; الجهد بالمال.. حكمته وسبله | مجلة المجتمع

العنوان الجهد بالمال.. حكمته وسبله

الكاتب د. حسين شحاتة

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يناير-1985

مشاهدات 73

نشر في العدد 702

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 29-يناير-1985

تتعلق هذه المقالة الموجزة بإلقاء بعض النظرات السريعة على الجهاد بالمال: مفهومه وحكمته، وكيف يكون الجهاد بالمال؟ وجزاء من يتخلى عن الجهاد، وذلك في ضوء القرآن والسنة.

مفهوم الجهاد في سبيل الله

لا ينحصر الإسلام فقط في الأركان الخمسة، بل له تتمة حتى يكتمل البناء، ويحقق ما يصبو إليه من تحقيق الحياة الآمنة المطمئنة للناس في الدنيا، والفوز برضوان الله في الآخرة، ويعتبر الجهاد من تتمة النظام الإسلامي، وركن من أركانه بعد الأركان الخمسة، ولقد عبر عن ذلك سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم- فقال: «الجهاد ذروة سنام الإسلام»، ووصف بعض فقهاء المسلمين الإسلام بلا جهاد كالشجر بلا ثمر.

ويقصد بالجهاد: التضحية بالنفس وبالمال وبالفعل وبالقول وبكافة الوسائل الأخرى المشروعة والمستطاعة لإعلاء كلمة الحق، ودحض الباطل، ورفع اعتداء المعتدين، وتأمين حياة المسلمين، ولقد أمرنا الله- سبحانه وتعالى- بالجهاد في كثير من الآيات، فقال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: 78)، وسأل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن أي الناس أفضل؟ فقال: «مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه أو بماله».

مدلول اقتران الجهاد بالنفس بالجهاد بالمال

ولقد ورد لفظ الجهاد بالنفس مقترنًا بالجهاد بالمال في كثير من الآيات؛ فقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (الحجرات: 15)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ …﴾ (التوبة: 111)، وقال جل وعلا: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 95).

ومن حكمة اقتران الجهاد بالنفس بالجهاد بالمال هو أن الدفاع عن الإسلام والمسلمين، والتصدي للكفار والطواغيت على اختلاف أنواعهم وأشكالهم يحتاج بجانب النفس البشرية المتسلحة بالعقيدة القوية، وبالإيمان الصادق، وبالإخلاص والحماس والحمية إلى عدة مادية، تتمثل في الزاد، وأدوات، ومعدات القتال... وهذا يتطلب مالًا، فبدون المال تكون مهمة الجهاد صعبة.

لماذا الجهاد بالمال؟

للجهاد بالمال مغزى مميز وذاتية فريدة وحكم بالغة... من ذلك ما يلي:

أولًا: يعتبر الجهاد بالمال اختبارًا لقوة العقيدة، ومقياسًا لمدى الإيمان، ووسيلة لتطهير النفس البشرية من الشح والبخل، فمن غرائز الإنسان حب المال... ولقد أشار القرآن إلى ذلك فقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ﴾ (آل عمران: 14)، إن التضحية بالمال في سبيل الله مع حبه وتفضيل حب الله ورسوله لدليل قوي على العقيدة والإيمان... ولقد عبر القرآن عن ذلك فقال الله تبارك وتعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 92)، وليس هناك أدنى شك في أن أفضل مجالات الإنفاق هو الإنفاق في سبيل الله.

ثانيًا: ومن الجهاد بالمال امتثال لأمر الله- سبحانه وتعالى- المالك الحقيقي والأصلي للمال، فملكية الناس للمال ملكية حيازية مؤقتة، ووسيلة لمساعدة الفرد على عبادة الله وعمارة الأرض، وأصل ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (الحديد: 7)، وقوله تعالى: ﴿وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ﴾ (النور: 33)، ولقد أمرنا الله في كثير من الآيات بإنفاق المال في سبيل الدعوة الإسلامية، والذود عن الإسلام، وقد وعد من يطيعه بالفوز برضائه والهداية إلى الطريق المستقيم، فقد قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69).

ثالثًا: يعطي الجهاد بالمال فرصة للمسلم المؤمن- والذي رزقه الله سعة من المال، ولم يؤت قدرات الجهاد بالنفس- أن ينال ثواب الجهاد وشرفه، وهؤلاء الذين أطلق عليهم القرآن بأولي الضرر، وأصل ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ…﴾ (النساء: 95)، فجهاد الإنسان بماله يشعره بذاتيته ودوره في مجال الجهاد والذود عن الإسلام والمسلمين، وقد أشار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى ذلك فقال: «من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا» (أخرجه الشيخان).

رابعًا: وفي الجهاد بالمال ضرورة حتمية للمحافظة على أعراض المسلمين وأموالهم، وتقوية اقتصاد الأمة الإسلامية، فنحن نعلم أن الطواغيت والكفار والفراعنة ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، ويعتدون على المسلمين؛ فينهبون أموالهم، ويهتكون أعراضهم، وييتمون أولادهم، ويشردون شيوخهم... وهذا ما نشاهده في فلسطين وأفغانستان وسورية والفيلبين...» ولا بد لهؤلاء من قوة وعتاد لردعهم... حتى ينقلبوا خاسرين.

 ولقد صور القرآن العظيم ذلك تصويرًا بليغًا، فيقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال: 36)، أما الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (الأنفال: 74).

ففي الجهاد بالمال اختبار لقوة العقيدة وصدق الإيمان، ودليل على إخلاص العمل لله... وفي الجهاد بالمال امتثال لأمر الله- سبحانه وتعالى- وفي الجهاد بالمال كل معاني التكافل والتعاون والتضامن بين المسلمين ضد الكفرة والطواغيت والفراعنة، وفي الجهاد بالمال ضرورة للمحافظة على أعراض المسلمين وشرفهم وكرامتهم وأموالهم؛ حتى تتحقق العبودية لله وحده، ويتحرر الناس من عبودية الطواغيت.

كيف يكون الجهاد بالمال؟

تتعدد وسائل الجهاد بالمال وتتنوع؛ لأن الغاية واحدة، وهي إعلاء كلمة الله، وتحرير الناس من عبودية العباد إلى عبودية الله الخالق الرازق الغني القوي العزيز... إن المقصد من غاية الجهاد بالمال هي تجهيز المجاهد بالعدة مصداقًا لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (الأنفال: 60).

وفيما يلي بعض نماذج توضح سبل الجهاد بالمال في ضوء الظروف التي تعايشها الأمة الإسلامية:

أولًا: إنفاق المال في تجهيز المجاهد بالسلاح، فيجب على كل مسلم أن يدفع حقًا معلومًا من ماله لأولي الأمر من المسلمين حقًا... المسئولين عن الجهاد، وليكن لنا في سيرة الرسول- صلى الله عليه وسلم- العبرة، حيث كان الصحابة والمسلمون من السابقين يتنافسون في نيل شرف إعداد الجيوش للغزوات... ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين: 26).

ثانيًا: إنفاق المال لكفالة أسر المجاهدين الذين استجابوا لنداء الجهاد، تاركين خلفهم أولادهم ونساءهم... هذه الأسر في حاجة ملحة إلى المال لكفالة متطلبات الحياة من المأكل والمشرب والملبس والمأوى... إن اطمئنان المجاهد أن هناك مجاهدين بأموالهم سوف لا يبخلون بمالهم على أسرهم من أنواع إعداد العدة للكفار والذين يحاربون الإسلام، ولقد حث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على ذلك فقال: «من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا».

ثالثًا: إنفاق المال على أبناء الشهداء الذين سالت دماؤهم من أجل الإسلام والذود عنه، فعلى أصحاب المال حق لهؤلاء، فإن المجاهد بنفسه أقل ما ينتظر منه أن تجود بشيء من مالك من أجل زوجته وأولاده حتى ينشؤوا أقوياء يتسلمون الراية ممن سبقوهم.

الرابط المختصر :