الثلاثاء 26-يوليو-1988
لبيك اللهم لبيك، نداء يتكرر من كل حاج عندما يحرم بحجه، وعندما يمتطي راحلته معلنًا عن مقصده من السفر، وعندما يعلو مرتفعًا أو يهبط واديًا، وتكرار النداء يعني استجابة الحاج أو المعتمر لنداء ربه، ودعوة إبراهيم الخليل عليه السلام عندما أذن في الناس بالحج.
والحاج بهذا النداء يؤكد خضوعه للأمر واستجابته للنداء وحرصه على الوفاء.
إن الآثار البارزة للعيان عن الحاج في الشكل والمظهر وآثار السفر الطويل لمن قدم من ديار بعيدة تعبر عن روح الحاج ونفسيته، بأنه جاء مستجيبًا لله مطيعًا للأوامر، تاركًا مشاغل الدنيا وملذاتها، ليؤدي ما افترض الله عليه بصدق وإخلاص، فالأصالة في الارتباط تأتي من إحساس القلب بما يجب أن يؤديه الجسم، إذ يجب على الحاج أن يتفرغ في رحلته التعبدية هذه لله عملًا فيتأدب بآداب الحج من حيث الالتزام والاستجابة ومن حيث الهدوء والسكينة، ومن حيث محبة الآخرين وعدممضايقتهم، ولما كان الحج عبادة فإن عمق العبادة يعني التجرد من كل ما يفسدها من لغو وفحش وجدال وكفر وفسوق.
لذلك لا بُدَّ من الإخلاص في النية والصدق في العمل، وعدم إشراك أعمال الحج بأي عمل يخل به، وعدم رفع الشعارات والهتافات لأي کائن من كان لأن ذلك من صرف الجهد والنية إلى غير ما أمر الله. وهذا مما يفسد الحج ويصرفه عن مقاصده الأصلية لذلك جاء نص البيان الصادر عن مجلس الوزراء في المملكة العربية السعودية والصادر في 13/11/1408 ه يحث على هذه المعاني السامية التي يجب أن يتحلى بها كل حاج ومما جاء في البيان:
نص البيان:
في نطاق اهتمامات مجلس الوزراء بمتابعة الإنجازات التي تقوم بها الأجهزة المعنية بترتيبات وتنظيمات شؤون الحج وتوفير وسائل الأمن والراحة لضيوف بيت الله الحرام، ناقش المجلس العديد من الأمور التي تهم كل مسلم يفد إلى الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج، كما تهم كل مواطن سعودي وذلك ضمن الخطة العامة المرسومة لحج هذا العام ١٤٠٨هـ.
وعقب الاطلاع على التقارير والمعلومات من السلطات الأمنية قرر المجلس إصدار بيان يشتمل على ما يلي:
أولًا- لقد كتب الله فريضة الحج على المسلمين وجعلها الركن الخامس من أركان الإسلام، وبين لنا جلت قدرته تعاليم وآداب أداء هذه الفريضة في عدد من الآيات التي أنزلها على نبيه الكريم قرآنًا يتلى بين الناس، ومنها قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (البقرة: 197).
ويقول جل شأنه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَآمنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾(البقرة: 125) ويقول جل جلاله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (البقرة: 126)، ويقول تبارك اسمه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمنًا﴾ (آل عمران: 97).
ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾(الحج: 26) كما يبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه ثواب من اتبع هدى الله إذ يقول: «من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه».. أو كما قال. عملًا بهدى هذه الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث الشريفة، دأب المسلمون منذ فجر الإسلام على أداء هذه الفريضة بكل خشوع في أدب وهدوء ووقار، ملتزمين بتعاليم العقيدة الإسلامية ومحافظين على حرمات الله وممتثلين لأوامره ونواهيه.
وبالتالي فقد حرصت حكومة المملكة العربية السعودية منذ أن شرفها الله وخصها بخدمة الحرمين الشريفين على بذل كل ما في وسعها لتأمين جميع وسائل الراحة والاطمئنان لضيوف الرحمن وجندت في سبيل أمنهم وسلامتهم كل طاقاتها البشرية والمالية بتوفيق وعون من الله وعلى أفضل المستويات.
ثانيًا- لقد خرج على إجماع المسلمين كما هو معروف لدى الجميع فئة ظالمة حكمت بغير شريعة الله، وتجاوزت حدود الله في كل تصرفاتها وممارساتها خلال أداء فريضة الحج وعاثت في الأرض الفساد، فمنذ أن قام حكم الخميني وأعوانه في إيران أخذوا يمارسون الكثير من الأعمال الغوغائية والفوضوية عبر السنوات الماضية خلال أيام الحج، وحاولت حكومة المملكة طوال تلك السنوات أن تعالج الأمور بالحسنى وأن تدرأ بالحسنة السيئة أملًا في عودتهم إلى طريق الحق والصواب، حتى كان حج عام 1405ه عندما اكتشفت السلطات المختصة في مطار الملك عبد العزيز الدولي وصول خمس وتسعين حقيبة على الطائرات الإيرانية مليئة بمادة شديدة الانفجار، وبما زنته (٥١) كيلو جرامًا كانوا يعتزمون تفجيرها في المناسك والمشاعر الحرام بقصد ترويع الحجيج وتعطيل فريضة الحج، وتكتمت حكومة المملكة على هذه الجريمة النكراء حفاظًا على أمن الحجيج، وعدم تعكير صفو أجواء عبادتهم خلال أداء مناسكهم، أملًا منها أيضًا في أن يكون هذا الموقف الكريم من المملكة رادعًا وواعظًا لهم في الاستقامة على الطريق.
ولكن الخميني وأعوانه أعادوا الكرة في حج العام الماضي بما هو أدهى وأمر، إذ قاموا بمظاهرة صاخبة مدمرة أحرقوا خلالها السيارات والممتلكات وأودوا بحياة المئات من الحجاج ورجال الأمن والمواطنين في محاولة يائسة لدخول بيت الله الحرام بتلك التظاهرة الغوغائية.
ولكن الله الذي حمى بيته وأمّن ضيوفه رد كيدهم إلى نحورهم فانقلبوا على أعقابهم مدحورین مذعورين خاسرين يطأ بعضهم أجساد بعض... ومضت مواكب الحجيج في طريقها إلى المشاعر في أمن واطمئنان وأكمل الحجاج ومعهم الإيرانيون حجهم وعادوا إلى أوطانهم سالمين غانمين، وتتالت الاتهامات والافتراءات من حكام طهران طوال العام، وترفعت المملكة عن مجاراتهم في حملاتهم حيث كان العالم بأسره يقف على حقائق الأمور.
ثالثًا- مع اقتراب موسم حج العام 1408ه أخذت تطالعنا بعض وكالات الأنباء والصحف الأجنبية بأخبار وتصريحات منقولة على ألسنة حكام طهران، بما يتضمن التهديد والوعيد لضيوف بيت الله وبما يفيد صراحة بأن الخميني وأعوانه سيعمدون إلى دس بعض العناصر المأجورة من جنسيات مختلفة بين الحجاج؛ للقيام بأعمال تخريبية منها التظاهرات الغوغائية والهتافات الإلحادية وما إلى ذلك من الممارسات الحمقاء، التي أقدم عليها حراس الثورة خلال حج العام الماضي كما تقدم ذكره.
رابعًا- لقد وقفت الأمة الإسلامية بأسرها مجتمعة ومجمعة على شجب واستنكار هذه الأعمال الإجرامية ضد حرمات الله، وقالت كلمتها الفاصلة من خلال المؤتمرات والندوات ووسائل الإعلام، وما صدر على ألسنة القادة والعلماء والأئمة مطالبين بردع حكام طهران عن غيهم وضلالهم ومنع تكرار هذه الممارسات الإرهابية، وبتأييد جميع الإجراءات التي تتخذها حكومة المملكة العربية السعودية لتوفير أمن الحاج وتأمين سلامته وسبل أداء فريضته بما في ذلك إقرار الأعداد النسبية التي اقترحتها المملكة في المؤتمر الإسلامي المنعقد في عمان في شهر شعبان الماضي، وذلك بالنسبة لحج هذا العام والأعوام القليلة القادمة بصورة مؤقتة، ريثما تنتهي مشاريع توسعة الحرمين الشريفين وإقامة المباني السكنية اللائقة بحجاج بيت الله الحرام في مكة المكرمة والمدينة المنورة.
وكانت نسبة حجاج إيران بموجب هذا القرار (٤٥٠٠٠) حاج لهذا العام، خلافًا لما يصرح به حکام طهران ومأجورهم بين الحين والحين من أن المملكة قد منعت الحاج الإيراني من أداء الفريضة هذا العام، بينما الذي منعته وتمنعه المملكة هو تجاوز هذه النسبة من جهة والقيام بأي مخالفة أو ممارسة تخل بقواعد الأمن وتتنافى مع تعاليم الدين الحنيف من جهة أخرى.
خامسًا- بناء على ما تقدم إيضاحه، فإن حكومة المملكة العربية السعودية وهي تؤدي واجبها تجاه الحفاظ على أمن وحرمة المقدسات وصيانة شعائر الله وتوفير الأمن والاطمئنان للحجيج، تود أن تؤكد وتشدد مجددًا على ما سبق أن صدر عن مجلس الوزراء لسلطات الأمن بهذا الشأن، وتعلن بأنها ستتعامل مع الضالين والمفسدين ممن تسول لهم نفوسهم بارتكاب- أو الشروع في ارتكاب- أية جريمة أو مخالفة تخل بالأمن، مثل حيازة الأسلحة والمتفجرات أو القيام بأي عمل من أعمال الشغب والإرهاب والتخريب، مثل التظاهرات والهتافات وحمل الصور والأعلام واستعمال مكبرات الصوت، وقفل الطرقات وتعطيل الحجاج عن عبادتهم، نقول ستتعامل سلطات الأمن مع كل من يقوم أو يقدم على هذه الأعمال كائنًا من كان، وإلى أي جهة ينتمي وفي أي زمان أو مكان يوجد داخل حدود المملكة العربية السعودية، بحكم منطوق الآية الكريمة التي أنزلها الله في كتابه الكريم إذ يقول جل شأنه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾(المائدة: 33) صدق الله العظيم.
رب اجعل هذا البلد آمنًا:
هذا دعاء سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى ربه منذ آلاف السنين بأن يجعل هذا البلد الذي يشرف بوجود الكعبة بلدًا آمنًا. ولم ينقطع هذا الدعاء منذ ذلك الوقت البعيد، ولن ينقطع أبدًا- إن شاء الله- يردده المسلمون وهم وفق أقل تقدير ألف مليون مسلم في صلاتهم وفي تلاوتهم للقرآن الكريم. وحينما يفد الحجيج إلى هذا البلد الطيب لأداء فريضة الحج وينعمون بما يوفره لهم مما أفاء الله عليه من أمن ومرافق وخدمات مختلفة تيسر لهم أداء هذه الفريضة تنطلق ألسنتهم وتهتف قلوبهم: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمنًا﴾ (البقرة: 126).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل