العنوان وأذن في الناس بالحج.. الحج.. دعوة للسلام الشامل مع الكون من حولنا
الكاتب إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 30-ديسمبر-2006
مشاهدات 86
نشر في العدد 1733
نشر في الصفحة 54
السبت 30-ديسمبر-2006
- في الأضحية تتجلى صور المؤاخاة والحب والتراحم.. وإشاعة البهجة والسرور بإطعام الطعام وخاصة للفقراء والأيتام
حين تهب نسمات الأيام المباركات في شهر ذي الحجة، تحمل معها أريج الرحمات ومع وفود ضيوف الرحمن التي توالت على بيته من كل فج عميق، تتجدد الذكرى وننعم باللقاء، لقاء من نوع خاص لم يعهده سائر الناس، فلقد اختصت به تلك الأمة المحمدية، بعد أن كمل الدين فلم يرتض لنا الله غير الإسلام دينًا، إنه لقاء الشوق يسري عبر أثير الأرواح التي حنت واشتاقت، والنفوس التي أسرعت وتاقت، لتنعم بالقرب وتحظى بالمغفرة وتلقي بالأحمال والأثقال.
وهناك حيث يقف الحجيج غير بعيد وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن قبله أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم -عليه السلام- وقف بعد أن شرح الله له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، فلا إله إلا الله محمد رسول الله.
والآن، وبعد عدة قرون من الزمان، يقف المسلمون الذين آمنوا به، واتبعوا النور الذي أنزل معه: ليؤدوا ما افترض الله عليهم من حج بيته الحرام، يقفون هناك ليفعلوا كما فعل نبيهم وإمامهم المصطفى صلى الله عليه وسلم، بعد أن جاء نصر الله والفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجًا.
أيام العشر من ذي الحجة
في هذه اللحظات التي تأتي مرة كل عام يدعونا رسول الله صلى الله عليه وسلم للسلام، إنه سلام من نوع خاص رفيع، ومن درجة سامية عالية، فهو سلام شامل مع الكون من حولنا، فالشهر شهر الله الحرام، والبيت بيته الحرام الذي لا يقتل صيده، ولا ينفر طيره، ولا يعضد شجره، وكل المسلم على المسلم كذلك حرام، إنه سلام تام مع النفس، حيث ينأى المرء بها عن كل ما يؤذيها، فتهب لمرضاة الله وكأنما نشطت من عقال! لذا فإنها تعيش في رحابه عز وجل؛ مغتنمة تلك الأيام الطيبات، أيام العشر الأوائل من ذي الحجة التي قال عنها رسول -صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام» يعني أيام العشر، قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء» «البخاري».
إن موسم الحج فرصة للنفوس كي تصفو من كدرها، ويعود لها بريقها لتحمل أمانة ربها كما يشاء ويريد، ومن كان عند البيت العتيق حاجًا لله فقد أمسك بخيط النجاة وسلك طريق المغفرة ليرجع بحج مبرور وذنب مغفور، ففي الحديث الشريف قال رسول الله من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه «البخاري».
ولم لا وقد أجاب داعي الله.. ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (سورة الحج: 27)، وسارع لأداء الفريضة ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (سور آل عمران: 97).
أما غيره ممن لم يكتب الله تعالى له الحج في ذلك الموسم، فله من الفرص والمنح والعطايا الكثير، إنه يعيش مكانه بجسده، لكن روحه وقلبه هناك مع إخوانه من الحجيج، يهفو إلى البيت العتيق، لذا فله أن يشاركهم طاعتهم في عشر ذي الحجة، أفضل الأيام، كما ورد في الحديث الذي رواه البزار عن جابر -رضى الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل أيام الدنيا أيام العشرة».
فينتهز الفرصة مع شرف الزمان للقرب والوصال.. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام أعظم ولا أحب إلى الله، العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن التهليل والتكبير والتحميد» «أحمد».
ومن هذه الأعمال غير الحج والعمرة:
- التوبة: والإقلاع عن المعاصي.
- صيام: هذه الأيام أو بعضها، وبالأخص يوم عرفة، قال صلى الله عليه وسلم: «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده» «مسلم».
الذكر لقوله تعالى: ﴿واِذَكُرُوا الله في أَيُام مَعَدُودَاتْ﴾ (سورة البقرة: ٢٠٣)، وقد فسرت بأنها أيام العشر.
- التكبير: لقوله تعالى: ﴿لِتَكَبَرُوا الله عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (سورة البقرة: 185)، ويكون التكبير مطلقًا في جميع الوقت من ليل أو نهار إلى صلاة العيد، ويشرع التكبير المقيد بعد الصلوات المكتوبة، من فجر يوم عرفة، ويستمر إلى صلاة العصر آخر أيام التشريق ومن صيغ التكبير «الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد» «الدارقطني».
- كثرة الأعمال الصالحة: مثل نوافل الطاعات وتلاوة القرآن والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ما زالت قصة الفداء تعيش داخل كل مسلم، وتتجدد كل عام أمام عينيه، حين يستعد لتقديم الفداء المتمثل في سنة الأضحية، سنة أبينا إبراهيم -عليه السلام- فيتمثل ذلك الموقف العظيم، ويشعر بمحنة الابتلاء الكبير لهذا النبي الكريم -عليه السلام- ويدرك سر تحولها إلى منحة ورفعة وفداء.
والأضحية اسم لما يذبح من الإبل والبقر والغنم يوم النحر وأيام التشريق تقربًا إلى الله تعالى، وقد شرعها الله تعالى إحياءً لسنة سيدنا إبراهيم -عليه السلام- وتوسعة على الناس يوم العيد، وهي سنة مؤكدة، ويكره تركها مع القدرة عليها؛ للحديث الذي رواه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر.
كما أنها من أحب الأعمال إلى الله عز وجل وفضلها كبير، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إليه من إهراق الدم -أي ذبح الأضحية- إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفسًا» «الترمذي»، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم من أراد أن يضحي أن يمسك عن شعره وأظفاره، وكأن المضحي يشارك حجاج بيت الله في بعض إحرامهم.. قال صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره» «مسلم».
دروس من سنة الأضحية
في الأضحية تتجلى صور المؤاخاة والحب والتراحم، كما أن فيها إشاعة البهجة والسرور بإطعام الطعام وخاصة للفقراء واليتامى، والأرامل والمساكين الذين يحتاجون لمثل هذا العمل في يوم العيد، فهي تذكرك بهم وإن نسيت لأن لهم نصيبًا قسمه الله لهم، وقد يدعوك هذا إلى مساعدتهم بالمال والكسوة، وإدخال السرور على قلوبهم، وهذا من أفضل الأعمال وأرجاها عند الله عز وجل.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل، سرور تدخله على مسلم...» «الطبراني».
وفي الأضحية تجديد لما انقطع من صلة الأرحام، ووصال لحبالها المنقطعة، وتقوية لخيوطها الواهنة، فللرحم فيها أيضًا نصيب، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «من سره أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه» «البخاري».
كما أن فيها تذكيرًا بحق الجار وإكرامه فهو أولى من يهدى إليه منها لقرب منزله، والوصية المؤكدة على بره، ففي الحديث الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» «متفق عليه».
وكان الحسن لا يرى بأسًا أن تطعم الجار اليهودي والنصراني من أضحيتك.
إن تزامن ذبح الأضحية مع يوم العيد وأيام التشريق يوحي باجتماع الأسرة جميعها، احتفاءً بتلك المناسبة السعيدة، ولا يخفى علينا ما يتبع ذلك التجمع العائلي الكبير من التمتع بالجو الأسري الدافئ، والالتفاف حول سيد الأسرة وكبيرها: حيث يعيش الجميع بهجة العيد ويفرحون.. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (سورة يونس: 58).
المراجع
۱ - مختصر تفسير ابن كثير، الشيخ الصابوني.
۲- تيسير العلي القدير لاختصار ابن كثير.. محمد نسيب الرفاعي.
3- مباحث في علوم القرآن.. مناع القطان.
4- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم.. محمد فؤاد عبد الباقي.
5- مختار الصحاح.. الشيخ محمد بن أبي بكر ابن عبد القادر الرازي.
٦- فقه السنة .. الشيخ السيد سابق.
7- صحيح الجامع الصغير وزيادته ج 1.
8- إحياء علوم الدين للإمام الغزالي.
۹- عظماء الإسلام.. محمد سعيد مرسي.
10- تاريخ الخلفاء الراشدين (٤).. الدكتور على محمد الصلابي.
١١ - السلسلة الذهبية: محمود المصري.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل