العنوان الحج والتربية بالفرائض
الكاتب أبو اليزيد العجمي
تاريخ النشر السبت 08-ديسمبر-2007
مشاهدات 73
نشر في العدد 1780
نشر في الصفحة 50
السبت 08-ديسمبر-2007
(*) كلية الشريعة والدراسات الإسلامية- الكويت
يجمع بين مشقة العبادة وإنفاق المال والمنافع الدنيوية. وفيه تتجلى معاني النظام والأخوة والمساواة.
يطبع شخصية المسلم على الالتزام والقيام بالواجب.. دون تسويف أو تعلل للتأخير.
الركن الخامس من أركان الإسلام، وله مكانته بين هذه الأركان لأنه كما يقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي: «فإن الحج من بين أركان الإسلام ومبانيه عبادة العمر وختام الأمر وتمام الإسلام، وكمال الدين فيه أنزل الله عز وجل قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ﴾ (المائدة: ٣).
وفيه قالﷺ: «من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديًا وإن شاء نصرانيًا».. (رواه الترمذي). وقد تحدث الغزالي: طويلاً عما يجب على من يريد الحج من التوبة ورد المظالم وقضاء الديون وإعداد النفقة للحج، واختيار الرفيق الصالح الذي يذكره إذا نسي، ويعينه إذا ذكر.... ويقول الغزالي، اعلم أن أول الحج الفهم أعني فهم موقع الحج في الدين، ثم الشوق، ثم العزم، ثم قطع العلائق المانعة له.
وقد سئل النبي ﷺ عن الرهبانية والسياحة التي كانت في الأمم السابقة، فقال: « أبدلنا الله بها الجهاد والتكبير على كل شرف يعني الحج ( 1) ولقد كان هذا المعنى ولا يزال هو فهم المسلمين خاصتهم وعامتهم الفريضة الحج فهي ركن تتوق نفس كل مستطيع بل وغير المستطيع إليه ليتم أركان إسلامه ويعمل كل مسلم على بلوغ هذه الغاية مهما كلفته من مشقة أو مال وما حديث العائدين من الحج. وتمنيهم العودة مرات ومرات إلا دليل على مكانة هذه الفريضة في نفس كل مسلم. ولا يذهب إلى أداء هذه الفريضة أحد من المسلمين يحسن الأداء ويفهم حقيقة المشاعر إلا ويعود وقد تغير كثيرًا إلى الأحسن في فهمه وسلوكه، وتفاعله مع أفراد مجتمعه.
الحج وإثراء الحياة
يترك الحج آثارًا طيبة وكثيرة على شخصية الحاج فرداً وعلى المجتمع كله باعتبار أن هؤلاء الأفراد يصبحون نماذج صاغتها العبادة على خير مثال، ونشير إلى أبرز هذه الآثار
٠١الحج يطبع شخصية المسلم على الالتزام والقيام بالواجب دون تسويف أو تعلل للتأخير، لأنه يدرك أن هذه مسؤولية وأن القيام بالمسؤولية هو تحقيق لذات الإنسان في الحياة ذلك أن العزم على الحج بعد الاستطاعة والإحرام من الميقات المحدد له إنما هو إجابة النداء الله سبحانه حين أمر إبراهيم عليه السلام بقوله: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28)﴾ (اسم السورة: الحج: ٢٧، ٢٨)
والمسلم مع يقينه أن هذه العبادة بها مشقة وتبعات إلا أنه يحرص عليها لأنه أمر بها إذا استطاع. وقد آن الأوان ليتم أمر دينه ويفيد من هذه الفريضة بعد تفهمه لشعائرها ومعانيها (٢).
والمسلم الذي يتعود الالتزام بأمور الدين يلتزم كذلك بكل واجب أنيط به من أمور الحياة لأن الإنسان كل لا يتجزأ، فليس من المعقول أن يتعود الالتزام من العبادة ثم يخل به في أمور المعاش والحياة وما كانت العبادة في بعدها الاجتماعي إلا أفضل الراوفد للتربية الخلقية
٠2المسلم يتعلم معنى الأمة الواحدة عمليا بعد أن قرأها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (اسم السورة: الأنبياء: ٩٢).
وذلك حيث يرى مؤتمرًا كبير العدد لم تنظمه هيئة ما. ولكن نظمته الرغبة في إكمال الدين، فكانت جموع الأمة الواحدة مع اختلاف ألسنتها وألوانها وكانت سلاسة الحركة نسبيًا مع هذه الأعداد الهائلة. وهنا تنكشف للمسلم معاني قوة الجماعة.
وتعاونها على البر والتقوى فكل هذا العدد لابد أن يكون على عرفة يوم عرفة وهذه وحدة من نوع متميز، ثم المسلمون في كل البقاع يتابعون هذه المشاعر فتكون وحدة الشعور لمن يلتقون وجهاً لوجه. وهذا المعنى للوحدة ولهذا المؤتمر الكبير يجمد كون المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، ويمثل التراحم الذي بينهم كالجسد الواحد.
٣.الحج يعلم الالتزام بالأخلاق الفاضلة، لقد كان البيان القرآني حاسمًا في هذه المسألة، قال سبحانه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ ﴾ ( اسم السورة: البقرة: ۱۹۷) ويتضح هذا حين تعلم أن الحاج مطالب بالا يفعل ما يخرجه عن سمت عبادته ، فلا لغو ولا فحش في القول ولا فسوق يخرج عن طاعة الله ولا جدال لأن الجدال يقسي القلب ويورث الضغائن، وإنما هو مطالب أن يتحمل أذى من يخطئ ويلين له ويحسن القول وهذا كله تبدو صعوبته حين تعلم كثرة العدد وتزاحم الناس على كل شعيرة فإذا استطاع الحاج أن يضبط نفسه وأن يلتزم بالخلق الفاضل فهذه هي القوة ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب الآخرة وينعكس هذا الالتزام على المسلم حين يعود إلى مجتمعه فيكون شيئاً جديدًا كيوم ولدته أمه، وكذا يكون جزاؤه في الجنة، فقد قال الرسول الكريم الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة فقيل له: يا رسول الله ما بر الحج؟ قال: طيب الكلام وإطعام الطعام. ( أخرجه أحمد من حديث جابر بإسناد لين، ورواه الحاكم مختصرًا وقال: صحيح الإسناد.
٤.الحج يعلم التضحية من أجل الواجب يجمع الحج بين مشقة الدين وتكلفة المال الأمر الذي يقاوم فيه الإنسان حبه للمال وإخلاده إلى الراحة، فإذا انتصر وعزم على الحج ونوى وأحرم وأدى الفريضة فقد وفى نفسه من الشح: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ( اسم السورة: التغابن: ١٦) الشح بكل أنواعه حينًا بالمال، وحينًا بالجهد والحاج مطالب بالاتفاق فقد كان عمر ة يقول من كرم الرجل طيب زاده في سفره، وكان يقول: أفضل الحجاج أخلصهم نية وأزكاهم نفقة وأحسنهم يقينًا. لذا، فإن من المندوب إليه في الحج الهدي والتضحية باعتبارهما إطعامًا للطعام وهو مندوب إليه.
كذلك من المندوب إليه أن يفعل الحاج هذا بطيب نفس، وأن يختار أطيب المال لإنفاقه، لأنه يفعل ذلك تعبيرًا عن طاعته لله، حيث يعلم أن الأمر رمز للطاعة ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ ﴾ (اسم السورة: الحج: ٣٧)
﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (اسم السورة: الحج: ٣٢)
فإذا تعود المسلم هذا الخلق صار سخيًا ومعطاء، يقدم لمجتمعه ما يستطيع من مال ومن جهد طلبًا لرفعته وابتغاء لمرضاة الله سبحانه فيكون الحج دورة تدريبية أكسبته مهارات أو أخرجت كل مهاراته ليستخدمها دون عنت أو مشقة.
٥. وعدم التعارض بين العبادة والعمل: إن الإسلام دين قد طلب من الناس أن ينطلقوا ليعمروا الأرض:﴿ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ ( اسم السورة: الملك: ١٥). لذا كانت عبادته غير معيقة عن العمل: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ( اسم السورة: الجمعة: ١٠). والحج جامع بين العبادة والمنفعة الدنيوية في صورها المتعددة لأن الآية جاءت عامة غير محددة ومطلقة غير مقيدة ﴿لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ (اسم السورة: الحج: ٢٨)
وكان بعض الصحابة يتحرجون من العمل في موسم الحج قبل أن تنزل هذه الآية. فلما نزلت كانت السعة والرحمة لتشمل المنافع الاقتصادية، ولتشمل الجلوس للتشاور وتبادل الآراء وعقد الاتفاقات للتعاون مع إخوانهم المسلمين ولا غرابة في هذا، فالإسلام يجمع بين أمور الدين والدنيا في تشريعاته، ولا يقبل عمل من عمل لواحدة منهما فقط. وهذه النظرة الواسعة للعمل والعبادة والملتزمة في آن واحد لها تأثيرها الطيب على حياة المسلمين في فهمهم للعمل وقيمته حتى ولو كان في عبادة تسمح به مثل الحج
٦.الحج يؤصل الوعي التاريخي
يجيء دور التاريخ في الفهم الإسلامي للاعتبار والعظة، وهنا تسهم فريضة الحج في تنمية هذا الوعي لدى المسلم، لأنه سيري مقام إبراهيم عليه السلام فيذكر:﴿إِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ ﴾( اسم السورة: البقرة: ١٢٧)، وسيرى بئر زمزم فيتذكر دعاء سيدنا إبراهيم: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ﴾( اسم السورة: إبراهيم: ٣٧) وحين يسعى بين الصفا والمروة يتذكر قول هاجر لإبراهيم حين تركها وابنها إسماعيل: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم قالت إذن لن يضيعنا ( ٢)
وحين يقبل الحجر الأسود يتذكر فعل عمر وقوله: « والله إني أعلم إنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك رواه مسلم من حديث يحيى بن يحيى).
وهنا يدرك في كل المشاعر أنه يتأسى برسول الله «خذوا عني مناسككم » (متفق عليه من حديث جابر)
فإذا علمنا أنه بإمكانه أن يرى غار حراء وغار ثور، وطريق هجرة الرسول ﷺ أدركنا أنه سيعيش تاريخية الأحداث. وسيتكون لديه وعي بالماضي ويفهم أن الإسلام هو دين البشرية من لدن آدم إلى آخر الزمان وان هذا يحمل المسلم مسؤولية البلاغ والدعوة حتى يكون من خير أمة أخرجت للناس
٠٧ الحج يشير إلى التيسير:
المسلم يتعلم من الحج التيسير فهو مرة واحدة في العمر وشعائره قليلة العدد والرسول الكريم ما سئل عن شيء فيه فعل من الحجاج إلا وقال: افعلوا ولا حرج. وهذا التيسير يطبع المسلم بطابع التسامح المطلوب للتعايش مع المسلمين وغير المسلمين.
٨. الحج رمز المساواة والنظام:
وفي الحج آثار كثيرة وحسبنا أن نشير إلى النظام وترتيب الأولويات فالميقات والإحرام منه أولًا. وتأتي المشاعر مرتبة حسب الحكم الفقهي الأول فالأول، ولا يصح تقديم ما حقه التأخير وهكذا.
ويشعر المسلم كذلك بإحساس المساواة حين يرى الجميع في ملابس الإحرام فيعلم حقيقة أن كلكم لأدم وآدم من تراب والحاج إذا تأمل المشاعر وفهم مراميها أفاد كثيرًا من الآثار في شخصيته وفهمه اللذين سينعكسان على المجتمع بأسره. هذا والله المستعان، وهو نعم المولى ونعم النصير.
خاتمة
بعد هذه الإشارات التأملية في العبادات ( 3) في الإسلام يمكننا أن نقول: إن الله سبحانه، وهو أعلم بما يحتاجه الناس في الحياة شرع العبادة وجعلها أركانًا أساسية لا يقوم الإسلام بدونها وهي ذاتها الوسيلة الناجعة لإعداد الناس للحياة وتعليمهم القيم التي تجعل هذه الحياة طريقًا أمنًا في الدنيا، وموصلًا إلى السعادة في الآخرة، وقد رأينا، من خلال الإرشادات السابقة، أن العبادات تعمل في مجالات ثلاثة :
الأول: مجال العلاقة بالله سبحانه حيث يتعود المسلم أداء الأمر الإلهي باختياره وعن إيمان بأن هذا يحقق الخير له في الحياتين الدنيا والآخرة.
الثاني: مجال النفس البشرية حيث تعمل العبادات على جعلها سوية خالية من الأمراض التي تسبب القلق لها ولغيرها، وهنا يكون الأمن النفسي الذي بدونه تصبح الحياة شرًا على صاحبها قبل غيره.
الثالث: مجال العلاقة بين الناس حيث تقوم العبادات بغرس قيم الحب والتكافل والأخوة والمساواة وضرورة التشاور ونحو ذلك. وبذا تصبح العلاقات نظيفة وشريفة. ويمكننا القول بأن هذه المجالات الثلاثة تتفاعل وتتكامل لتكون الأمة الواحدة التي توصف بأنها خير أمة أخرجت للناس والتي حددت رسالتها بأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله هكذا يمكن أن يتربى الفرد المسلم وهو يؤدي فرائض الدين ويكتسب عادات وقيمًا تظهر في حياة المجتمع والدولة والأمة دون عناء كبير أو نفقات باهظة في مؤسسات تعليمية أو تربوية.
الهوامش
(۱) إحياء علوم الدين ٢٦٦/١. ( ۲) العبادات تربية وتزكية أحمد يوسف
( ۳) إحياء علوم الدين ٣٦٨/١
( ٤) إحياء علوم الدين ٥٥/١
( ٥) أحمد يوسف العبادات ص ٢٤٥
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل