العنوان الجهالات الأربع
الكاتب عبدالرحمن رمضان
تاريخ النشر الجمعة 06-يناير-2012
مشاهدات 69
نشر في العدد 1983
نشر في الصفحة 49
الجمعة 06-يناير-2012
أعلم علمني الله وإياك أن الباحث في كل فن تعترضه جهالتان وعبثان، جهالة محضة وجهالة عرفية، وعبت محض وعبث عرفي.
فالجهالة المحضة، معناها أن الباحث لا يعرف شيئًا عن العلم الذي يريد دراسته والجهالة العرفية معناها أنه يعرف اسم العلم مثلًا، ولكن لا يعرف مسائله وقضاياه ومباحثه، والعبث المحض ألا يعرف الفائدة من وراء دراسة العلم الذي يريد دراسته، والعبث العرض ألا يعرف كيف يستفيد من هذا العلم، ومن هنا أتجه العلماء يضعون مبادئ لكل علم لإزالة تلك الجهالات الأربع سالفة الذكر.
فمعرفة حد العلم ترفع الجهالتين، ومعرفة فائدته ترفع العبثين، وهناك مبادئ أخرى عرفت جميعها بالمبادئ العشرة نظمها الصبّان في قوله:
إن مباديْ كل فن عشرة
الحد والموضوع ثم الثمرة
والاسم الإستمداد حكم الشارع
فائدة ونسبة للواضع
مسائل والبعض بالبعض أكتفى
ومن درى الجميع حاز الشرفا
ولم يترك العلماء علمًا من العلوم إلا وبينوا مبادئه العشرة قبل الخوض في مسائله وقضاياه.
وعلم الحديث نال حظه أيضًا من ذلك، فعرفوه بتعريفات متعددة لعل أشهرها تعريف ابن الأكفاتن الذي نقله السيوطي في التدريب، هو علم بقواعد وقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن من حيث الصحة والحسن والضعف والعلو والنزول.
وهناك تعريف أخصر من هذا للحافظ بن حجر، حيث عرّف علم المصطلح بأنه علم يعرف به حال الراوي والمروي من حيث القبول والرد.
قلت: وأغلب التعريفات لم تسلم من النقد. فتعريف ابن الأكفاني مثلًا غير جامع لكل أنواع المصطلح، كما أنه طويل والتعاريف يجب أن تكون جامعة مانعة، وأن تصان عن الحشو والتطويل.
وتعريف ابن حجي كذلك رغم إختصاره لم يجمع كل أنواع المصطلح، لأنه قصر التعريف على القبول والرد في حين أن هناك أنواعًا لا علاقة لها بذلك كغريب الحديث وطرق التحمل والأداء والعالي والنازل والمسلسلات، وقد نبه على ذلك السيوطي في شرحه على الفيته التي نظمها في علوم الحديث.
ومن هنا يمكن لنا أن نعرف علم المصطلح بأنه، هو العلم الذي يبحث عن مرويات السنة النبوية ورواتها وما يتعلق بهما، فهو جامع لكل أنواع علوم الحديث ومانع من دخول غيرها فيها.
هذا عن التعريف، وأما عن موضوع علم المصطلح فهي المرويات وما يتعلق بها، والرواة وما يدور حولهم، ويمكن حصر مباحث علوم الحديث في ست نظريات أشار إليها صديقنا الشيخ المحقق الدكتور أسامة السيد محمود في كتابه «إحياء علوم الحديث»، وهي:
أولًا: نظرية الأثبات، ويعنى فيها بيان ثبوت النصوص من عدم ثبوتها، كمعرفة الصحيح والحسن والضعيف والمتواتر والأحاد.. إلخ.
ثانيًا: نظرية التوثيق، ويعنى فيها بالضوابط التي وضعت للتأكد من صحة النصوص، كمعرفة الثقات والضعفاء والصحابة والتابعين.. إلخ.
ثالثًا: نظرية الضبط، ويعنى فيها بالأمور التي تعتني بضبط ألفاظ الأحاديث، وبيان غريبها كعلم كتابة الحديث وعلم غريب الحديث.
رابعًا: نظرية الإستعمال، ومعناها تهيئة المحدث النص للفقيه ليعمل به، وذلك كعلم مختلف الحديث والناسخ والمنسوخ.. إلخ.
خامسًا: نظرية التوصيف، ويقصد بها الأوصاف التي تطرأ على المرويات، كالمشهور والعزيز والعالي والنازل والمسلسل.
سادسًا: نظرية التأهيل، ومعناها بناء شخصية المحدث والعناية بأداب الطلب، وذلك من خلال معرفة آداب المحدث وأداب طالب الحديث..
وعن ثمرة علوم الحديث نستطيع أن نقول: إنها ضبط النصوص وصيانتها من التحريف وإعدادها وتهيئتها للإستعمال والعمل بها، وإستمداده من علوم متعددة، حيث ان علوم الشرع عبارة عن منظومة متكاملة يخدم بعضها بعضًا، فعلوم اللغة والأصول والكلام وغيرها من التي شكلت علم مصطلح الحديث، ومسائل قضاياه الكلية التي يبحث فيها عن الرواة والمرويات.
واسمه علم المصطلح والإصطلاح، وعلم الرواية وأصول الحديث، والأثر وحكمة الوجوب بالكفائن، وهو من أفضل علوم الشرع حيث يعمل على صيانة السّنة من التحريف والكذب، وتلك هي فائدته والله أعلم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل