; تمام الحرية في إخلاص العبودية (٢ من ٢): الحب والخوف والرجاء.. ركائز العبودية لله تعالى | مجلة المجتمع

العنوان تمام الحرية في إخلاص العبودية (٢ من ٢): الحب والخوف والرجاء.. ركائز العبودية لله تعالى

الكاتب د. حمدي شلبي

تاريخ النشر السبت 31-ديسمبر-2005

مشاهدات 62

نشر في العدد 1683

نشر في الصفحة 56

السبت 31-ديسمبر-2005

(*) مدرس الحديث وعلومه بجامعة الأزهر

خف الله على قدر قدرته عليك.. واستحي من الله على قدر قربه منك

الإسلام رسالة للتحرر الفكري لا تقر محاكاة الآباء والأجداد دون سند شرعي أو حجة

المفهوم الشائع للحرية عند كثير من الناس أنها انفلات الإنسان من قوانين الدين والأخلاق فيفعل ما يريد ويتصرف كيف يشاء دون مراعاة لأدب أو حياء، وإذا نعي عليه قول غير لائق أو تصرف غير مقبول فإنه يقول ملء شدقيه – أنا – حر، وهذا أسوأ ما يمكن أن ينحدر بالإنسان إلى أوطأ من درجة الحيوان الأعجم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله تعالى: «العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه والرضا بقضائه والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف لعذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة لله (۱). والعبودية لله تعالى ترتكز على ثلاث ركائز هي الحب والخوف والرجاء، فالحب مع الذل والخوف مع الرجاء، لا بد في العبادة من اجتماع هذه الأمور، قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (المائدة: ٥٤)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (البقرة: ١٦٥)، وقال: في وصف رسله وأنبيائه ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (الأنبياء: 90). 

قال العلامة ابن القيم وعيادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قطبان وعليهما فلك العيادة دائر ما دار حتى قامت القطبان ومداره بالأمر أمر رسوله لا بالهوى والنفس والشيطان (۲)

وكل محبة لغير الله تعالى فهي مشروطة، وكل ذل لغير الله تعالى فهو مذموم، وكل انقياد لغير الله تعالى فهو إلى تباب.

وقد سئل أبو حفص النيسابوري عن العبودية لله تعالى فقال: ترك مالك والتزام ما أمرت به (۳)

علامات إخلاص العبودية لله تعالى:

1-التحقق من معنى الأحدية:

فكل وجود خلا وجود الله طارئ، وكل موجود إنما يستمد حقيقته ووجوده من الله تعالى، والله تعالى هو الفاعل في كل شيء، وهو الفاعل لكل شيء، وإذا كان وجود الكائنات كلها طارئًا وإذا كان كل موجود يستمد من الله تعالى، وإذا كان الفاعل الحقيقي لكل شيء وفي كل شيء هو الله تعالى فلم اللجوء إلى غيره ولماذا الوقوف على غير بابه، ولأي شيء يهريق المرء ماء وجهه طمعًا فيما في أيدي المخلوقين؟

إن التحقق من معنى الأحدية يعني في أبسط صوره أن يتجه العبد لله رب العالمين. ويعني كذلك الانخلاع من كل أسباب الحياة الدنيا، واللجوء فقط إلى الموجد لكل شيء والفاعل لكل شيء والفاعل في كل شيء (٤). ومن ثم فلا خوف إلا من الله فهو الفاعل لكل شيء، وهو الفاعل لكل شيء، ولا رجاء إلا إلى الله فهو الذي أعطى كل موجود وجوده، وهو سبحانه الباقي بعد كل موجود، وهو سبحانه الذي لا تفنى خزائنه، ولا وقوف إلا على بابه فهو سبحانه الموجود دائمًا، وكل من عداه فوجوده طارئ.

2-التحرر من عبودية ما سواه

عن أبي هريرة ما قال قال رسول الله: تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة وعبد القطيفة.. تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش..... (٥). 

وكثير من الناس لهم آلهة شتى يتعلل بهم عند انحرافه عن صراط الله المستقيم. 

فالشهوة إله والمال إله والزوجة إله... أعاذنا الله تعالى من الخذلان.

3-التحرر من سلطان العادات والتقاليد:

لقد ذم الله تعالى أقوامًا فقال سبحانه: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ (٢٣)﴾ (الزخرف)

والإسلام رسالة التحرر الفكري والانطلاق الشعوري، لا تقر هذا التقليد المزري، ولا تقر محاكاة الآباء والأجداد اعتزازًا بالإثم والهوى، فلا بد من سند ولا بد من حجة، ولا بد من تدير وتفكير ثم اختيار مبنى على الإدراك واليقين (٦).

4-قطع العوائق والعلائق 

والعوائق هي أنواع المخالفات.. وهي ثلاثة أمور: شرك وبدعة ومعصية، فيزول عائق الشرك بتجريد التوحيد وعائق البدعة بتحقيق السنة وعائق المعصية بتصحيح التوبة، وهذه العوائق لا تتبين للعبد إلا أثناء سيره إلى الله تعالى، وأما ما دام قاعدًا فلن تظهر له كوامنها وقواطعها (۷)

وأما العلائق فهي كل ما يتعلق به القلب دون الله ورسوله من ملاذ الدنيا وشهواتها ورياساتها. وصحبة الناس، والتعلق بهم، ولا سبيل له إلى قطع هذه الأمور الثلاثة ورفضها إلا بقوة التعلق بالمطلب الأعلى.. فإن النفس لا تترك مألوفها ومحبوبها إلا المحبوب هو أحب إليها منه وأثر عندها منه (۱۲) وصدق الله العظيم: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ (آل عمران: ۳۱).

٥- تعظيم الأمر الناهي سبحانه وتعالى:

قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ (١٤)، قال بعض العارفين (۹): اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك. 

وقال بعضهم: خف الله على قدر قدرته عليك واستحي من الله على قدر قربه منك (۱۰).

قال أبو الجلد: أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء: قل لقومك ما بالكم تسترون الذنوب من خلقي وتظهرونها لي؟! فإن كنتم ترون أني لا أراكم فأنتم مشركون بي، وإن كنتم ترون أني أراكم فلم تجعلوني أهون الناظرين إليكم؟!!! (۱۱) 

إن من أوضح ملامح العبودية تعظيم الله سبحانه وتعالى في أمره ونهيه، ومتى ما فقد العبد هذا الملمح في عبوديته فقد جزءًا جوهريًا من عبوديته لله تعالى. 

من أحوال السلف مما يدل على كمال عبوديتهم لله

أولًا: قال ابن عيينة دخل هشام بن عبد الملك الكعبة، فإذا هو بسالم بن عبد الله. فقال: يا سالم سلني حاجة فقال سالم: إني أستحيي من الله أن أسأل في بيته غيره، فلما خرجا قال: الآن فسلني حاجة، فقال له سالم من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ فقال: من حوائج الدنيا، قال: والله ما سألت الدنيا من يملكها: فكيف أسألها من لا يملكها (۱۲). 

ثانيًا: وعن الأصمعي قال: دخل عطاء بن أبي رباح على عبد الملك بن مروان -وهو جالس على سرير الملك– وحواليه الأشراف من كل بطن وذلك بمكة في وقت حجه في خلافته، فلما بصر به عبد الملك قام إليه، وأجلسه معه على السرير. وقعد بين يديه، وقال له يا أبا محمد ما حاجتك؟ فقال يا أمير المؤمنين اتق الله في حرم الله وحرم رسوله فتعاهده بالعمارة، واتق الله في أولاد المهاجرين والأنصار فإنك بهم جلست هذا المجلس، واتق الله في أهل الثغور فإنهم حصن المسلمين، وتفقد أمور المسلمين فإنك وحدك المسؤول عنهم، واتق الله فيمن على بابك فلا تغفل عنهم ولا تغلق بابك دونهم. فقال له: أجل أفعل. ثم نهض وقام، فقبض عليه عبد الملك فقال: يا أبا محمد إنما سألتنا حاجة لغيرك وقد قضيناها فما حاجتك أنت؟ فقال: مالي إلى مخلوق حاجة!!! ثم خرج فقال عبد الملك بن مروان: هذا وأبيك الشرف (۱۳) نعم والله إن قمة العبودية وأعظم الشرف أن تكون حاجتك عند الكبير المتعال الذي هو أرحم بعباده من عباده بأنفسهم.

ثالثًا: عن عبد الله بن مهران قال: حج هارون الرشيد فوافي الكوفة، فأقام بها أيامًا، ثم ضرب بالرحيل، فخرج الناس، وخرج بهلول المجنون فيمن خرج بالكناسة والصبيان يؤذونه ويولعون به إذ اقبلت هوادج هارون فكف الصبيان عن الولوع به فلما جاء هارون نادى بأعلى صوته يا أمير المؤمنين فكشف هارون السجاف بيده عن وجهه.

فقال: لبيك يا بهلول.

فقال: يا أمير المؤمنين حدثنا أيمن بن نائل عن قدامة بن عبد الله العامري قال: رأيت النبي منصرفًا من عرفة على ناقة له صهباء لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك، وتواضعك في سفرك هذا يا أمير المؤمنين خير لك من تكبرك وتجبرك.

قال: فبكى هارون حتى سقطت دموعه على الأرض.

خالد بن الوليد

هو الصحابي الجليل سيف الله المسلول خالد بن الوليد بن المغيرة، يكنى بأبي سليمان، أسلم بعد الفتح سنة سبع من الهجرة، قاد أول غزوة بعد إسلامه وهي مؤتة بعد أن استشهد زيد بن حارثة ثم جعفر بن أبي طالب، ثم عبد الله بن رواحة، فاستلم الجيش فقاده إلى بر الأمان بحيلة ذكية، وانسحاب دون خسائر فسماه الرسول  بعد هذه المعركة بسيف الله المسلول.

وكان يوم حنين في المقدمة مع الرسول وحضر بعض الوقائع معه، ثم كان قائد الجيش الذي أرسله أبوبكر الصديق القتال العرب المرتدين، فقاتلهم قتالًا بطوليًا مع صحابة رسول الله  المهاجرين والأنصار، وبعد أن انهزم المرتدون حوله أبوبكر الصديق رضي الله عنه إلى العراق. وبدأ بفتح العراق جزءًا جزءًا، وكلما اجتمع عليه جيش آباده حتى فتح العراق، ومهد لفتح فارس وجاءه كتاب من أبوبكر الصديق بالتحول إلى بلاد الشام لمساعدة جيش المسلمين في اليرموك، فلم يتأخر عن نداء الواجب والجهاد في سبيل الله، فانطلق بنصف الجيش دون كلل أو ملل، وفتح في طريقه كل ما يصادفه من قبائل وأمصار حتى إذا اجتمع في اليرموك مع الجيش المسلم، اختير لليوم الأول كقائد عام للجيش فقسم الجيش ورتبه ترتيبًا عسريًا جيدًا ما زال يدرس فنونه حتى الآن وبدأت المعركة وتم النصر للمسلمين بقيادة خالد بن الوليد، ثم انطلق بعد ذلك لفتح دمشق، وأثناء الحصار جاء البريد من المدينة بموت أبي بكر الصدق واستلام عمر بن الخطاب الخلافة، ويعزل خالد بن الوليد، وتولية أبي عبيدة بن الجراح، فكتم أبو عبيدة الأمر حتى انتهى الحصار، فنزل خالد عن القيادة، وأصبح جنديًا مطيعًا في جيش أبي عبيدة دون تذمر أو تردد سكن خالد في آخر حياته في مدينة حمص الشامية، ومات بها وكانت وفاته سنة (٢١) هجرية، وقد قال قبل الوفاة: لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في بدني موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة وها أنا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء، وما من عمل أرجى من لا إله إلا الله وأنا مترس بها..

الهوامش:

1- ينظر مجموع الفتاوى ج. ١٠ ص ٠ ٧٠ وما بعدها.

2-د / صالح بن فوزان عقيدة التوحيد ص. ٥٧.٥٦ .

3-صفة الصفوة ج. ٤ ص. ١٢٠.

4-يراجع في ظلال القرآن تفسير سورة الإخلاص.

5-صحيح سنن ابن ماجه ج ۲ ص ۲۹۹ حديث.

6-في ظلال القرآن ج ٥ ص. ۲۱۸۲.

7-الإمام ابن القيم – الفوائد ص ٥٤ ا بتصرف.

8-السابق نفس النقل بتصرف.

9-قبل هو وهب بن الورد.

10-جامع العلوم والحكم ص ٣٦٠. ط ١٤٠٨.١ه.. دار المعرفة بيروت لبنان.

11-السابق ص ١٦٢

۱۲ – سير أعلام النبلاء ج. ٤ ص. ٤٦٦ – تحقيق شعيب الأرناؤوط – مؤسسة الرسالة، بيروت لبنان

١٣ – إحياء علوم الدين ج ٢ ص ٣٧٢، ٣٧٤.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 15

110

الثلاثاء 23-يونيو-1970

أمَّة الأمْس وأمَّة اليَوم

نشر في العدد 44

110

الثلاثاء 19-يناير-1971

إستراتيجية إسلامية