العنوان الحجة الأولى.. والأخيرة للوالد
الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة
تاريخ النشر الجمعة 18-مايو-2012
مشاهدات 62
نشر في العدد 2002
نشر في الصفحة 46
الجمعة 18-مايو-2012
ذكريات عشتها ولم أكتبها من قبل (7)
في بداية الأربعينيات من القرن الماضي نوى والدي الحج وكان عمري لا يتجاوز 10 أعوام
بعد عودته من الحج أهدى كل بيت قطعة صغيرة من نسيج كسوة الكعبة
يقولون إن الإنسان مجموعة من الذكريات والمواقف، والعاقل هو الذي يسجلها إحياء لذاته، وحرصًا على انتفاع الآخرين، والذكرى أو الموقف يبقى له مكانه في التاريخ صغر أو كبر، المهم أنه يشغل حيزًا من الزمن.
وفي هذه الحلقات، يهمني أن أنبه القارئ أن كثيرًا منها قد مضى على وقائعها سبعون عامًا، وربما أكثر من ذلك.. وأحمد الله إذ أسوقها بمصداقية وعفوية دون تزويق أو إسراف.
أجتر في ذاكرتي صورة المنزلة مسقط رأسي - من سبعين عامًا، كانت المنزلة لا يزيد عدد سكانها على عدة آلاف، ولها سوق مشهورة هي سوق الأحد، وخارج المنزلة مباشرة كان يعيش عشرات من الغجر يعيشون في خيام، وأشهر الأماكن التي تضمهم بقعة واسعة لا بيوت فيها اسمها الجرن..
كان رجال الغجر ينزلون إلى السوق يوم الأحد، ويرتزقون من الوشم، والوشم غرز بإبرة ويوضع على الجلد مادة تسمى النثور، أو النيلج، فبعض الفلاحين يرسم على ذراعه صورة أبي زيد سلامة بشوارب طويلة، وهو يمسك بيده سيفًا، ويمتطي حصانًا وتحته اسم الشخص، وهذا الرسم - كما ذكرت أنفًا - من مادة لا تمحى إلا بإزالة الجلد نفسه.
وكانت الغجريات ينادين في أزقة المنزلة «أدق وأطاهر»، أي تستخدم الوشم للمرأة، وتقوم بعملية الختان للبنات وتسمى هذه العملية «الطهارة».
كما كانت الغجريات يرتزقن من حضور الحفلات وخصوصًا حفلات الحج، مستخدمين الدفوف والأناشيد.
الاستعداد للحج
وأذكر - وسني لم يتجاوز العاشرة- أن والدي يرحمه الله قد نوى أن يحج هذا العام، كان ذلك في بداية الأربعينيات من القرن السابق، وكان الاستعداد لهذه الرحلة يتلخص فيما يأتي:
1- تحديد اسم المطوف، وهو الشخص الذي يتكفل بالحاج في الأراضي المقدسة سكنًا، وإقامة الشعائر، وذلك مقابل أجر يتقاضاه مقدمًا.
2- أن يتخذ الحاج شريكًا من معارفه يصحبه في رحلة الحج عند المطوف نفسه، وذلك ليكونا متعاونين ويخبر أحدهما أهله إذا وقع له مكروه، وكان اسم رفيق والدي التاجر محمد الخياط.
3- إعداد ملابس الإحرام.
4- أخذ كمية كبيرة من الأطعمة الجافة مثل الأرز، والعدس، والفسيخ... إلخ.
5- واحتفل بسفر الوالد، وحضرت الغجريات بالدفوف والأناشيد والأغاني في هذه »التبريزة«، وهي حفل التوديع، أما عمل الغجريات فيسمى التحنين.
6- جاء «محمود شمسو» أحد النقاشين الرسامين، ليرسم على مدخل بيتنا مشاهد الحج، مثل الكعبة والجمال والمآذن والسفن البحرية زيادة على بعض آيات الحج، مثل قوله تعالى ﴿وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ﴾ (الحج: 27).
العودة والحجر الصحي
وأدى الوالد فريضة الحج عن طريق البحر، وعند عودته لا بد أن يمكث - شأنه شأن كل حاج - في منطقة أعدت في الطور لمدة ثلاثة أيام كحجر صحي، وعند نزول الحجاج لهذه المنطقة يقوم كل حاج بإرسال برقية إلى أهله بأنه نزل محجر الطور...
وتلقينا برقية الوالد، ولم يرسل محمد الخياط برقية، قال والدي: إنه كان يلح عليه أن يرسل إلى أهله برقية، ولكنه تكاسل وقال باستهانة سأرسل غدًا أو بعد غد.
وتلقينا برقية الوالد، وعلم بها آل الخياط، فاعتقدوا أن محمد الخياط قد توفي، فأقاموا في المنزلة مأتمًا في سرادق كبير، واستبد الحزن بأسرته، وفوجئ والدي ببرقية مرسلة إليه من والد محمد الخياط: »أخبرنا كيف مات محمد؟«
وكانت هذه من الطرائف المحزنة في رحلة الحج هذه.
هدايا الحج
وسافر عدد كبير من »القمايحة« لاستقبال الوالد والعودة معه من السويس، وكانت فرحة غامرة ودارت المطابخ، وجاء طهاة اللحم لإنضاج عجلين كبيرين؛ حيث امتدت الموائد بطول شارع القمايحة على الأرض المفروشة بـ الكيب، وهو البوص الجاف..
وجاءت الغجريات للاحتفال بسلامة الوصول، وإذا كان حفل التوديع يسمى تبريزة، فإن هذا الحفل يسمى «سلام».
وبعد ذلك قام الوالد بتوزيع الهدايا التي حملها معه من رحلة الحج، ومن أهم ما فيها قطع صغيرة من نسيج كسوة الكعبة، إذ كان يهدي كل بيت قطعة لا تجاوز الإصبع الواحدة وكانت هذه تجارة المطوفين، ومسؤولي الحرم المكي.
ومعروف أن كسوة الكعبة كانت تصنع في مصر وتهدى إلى المملكة العربية السعودية كل عام، وتزف في مصر في حفل كبير يسمى «يوم المحمل».
وهذه الرحلة المباركة كانت هي الرحلة الأخيرة في حياة الوالد - يرحمه الله - إذ توفي بعدها بأقل من عشرين عامًا.. رحمة الله عليه.
نور من الله تعالى
شعر: عبد الحميد العمري
نور من الشمس في داج من الظلم أفتى بسفك دمي في الحل والحرم
لما تغشتني الأنوار قلت له أمسك - فديت - أرى قلبي على وضم
رفقا بصب براه الحب واتقدت نار الصبابة في جنبيه كالحمم
كانت هواه من الأقوام فاتنة شمس أجل من الأوصاف والكلم
تسبي بطلعتها قلب المحب، متى ضاءت جوانبها في سترة الظلم
فما الظلام إذا ما أشرقت عرضا؟ وما الضياء وما نار على علم؟
قد صاغها الله نورا جل عن مثل ضم الجلال إلى حسن إلى كرم
والناس في الحسن شمس نورها هبة على الأنام، وأخرى مصرع الهمم
فإن يك الخلق سحرا زانه خلق ففي الرسول تمام الفضل والشمم
هو الكريم فما في الخلق ذو كرم ولا عظيم يضاهي صفوة القيم
قصرت مدحي على عال وذي شرف وما سواك - إذا أنشدت - من أمم
حدقت في المدح، لم أبصر لقافيتي بين السموط مكانا في ذرا الكلم
لا خيل لي في اللقا أرجو بها ظفرًا بين الكماة، وما يرقى لذاك فمي
حسبي من الفخر مدح المصطفى، وكفى بالشعر عزا، وتلكم حلية القلم
إن لم أكن غردا، فالشدو يرفعني بين الأنام بمدحي ذروة القمم
يا صفوة الخلق يا نورا أضاء به رب العباد على الأقوام والأمم
أکرم به مولدا زانت بطلعته هذي الثرى، واكتست من حلة الكرم
ضاءت بمولده البطحاء وارتعدت أوصال مرتغب في الشرك معتصم
قد زانه الله طفلا قبل مبعثه بين الصحاب أمينا غير متهم
سامي الفعال سليم القلب ذا شرف بادي الفضيلة يوم الرشد والحلم
أوفى العباد، وأعلى المخلصين يدا بين الأنام وأرقى في نهى ودم
أوحى له الله نورًا، فاستنار به من في الثرى، وهدوا في حلكة الظلم
لما أنار على الدنيا بطلعته واستنشق الدهر عرف الهدي والنعم
نادى المنادي بصوت الحق أسمعه أهل البصائر، من عرب ومن عجم
نادى فرد لذي بُكم لسان صدى للحق واستمعت آذان ذي صمم
محمد منة الرحمن أنزلها غيثًا فأنجي به قومًا من العدم
اقرأ تعالى الذي أوحى إليك بها تحيي القلوب، وتردي الجبن في الهمم
اقرأ علوت بها عن كل قاصمة للظهر فاتكة بالحزم والحزم
آتيتنا بكتاب الله منتصبًا يهدي السراة ويحمي كل ذي ذمم
فيه الدواء لأهواء القلوب شفى السقام وكم أنجى من الألم
فكم أعددت جيلا على أكتافهم نثرت شمس الحضارة نورا غير منخرم
يا سيد الخلق يا بدرا ينابحه كلب من الغرب عاو بين الشبم
ليس النباح بمعل نابحا أبدا وليس يهدم بيت العز والشمم
يا رب صل صلاة دونما عدد على النبي وصالاً غير مختتم
واغفر إلهي لعبد فيك مأمله شده الذنب عن عز وعن كرم
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل