العنوان الجهاد ماض إلى قيام الساعة
الكاتب هدي الدهيشي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1998
مشاهدات 68
نشر في العدد 1327
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 24-نوفمبر-1998
• نعم.. لا بد من تصحيح التصورات والمعتقدات وتجريد العبودية لله لكن دون تأخير الجهاد أو تأجيله
نشرت صحيفة «القبس» الكويتية في صفحة «نور الإسلام» يوم 6/ 11/ ۱۹۹۸ مقالة للأخ الفاضل محمد عثمان العنجري تحت عنوان «بالروح والدم نفديك يا بيت المقدس ولكن...» وأحسست بعد قراءة المقال بألم يعتصر قلبي، حيث يتبنى الكاتب رأيًا ينادي بسقوط فرضية الجهاد عن أهل فلسطين «عمليات المقاومة» بسبب قوة اليهود وتمكنهم من زمام الأمور، وضعف المسلمين ونقص قوتهم.
وبادئ ذي بدء فإنني أحسن الظن بالأخ الفاضل، وأحسب أنه ما كتب إلا تحريًا للحق والصواب، وإن كنت أراه قد أخطأه بفداحة، كما أراه قد فتح بابًا عظيمًا خطره على أمة الإسلام المبتلاة المنكوبة.
وكم آسف على أمتي التي أرادها الله خير أمة أخرجت للناس، ويريد بعض أهلها أن تكون أمة الخنوع والرضوخ للأمر الواقع والاستكانة لكل ظالم، فمنهم من يحرم الاحتجاج على أي مسئول ولو كان عميدًا لشئون الطلبة في الجامعة، ومنهم من يسقط وجوب الجهاد في فلسطين؛ لأن اليهود علوا وتمكنوا، وكأن الجهاد لا يشرع إلا عندما يكون العدو أضعف منا.
نتمنى على الله الأماني!
يقول كاتب المقال: «إن الإرادة القلبية عازمة دون شك أو تردد على إخراج اليهود وأعوانهم من المسجد الأقصى ولكن «واقع الحال» لا يؤهلنا لفعل ذلك، فقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ (التوبة: ٩١).
وإنني أتساءل: هل الأمة كلها مرضى وضعفاء وعمي وعرج؟ ولماذا ننتظر واقع الحال الذي يؤهلنا أو يسمح لنا؟ لماذا لا نبادر إلى اتخاذ الأسباب ونحن تسمع ربنا ينادينا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (الأنفال: 60)، ويشترط علينا سبحانه ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).
ألسنا نقرأ قول الحق عز وجل: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٤١)، ونعي: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ (الشورى: 39)؟
إن من كان عازمًا دون شك أو تردد لا ينتظر واقع الحال أو مؤاتاة الظروف ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ﴾ (آل عمران: 159).
يستشهد الكاتب بصبر النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام على أذى قريش في بداية الإسلام بمكة وعدم تصديهم لهم بالقتال، ونسي أن المسلمين وقتها كانوا فئة قليلة، ليس لهم دولة، يسكنون في بقعة محصورة؛ هي مكة بين أهلها وسادتها، وأهل الأمر والنهي فيها، فلو قاتلوا وقتلوا لكان يخشى على الإسلام أن يسحق في مهده، وتستأصل شأفته فلا تقوم له قائمة.
أما أمتنا الإسلامية اليوم فقد تجاوز تعدادها البليون، ودولها القائمة تجاوزت الثلاثين، صحيح أن أكثرهم غثاء كغثاء السيل، ولكن إسقاط الجهاد تشجيع لهذا الغثاء على مزيد من الوهن والضعف.
ثم إن اليهود غاصبون لارضنا، معتدون علينا، والله أمرنا بدفع الصائل، ولقد استقر أمر الإسلام حين قبض النبي صلى الله عليه وسلم على فرضية الجهاد، يقول السرخسي في المبسوط: «كان رسول الله مأمورًا في الابتداء بالصفح والإعراض عن المشركين، ثم أمر بالدعاء إلى الدين بالوعظ والمجادلة الحسنة، ثم أمر بالقتال إذا كانت البداية منهم، ثم البداية بالقتال، فاستقر الأمر على فرضية الجهاد مع المشركين، وهو فرض قائم إلى قيام الساعة» اهـ.
يقول الأخ الفاضل: «فمن موجبات ترك الجهاد الضعف والقلة، والعجز المسقط للجهاد.. يشمل كذلك خوف الضرر والهلاك الذي يغلب على الظن حصوله لضعف المسلمين ونقص قوتهم».
ويقول ابن كثير في تفسير قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (الأنفال: 64، 65).
يقول: «يحرض تعالى نبيه والمؤمنين على القتال و مناجزة الأعداء ومبارزة الأقران ويخبرهم أنه حسبهم؛ أي كافيهم وناصرهم ومؤيدهم على عدوهم، وإن كثرت أعدادهم وترادفت أمدادهم ولو قل عدد المؤمنين».
أما الضرر الذي يخشى وقوعه فهل سيلحق بالإسلام كدين أم بالأفراد؟ فإن كان بالأفراد فإن لب الجهاد التضحية بالنفس والمال والمصالح في سبيل الله، وذودًا عن المقدسات، ولنسأل أنفسنا: هل المطالبة بالتوقف عن الجهاد حاليًا لعدم الاستطاعة ستؤدي إلى مزيد من الاستطاعة في المستقبل؟ أم إلى مزيد من الخور والضعف وعدم الاستطاعة؟
وما رأي الأخ الكريم بحادثة إلقاء الصحابي الجليل البراء بن مالك نفسه على الأعداء في حديقة الموت «حروب الردة» هل كان انتحاريًّا ألقى بنفسه في التهلكة؟
وما رأيه بجهاد الصحابي أبي بصير عندما تصدى ومجموعة قليلة من المسلمين لقوافل قريش يقطعون الطريق عليها وينالون من الكفار باجتهاد فردي وخارج إطار الدولة المسلمة؟
وما رأيه بجهاد عمر المختار في ليبيا؟ هذا الشيخ المسن الذي لم يعتد بضعف ولا قلة ولا خوف ضرر، ونهض لمقاومة الاستعمار الإيطالي الذي كان متمكنًا من زمام الأمور في ليبيا؟
وما رأيك بمقاومة من قاوم من الكويتيين الغزو العراقي؟ هل كان مخطئًا؟ وهل كان من المفروض -وقد تبين من اليوم الأول للغزو قوة الغزاة وتمكنهم وإحكامهم السيطرة على البلد- أن نرضى بواقع الحال وبخاصة أن المعتدين لم يكونوا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، وكانوا أسرع الناس إلى القتل والتنكيل؟
تساؤلات مريرة
يختم الكاتب مقاله ببيان «أن النصر قادم وراية الجهاد سترفع لا محالة، وأن الله وعد المسلمين بالنصر والفوز والغلبة، وذلك عندما تتحقق فيهم شروط النصر: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ (محمد: 7) وأن الفتح والنصر قادم في النهاية على أيدي من حقق العبودية لله وهم أهل عزيمة وبأس شدید.
وأنا أتفق مع الأخ الكريم في وجوب تمحيص نية الجهاد لله، وأن ننصر الله لينصرنا، وأن نحقق العبودية الخالصة لله عز وجل، وهي كلها شروط للنصر، ولكن أليس اتخاذ أسباب القوة أحد هذه الشروط؟
وهل سينزل نصر الله عز وجل من السماء مباشرة، على أقوام تركوا الجهاد بحجة عدم الاستطاعة؟
وهل النصر القادم وراية الجهاد التي سترفع لا محالة ستكون على أيدي من يتواصون بإسقاط الجهاد؟ ومتى نعرف أن نصر الله قادم وقد آن أوان نزوله حتى نستعد له بإلغاء فتوى وجوب الجهاد، وكم سيستغرق منا استثارة همم وعزائم جموع الموحدين الذين أقنعناهم بعدم وجوب الجهاد عليهم؟
وهل الجيل الذي سيتحقق على يديه النصر وهم أهل العزيمة والبأس الشديد -كما تفضلت- هم ممن يؤمنون بوجوب الجهاد ويمارسونه فعليًّا؟ أم ممن يرون أنه يسقط إذا خاف المسلم على نفسه من الضرر والهلاك؟
وإلى أن يحين ذلك الوقت الذي وعدنا به -ولا نشك في وعد الله سبحانه- ماذا أقول لأولادي وعلام أربيهم؟ أأقول لهم: إن جهاد اليهود فرض علينا ولكن «واقع الحال لا يؤهلنا» فانتظروا يا أبنائي واقع الحال حتى يسمح؟!
نعم.. أنا معك أنه لا بد من تصحيح التصورات والمعتقدات وتجريد العبودية لله عز وجل، ولكن ذلك لا يدعو إلى تأخير الجهاد أو تأجيله، بل يكون متزامنًا مع التربية الجهادية للجيل المسلم.
لماذا الغمز واللمز؟
لقد كان بوسع الكاتب أن يقول رأيه في مسألة الجهاد والمقاومة في فلسطين دون أن يلمز المجاهدين من طرف خفي، حيث سماهم «مدعي الجهاد في هذا الزمن»، وأصحاب دعوات حماسية «لا تقدر ولا تزن الواقع المؤسف، بل هي ردود أفعال خارجة عن الإطار الشرعي ومعايير الكتاب والسنة».
وأقول: كفى بمدعي الجهاد شرفًا وفخرًا «إن كان عنى بهذه الكلمة أهل المقاومة في فلسطين» أنهم أبقوا على جذوة الجهاد مشتعلة ولفظة الجهاد متداولة، وأنهم بعملياتهم الجهادية ومقاومتهم الحجرية شوكة في حلق اليهود و يستميتون في مفاوضاتهم مع السلطة الفلسطينية المتخاذلة لإزالتها، ويسخرون في سبيل ذلك كل ما يملكون من دهاء سياسي وضغط إعلامي، ووسائل إرهابية.
أو ما كان حريًّا بنا إذا قعدنا عن نصرة إخواننا في فلسطين أن نكف أذانا وفتاوانا عنهم؟ أليس يقال في المثل: «أهل مكة أدرى بشعابها»؟ فأهل فلسطين أدرى بظروفهم ووسع استطاعتهم، وعندهم علماء أجلاء فطاحل يفتونهم فيما هم أعلم به منا، ومن يده في النار ليس كمن يده في الماء.
وختامًا.. أعود إلى عنوان المقال: «بالروح والدم نفديك يا بيت المقدس.. ولكن..» وأترك للقراء الإجابة عن هذا السؤال: كيف نبدي استعدادنا لفداء القدس بالروح والدم، ثم نضن بهذه الروح وهذا الدم بحجة خوف الضرر والهلاك؟ وأي معنى للفداء إذن؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل