العنوان رسالة الاخوة.. الحب روح الأخوة
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر الجمعة 13-أبريل-2012
مشاهدات 63
نشر في العدد 1997
نشر في الصفحة 53
الجمعة 13-أبريل-2012
الحـب فـي الـلـه رابطة إيمانية قويمة انفرد بها الإسلام دون غيره من النظريات والفلسفات، وحفل بكم هائل من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة والمواقف التربوية الداعية إلى تعزيز هذا الشعور النبيل، وإقامة هذه الأصرة العظيمة. ولا شك أن الحب في الله والبغض في الله لا يرتبط بانفعالات شخصية أو وشائج ذوي القربى أو روابط عصبية مقيتة أو مصالح دنيوية زائلة أو كلمات فارغة المضمون، وإنما يرتبط بمدى قرب المسلم من ربه ومدى التزامه بالعقيدة السليمة والعبادة الصحيحة، واقتدائه بسيد الأنبياء والمرسلين.
لقد صور القرآن الكريم مثالاً رائعاً في هذا الصدد، فحينما أوشك بنيامين ابن سيدنا نوح على الغرق، وكان قد عصى أمر ربه وخالف أوامر والده تحركت عاطفة الأبوة في نفس سيدنا نوح، فدعا ربه: ﴿وَنَادَىٰ نُوحٞ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ﴾ (هود: 45)، فكان الرد الخالد: ﴿قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ ﴾ (هود: ٤٦)، وقد شهدنا في عصرنا الراهن أباء وأمهات يتبرؤون من أبنائهم لمخالفتهم أمر الله، وفي الحديث من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان».
وقد عشت مع نفر من الصالحين حقبة من الزمن رهن الابتلاء، وقيد التعذيب في سجون «جمال عبد الناصر» لا لشيء إلا أننا قلنا ربنا الله وهتفنا من أعماقنا: «الله غايتنا والرسول قدوتنا والجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا»، فراح الجلاد ينهال علينا بكل أدواته ووسائله القمعية، ولم تنل بفضل الله هذه المحنة من عزيمتنا، ولم تلن لنا ،قناة، ولم نهادن أو نساوم، وشاء الله لنا الثبات على المبدأ، وكان الحب في الله في ذاك الزمان البلسم الشافي للنفوس والعلاج الناجع للقلوب، وتجسدت في علاقاتنا الآية الكريمة: ﴿وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ﴾ (الأنفال: 63)، فالتوادد في الله والتحابب أمر لا يورث ولا يشترى بمال، ولكن يقذفه الله في قلوب من يشاء من عباده.
والواقع أنه إذا كان الحب في الله ركيزة أساسية من ركائز الأخوة الإسلامية، ولا يستقيم المجتمع المسلم إلا إذا عظم أفراده من شأن هذه العلاقة الربانية قولا وفعلا فإن الأمر أكد في حال المشتغلين بالعمل الإسلامي، لاسيما إذا عظمت الأخطار وكثرت التحديات، وداهمتنا الخطوب واصطف الخصوم في معسكر واحد للنيل من الدعاة وأهل الحق.
إن من مقتضيات هذه الأخوة، أن يكون الحب هو الصورة المعلنة والحقيقة الكامنة في الجماعة المسلمة، ومن هنا اعتبر النبي الوحدة المتماسكة بين المسلمين غاية وهدفًا، حيث شبه المؤمنين بالجسد الواحد يعمل كل عضو فيه لصالح باقي الأعضاء ويسهر جميع الأعضاء بسبب ألم يوجد في أي عضو، قال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر».
وتتوالى التوجيهات النبوية الشريفة كاشفة ومبينة قيمة الحب في الله، حيث ورد في الصحيحين من حديث أنس أنه قال: ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار وفي حديث أبي هريرة أن النبي قال: «سبعة يظلهم الله في ظله .. وذكر منهم ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، وفي الحديث الذي رواه (مسلم وأبو داود) أنه قال: «والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم».
إننا في حقيقة الأمر نمتلك دررًا وكنوزاً ولآلئ، وعلينا أن نستدعيها من بطون التراث وأمهات الكتب، ونترجمها في حياتنا وأعظمها الحب في الله، وليس لنا أن ندعه وأن نتركه لأنه روح أخوتنا الإسلامية المباركة، وكان أبو الدرداء له يقول: «لولا ثلاث لأحببت أن أكون في بطن الأرض لا على ظهرها، لولا إخوان لي، يأتون ينتقون طيب الكلام، كما ينتقى طيب الثمر، أو أعفر وجهي ساجدا لله عز وجل، أو غدوة أو روحة في سبيل الله عز وجل».
والله سبحانه وتعالى يحشرنا يوم القيامة مع من نحب، فإن كنا نحب الأنبياء والصديقين والصالحين من عباده نلنا هذا الشرف من الدرجة الرفيعة والمرتبة العالية وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك: أن رجلا سأل النبي ﷺ عن الساعة فقال: يا رسول الله متى الساعة ؟ قال : «وما أعددت لها ؟», قال: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله, فقال: «أنت مع من أحببت ، قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي: أنت مع من أحببت», قال أنس: «فأنا أحب النبي وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل بعملهم، فاللهم إنا نسألك حب من يحبك وكل عمل يقربنا إلى حبك، ونشهدك أننا نحب الله ورسوله والصالحين من عبادك، والله الموفق والمستعان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل