العام إلى القيصر تقول إن عزاءه عن تلك الخسائر هو أن
الروس أشعروا أولئك الجبليين أن بإمكانهم الوصول إلى مواقعهم التي كان يظن أنها
مواقع يستحيل الوصول إليها. وكان القيصر، كعادته، يحاول دائمًا إلصاق الهزائم
بالقائد العام ويعمل على استبداله بعد كل هزيمة، ولذلك كان قد استبدل في أواخر عام
1845 الجنرال «نيد هاردت» بالجنرال «فورنتسوف». وانتهت أيضًا سنة 1845 ولم يستطع
الروس تنفيذ الخطة التي كانت وضعت بموافقة القيصر للقضاء على حركة المريدين.
14- شامل ينتقل
إلى شيشانيا
... وفي عام
1846 عاد شامل إلى شيشانيا، وتجمع المريدون في بلدة «شيل» الشيشانية التي تبعد
حوالي 20 كيلومترًا إلى الجنوب من العاصمة جروزني. وكان شامل قد وضع خطة لغزو
القبرطاي لضمان ولائهم، ولكن الروس تنبهوا للأمر، وأوعزوا إلى كافة القوات
المتواجدة قرب المنطقة للعمل على محاصرته، والحيلولة دون وصوله إلى القبرطاي.
وهكذا تضافرت
كافة جهود الروس، ومنعت شامل من تحقيق نواياه. ولكن شامل حقق انتصارًا عزز مكانته
بقدرته على الإفلات من مطارديه والعودة إلى مقر قيادته.
ويتفق المؤرخون
على أنه لو استجاب القبرطاي لشامل، فإن ذلك سيكون بمثابة كارثة للروس. وانتهى عام
1846 بدون أية انتصارات لكلا الطرفين. ولكن مما لا شك فيه أن ميزان الحرب كان قد
مال لصالح الروس الذين عززوا قواتهم، وقاموا ببناء العديد من القلاع على طول خطوط
المواجهة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل