; الحب المثالي الذي لا نقدر عليه | مجلة المجتمع

العنوان الحب المثالي الذي لا نقدر عليه

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر السبت 23-يونيو-2012

مشاهدات 71

نشر في العدد 2008

نشر في الصفحة 53

السبت 23-يونيو-2012

محبة النبي ﷺ لازمة وواجبة الصناعة الأخوة الإسلامية، لأن هذا الحب يأتي في إطار نصرة السنة النبوية والثاني بالرسول ﷺ قولا وعملاً، والذب عن رسالته ومحاولات النيل من سيرته العطرة والالتقاء حول توجيهاته وآدابه النبوية، قال الإمام القرطبي في تصوير حال من آمن بالرسولﷺ إيمانا صحيحا، كل من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم إيماناً صحيحاً لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة، غير أنهم متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، ومنهم من أخذ منها بالحظ الأدنى كمن كان مستغرقا في الشهوات محجوبا في أكثر الأوقات، ولكن الكثير منهم إذا ذكر النبي اشتاق إلى رؤيته بحيث يؤثرها على أهله وولده وماله ووالده، ويبذل نفسه في الأمور الخطيرة، ويجد مخبر ذلك من نفسه وجداناً لا تردد فيه.. ويروي مسلم وغيره عن أبي هريرة أن رسول الله قال:« من أشد أمتي لي حُبًا ناسٌ يكونون بعدي، يودّ أحدهم لو رآني بأهله وماله» ....

في الصورة المقابلة نبصر عطاء الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه مسلم وغيره عن أبي هريرة لك أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال:« السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» وددت أنا قد رأينا إخواننا .. قالوا أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال :«أنتم أصحابي

وإخواننا الذين لم يأتوا بعد »، فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله ؟ فقال: «أرأيت لو أن رجلاً له خيل غُرِّ مُحَجَّلَةٌ بين ظهري خيل دهم بهم..أ ألا يعرف خيله»، قالوا: بلى يا رسول الله  ﷺقال: «فإنّهم يأْتُون غُرَا مُحَجَّلِيْنَ مِنَ الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، أَلَا لَيُذَادَنْ رِجَالٌ عِن حوضي، كما يُدَادُ البعيرُ الضال، أناديهم: ألا هلم، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول:« سُحقاً سُحقاً».

في هذا المقام الذي ينسى الإنسان فيه كل شيء.. ينسى الدنيا بما فيها، ويتذكر الآخرة يود الرسول الله أن قد رآنا ، ويرفعنا إلى درجة الأخوة المباركة الطيبة.

يا لجلال التعبير النبوي الكريم: « وددت أنا قد رأينا إخواننا»، يا لعظمة هذا النبي، وهو يرسل هذا الود، ويقرر تلك الأخوة، إنها تحرك فينا ضرورة الالتزام والتمسك بتلك الأخوة الإسلامية الفريدة لقد أعطانا الرسول الله ﷺ الحب المثالي، الذي لا نقدر عليه بحال، وقد روى مسلم وغيره عن عبدالله بن عمرو: أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عزّ وجل في إبراهيم:﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [ سورة إبراهيم: 36] ، وقال عيسى عليه السلام: ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [ سورة المائدة: 118] ، فرفع يديه وقال: «اللهم أمتي أمتي وبكى»، فقال الله عزّ وجل: «يا جبريل، اذهب إلى محمد - وربك أعلم – فسله ما يبكيك؟»، "فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام، فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ بما قال، وهو أعلم، فقال الله تعالى: «يا جبريل، اذهب إلى محمد ﷺ فقل: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوءك». أرأيت أخي في الله كيف بكى الرسول صلى الله عليه وسلم شفقة علينا، ورحمة بنا؟ أرأيت هذه العبرات التي تعجز الكلمات عن تصويرها إلا بعبرات وعبرات؟ وأنى لنا بعبرات تقترب مجرد اقتراب من بكاء النبي ﷺ وهو يدعو لنا؟ وهنا يحق لنا أن نتأسى به، ولكن ما كان لنا أن نقف عند هذا الحد مع عظمته.. فلنتقدم إلى الأمام.. إلى الناحية الإيجابية في الحب.

وهناك الكثيرون ممن يتشدقون بالحب، وقد تتساقط دموعهم، حتى وهم ينحرفون بهذا الحبّ إلى لون من التقديس، ذلك أنه حب عاطفي سلبي، لا صدى له في واقع الحياة والسلوك.

إن صورة الحب في قلوب هؤلاء لتعاني عزلة وجدانية عميقة، كما تعاني بعداً في السلوك والفهم والإدراك، لأنها صورة منعزلة في الوجدان، وليست صورة حية متحركة في واقع الحياة، شاخصة في سلوك أصحابها وأفكارهم ومشاعرهم وخواطرهم ومادياتهم وروحانياتهم على سواء.

ولا شك أن لهذه العزلة أسباباً ترجع في جملتها إلى واقعنا كأمة تعيش كما نرى ونشاهد ونعايش، لا كما عاش السلف الصالح، حكما وتشريعا، ودستورا ونظاما، حيث كانت الأسوة بالرسول صلى الله عليه وسلم طابع الأمة، وحيث كانت الأمة تحسّ إحساساً عميقاً بأنها على الدرب تسير وفق سُنة رسول الله، وأن تعاليم الرسول قائمة، وإن غابت ذاته الرفيعة في الحس. إن الأمور لا تقاس بـوجـودهـا أو عدم وجودها في عالم الحس وحده، وإنما تقاس بمقدار ما توجد في علم النفس، وبالمكانة التي تملؤها من المشاعر والخواطر والأفكار والسلوك على سواء، فهل تحس يا أخي في الله بالحب للرسول ؟ هل تحس بالحب الإيجابي الممتلئ بالحيوية؟ هل تحس بالحب الإيجابي الذي يدفعك دفعاً إلى السير قدما في الطريق لا تتردد ولا تتلفت، ولا تتحيّز لنفسك، ولكن تبلغ دعوة الله، حتى يرى بعضنا بعضاً، في دائرة الحبّ الإيجابي الخالص لله ولرسوله ولمن آمن بالله ورسوله؟

حب الرسول الله له هو الروح الساري اللطيف وستظل الدنيا خاشعة أمام عطاء هذا الحب، وستظل خاضعة أمام عظمة الرسالة والرسول ، وستظل هكذا أمام تلك الحقيقة وتلك العظمة إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها ، وسيظل التاريخ يذكر أن تلك المعالم حين وجدت اهتز إيوان كسرى، وترنح قصر قيصر، وتمرغ الباطل في الرغام وإذا الحفاة الذين لم يكن لهم شأن أمام الفرس والروم قد هزموا الباطل، وورثوا عرش هذا وتاج ذاك، واندفعوا بهذا الدين القيم، حتى بلغوا أسوار الصين، وانطلقوا حتى وصلوا إلى ساحل المحيط الأطلسي، وأقاموا دولة إسلامية في إسبانيا، ووصلوا إلى فيينا، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يزيدنا حبا لرسول الله على حب، وأن يجعلنا من إخوانه بحق.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 676

79

الثلاثاء 19-يونيو-1984

القضية الكبرى

نشر في العدد 2008

65

السبت 23-يونيو-2012

المجتمع التربوي العدد (2008)