العنوان الحداثة في ميزان الإسلام
الكاتب يحيي محمد رسام
تاريخ النشر الثلاثاء 22-مايو-1990
مشاهدات 72
نشر في العدد 967
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 22-مايو-1990
- ابن
باز: الحداثيون يتنصلون من مسؤولية الكلمة.
- أدونيس
وسياسة التخريب أولًا!
- كتاب
الشيخ القرني أصاب مقتلًا في جسم الحداثة.
أرأيت- قارئي
العزيز- إلى السارق المتمرس والخبير بطرق ووسائل اللصوصية؟! وهل رأيت إلى
المخادع، العارف بحيل الخداع، وأساليب الابتزاز؟!
أرأيت
إلى هؤلاء وأولئك وهم يمارسون هوايتهم كل يوم وفي كل شؤون الحياة الوظيفية،
والاجتماعية، ثم الثقافية، كما في عالم السياسة والاقتصاد؟!
ثم
أرأيت كيف أنهم إذا جاء من ينكر عليهم، أو يبين فساد نهجهم، أو يكشف عن خبيئة
نفوسهم، وخبث وسائلهم، وسوء طواياهم.. أرأيت كيف يواجهونه؟ بلا شك إنهم لا
يواجهونه بالترحاب، والاستحسان.. فهم ليسوا بهذه الدرجة من الطيبة
والسذاجة!
لكنهم
ينتفضون- في وجهه- انتفاضة المتهم المذعور، الذي يخشى أن يشار إليه بالبنان،
فيفتضح أمره بين الأنام، ويصرخون بشكل صاحب، وهم يهبون في محاولة مستميتة لطمس
الحقائق التي يعرضها على الناس، فإن لم يستطيعوا.. فلا يتورعون من ارتكاب إثم
تشويهها على الأقل- حتى لا يصدقه الجمهور المستهدف- أولًا- وفي
محاولة لتزيين وجوههم التي أصابها الفزع لتبقى بادية في مظهر البريء- ثانيًا- وليتمكنوا
من الاستمرار في ممارسة جرائمهم- ثالثًا- وهم في كل ذلك يتبعون الحكمة
القائلة بأن أفضل وسائل الدفاع الهجوم، ويستفيدون من المثل المشهور «رمتني
بدائها وانسلت» لذلك فهم لا يتورعون عن أن يرموا الذين يتجرؤون على كشفهم
وفضحهم، بأنهم مثيرو فتن، وإرهابيون، وأغراضهم غير شريفة، ويسعون لتحقيق مصالحهم
الذاتية غير الشريفة! وأخيرًا هم خونة ومتآمرون... هكذا يفعلون في
عالم الماديات... وهكذا يفعل أمثالهم من سدنة الحداثة والعلمنة في عالم الفكر
والثقافة والأدب..
ولدقة
انطباق هذه على تلك، يشعر المرء وكأنهم يسيرون وفق منهج معروف، وخطة متبعة، وتنسيق
مسبق، وتعاليم مرسومة، لا يحيدون عنها.. وتستطيع أن تدرك ذلك ودون
أية صعوبة عند قراءتك لأي كتاب أو أية مجلة أو حتى نشرة صغيرة تصدر عنهم، أو
باسمهم.. وقد جثتك اليوم بالمثل..
1- مجلة قضايا فكرية - والحداثة في ميزان الإسلام:
فقد
حدث معي نفس الشيء وأنا أقرأ ما علقت به مجلة أو كتاب «قضايا
فكرية».. في عددها الأخير الصادر في أكتوبر 1989- والذي خصصه السدنة
للحديث حول الإسلام السياسي- تعليقًا على كتاب «الحداثة في ميزان
الإسلام» لمؤلفه الشيخ الفاضل عايض القرني(1)- حفظه الله- في
باب «قراءات وتعليقات» وذلك أن كاتب التعليق قد خلع على الشيخ
الكريم، كل الصفات المذمومة، التي يطلقها هو وأمثاله كل يوم ومع كل
إصدار يتطرق فيه الحديث عن الإسلام ودعاته، وعلمائه(2).
ابتداء:
من رميه بعدم العلمية- والمنهج المتخبط- أو مخالفة المنهجية- ثم
الجرأة في إصدار الفتوى في تكفير المبدعين والفنانين!
ومرورًا
بمحاولة فرض فهمه الخاص للإسلام وإلزام الآخرين به! بل إن الشيخ القرني بهذا
الكتاب «يستعيد عصور محاكم التفتيش الأوروبية على ساحة القرن العشرين في
الوطن العربي»(3) ص 333.
وانتهاء-
ولعل هذه أخطر التهم- باتهام المؤلف بابتسار أو «اقتطاع أو انتزاع
النصوص من مواقعها» والاستشهاد بها بعيدًا عن سياقها، لتأييد دعاوى غير
صحيحة واتهامات يبرأ كل الحداثيين النبلاء منها.
2- ممارسة الإسقاط
وبالنسبة
لهذه التهمة التي رمى بها كاتب التعليقات شيخنا الفاضل- فإننا وبنظرة سريعة
إلى معظم البحوث التي نشرتها المجلة- في صفحاتها التي تربو على
الثلاثمائة، نلاحظ اتساع مساحة انتشار هذه الظاهرة في كتاباتهم، وبالتالي
فكل ما رمى به الشيخ ما هو في الحقيقة إلا عملية إسقاط لما يمارسونه، كل يوم
وأسبوع وشهر وفصل وسنة، عبر كل وسائطهم الإعلامية... والذي أصبحوا فيه- هذا
الأسلوب- خبراء يرثه الخلف عن السلف كابرًا عن کابر!
3- عجز عن إيراد المثل:
بدليل
واحد- فقط- كشاهد على صحة ما يدعي- ولكنه- لسوء حظه- عجز
عجزًا مطلقًا، ولكي يبرر عجزه قال- في عبارة خجولة- بأنه لن يتطرق لضرب
الأمثلة في تعليقه.. والسبب سهل وبسيط، وهو أن أسلوب الشيخ واستدلالاته، ليس
فيها مما قاله شيء البتة، وتَبْرأُ من كل ما حاول أن يلصق بها من افتراءات، وذلك
لأنه لو وجد شيئًا من ذلك أو ما هو شبيه به، لما تردد لحظة، ولاستعرضه في غطرسة
وغرور ظاهرين.
بل
إن قارئ التعليق سيلاحظ كيف استغل المعلق ورود بعض الألفاظ المفردة في كتاب الشيخ
استغلالا غير كريم «فانتزعها، أو اقتطعها»، من موقعها وأدخلها في سياق حديثه، مع أنه
لو نقل الجملة التي وردت فيها لما دلت على ما ذهب إليه، بل إنه حتى لو أورد اللفظة
التي قبلها والتي بعدها لأدت عكس ما أراد المعلق تمامًا... ولكن «الجماعة» خبراء
في نزع الكلمات والألفاظ من جملها وأماكنها ثم إلباسها غير لباسها أو إماتة المعنى
الذي أراده صاحبها، كما كان- ولا يزال - أمثالهم من يساريي العرب
وغيرهم- يمارسون نزع أرواح مخالفيهم من أبدانهم، بنزع رؤوسهم عن أجسادهم
بطريقة عقلانية وديمقراطية - بل وبأساليب «إبداعية» لم يعهدها
البشر من قبل!
ولكن لماذا الاهتمام بالكتاب؟!
وهذا
هو السؤال الذي يجب الإجابة عليه؟ والجواب بكل بساطة لأن الكتاب- الحداثة في
ميزان الإسلام- مثل طعنة في مقتل كما يقولون، وكتاب هذا شأنه، يصعب تجاهله، مع
أن أسلوب التجاهل أسلوب معهود عندهم كأحد وسائل محاربته، خاصة إذا لم يتوافر له ما
توافر لكتاب الشيخ القرني، من الدعاية الجيدة، سواء عبر وسائل الإعلام الإسلامي،
أو منابر الجمعة، أو عن طريق مقدمة الشيخ ابن باز والتي أعطته تزكية لدى
الشباب المسلم في العالم العربي!
لذلك
رأى سدنة الحداثة واليسار، أن لابد من عمل شيء للتقليل من أهمية الكتاب،
وبالتالي التخفيف من آثاره الخطيرة على معتقداتهم، ومذهبهم الجديد.. لذلك فقد
عمدوا لمحاولة تشويهه، وانتقاصه، ورميه بكل ما في قاموسهم من مسميات، ومصطلحات
وتهم... حتى يقللوا- كما قلنا- من وقع الكتاب في نفس من يقرأه أو
يطلع عليه، وحتى يقال- في وسائل نشرهم وإعلامهم الأخرى- بأنه قد رد
عليه، وبينت أخطاؤه.. وإن كان ما قاله المعلق في الحقيقة لم يزد عن كونه
استعراضًا ينقصه الموضوعية، كما أنه بعيد عن كل روح علمية يتبجحون بها، ومحاولة
لاستنطاق المؤلف بما لم يقله، أو حرف مقصودَهُ.. حتى تنطلي الحيلة
على المخدوعين، والبسطاء..
تزكية أخرى
ولكنهم- والكاتب
على وجه الخصوص- نسوا أن مجرد تعرضه للكِتَابِ، ومحاولة التقليل من شأنه
وأهميته، قد أعطاه شهادة بأنه كِتَابٌ مهم وخطير، وأصاب مقتلًا في جسم الحداثة
الذي بدأ الهزال وعلاماته تظهر عليه، لكثرة ما وجه إليه من
طعنات - بأقلام الإسلاميين- قبل هذا الكتاب.
إغفال المقدمة لماذا؟
وبقيت
هذه النقطة التي يجدر لفت النظر إليها، وهي أنهم وعلى غير عادتهم في
الإشادة بمقدمة أي كتاب يكتبون عنه، وخاصة إذا كانت مكتوبة بقلم أحد أصنامهم،
فيبينون مزاياها، وأهميتها، وكيف أنها أعطت الكتاب زخمًا! ورفعت من قيمته العلمية،
والفكرية! وأنها تعتبر بحد ذاتها جديرة بالاقتناء! والقراءة المتأنية! للاستفادة
مما حوته من بديع المعاني، ودقة الاستنباط! إضافة إلى جمال الأسلوب، ورشاقة
التعبير! و... و... إلى آخر تلك العبارات التي يرصونها بحق وبدون حق في
مثل هذه المناسبة.
إلا
أن موقف المعلق الهُمام! اختلف مع كتاب الشيخ القرني، فلم يشر حتى مجرد
إشارة إلى مقدمة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز بالرغم من أن اسم الشيخ ابن
باز قد برز على صدر الصفحة الأولى من التعليق مضافًا إلى اسم المؤلف، فما هي
علة ذلك يا ترى؟!
ليس
هنالك من علة سوى أن المعلق على الكتاب أدرك- وليس بالضرورة بحاسته هو- أنه
سيوقع نفسه في تناقض أمام من سيقرأون التعليق، لأنه كان قد ركز كما- ذكرت- في
حديثه على تأكيد مفهوم مزور، وهو أن ما جاء في الكتاب لا يزيد عن كونه مجرد فهم
خاص بالإيمان لصاحبه(4)، يريد ويسعى لفرضه على الآخرين، ولأن الواقع يشهد
بخلاف ذلك، وبشهادة وتزكية الشيخ ابن باز في تقديمه للكتاب!
فكيف
يكون كل ما جاء في الكتاب من أحكام وحقائق! وإطلاق لتهم الكفر والإلحاد،
هو رأي للمؤلف فقط.. في الوقت الذي قدم له، وأشاد به فضيلة الشيخ ابن باز،
والذي لو رأى في الكتاب ما يخالف بعض أحكام الإسلام، فضلًا عن مخالفته بعض آدابه
وأخلاقه(5) أو إنه كان مجرد فهم خاص وغير سليم للمؤلف لأشار إلى ذلك دون
أن يجد أدنى حرج، كيف والشيخ ابن باز معروف بقول ما يراه حقًا دون أن يخشى في الله
لومة لائم!
وبالتالي
فكل ما جاء في الكتاب يعتبر رأيًا وفهمًا لمقدمه كما هو رأي وفهم مؤلفه.. ولذلك
فقد أسدل كاتب التعليق - المنصف والمنهجي والعلمي- ستارًا من
التعتيم على مقدمة الشيخ ابن باز- حفظه الله.
ليس
ذلك فحسب ولكن أيضًا لأن الشيخ ابن باز قد كشف في مقدمته التي
تجاوزها المعلق إلى أن الحداثيين يسعون إلى تحقيق ثلاثة أهداف كل واحد منها يمثل
جريمة في حد ذاته، في حق العربية والإسلام.. ونظرا لأهميتها فلا نرى بأسًا من
عرضها هنا على الأقل ليطلع عليها المعلق المذكور وغيره، لاحتمال أن
النسخة التي أعطيت له من كتاب «الحداثة في ميزان الإسلام» لقراءتها
والتعليق عليها قد حذفت منها المقدمة بطريقة أو بأخرى.
أهداف
الحداثيين كما ذكرها الشيخ ابن باز في مقدمته:
أولًا:
يهدف الحداثيون إلى «التنصل من مسؤولية الكلمة وتبعتها، حينما تلف بهذا
الغموض الذي قد لا يدرك معناه بسهولة»(6).
ثانيًا:
يهدفون إلى «إماتة الشعر، وسلب روحه وتأثيره، وحرمان المسلمين من سلاح ماضٍ
من أفتك أسلحتهم ضد أعدائهم»(7).
ثالثًا:
يهدفون إلى «محاولة نبذ الشريعة والقيم والمعتقدات والقضاء على الأخلاق
والسلوك باسم التجديد، وتجاوز جميع ما هو قديم وقطع صلتها به».
تساؤل بريء
أين
كان ضمير المعلق «العلمي» ومنهجيته المستقيمة- غير المتخبطة- وأين
كانت «الأمانة العلمية» وأين الإنصاف عندما تجاوز هذا كله ونسب كل ما ورد في
الكتاب إلى مؤلفه وأنه يعبر عن فهمه الخاص للإسلام؟
هامش
وعلى
ذكر المنهجية لا بأس بأن نختم هذه المتابعة بأن نلفت نظر القارئ الكريم
إلى قول المعلق: «وهذا الكتاب بمنهجه المتخبط» يقدم صورة للكيفية التي
يفكر بها بعض المتعصبين لفهم معين للإسلام... إلخ». وقد سبق نقلها كاملة..
ثم قوله بعد ذلك وقد أشار إلى أن الكِتَابَ لم يدع أي فرصة حقيقية لأية مناقشة
حقيقية. قال: «وإنما يمكن أن نكتفي بالإشارة
إلى «المنهج» الذي اعتمده واضع الكتاب في التوصل إلى كفر وإلحاد كل من
يتهمهم بذلك، هو منهج يتجاهل كل القوانين والبديهيات التي ترتبط بأي نقاش العمل
إبداعي...». ثم قال بعد ذلك: «إن الكاتب يحاسب القصائد التي يشير إليها
والنصوص محاسبة تغفل من ناحية منطق الكتابة الشعرية... إلخ».
ونحن
بعد هذا النقل الطويل لا ندري كيف تجرأ المعلق على قول ذلك مع أنه قد أثبت قول
المؤلف: «يؤكد الكاتب على أنه لا ينطلق في كتابه من منطلق الحوار مع الحداثة
حوارًا «أدبيًّا» بل من منطلق الخلاف مع الحداثيين على مستوى المنطلقات
الفكرية والعقائدية والمعاني التي يدافعون عنها، ويدعون إليها».
وعلى
أن المؤلف سوف يحاسبهم إلى الدين وإلى الدين فقط، فهو وحده مرجعه وميزانه ومعياره. ص 334- قضايا
فكرية.
فإذا
تبين لنا أن المؤلف قد سار على هذا المنهج الذي وضعه لنفسه، وأشار إليه المعلق،
فكيف يدَّعي- بوقاحة فجَّة- أن منهجه متخبط، وينتقد منهجه الذي توصل من
خلاله إلى كفر وإلحاد كل من يتهمهم.. لا يسعنا إلا ترديد قول المصطفى صلى
الله عليه وسلم: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت» صدق رسول الله صلى الله عليه
وسلم.
______________
(1)
تصويب: مؤلف الكتاب عوض بن محمد القرني.
(2)
سلسلة كتاب «قضايا فكرية» أكتوبر 89 ص333– ص33.
(3)
وفي الوقت ذاته يحاول المعلق ممارسة عملية الاحتيال على البسطاء وأنصاف المثقفين
عندما يحاول الظهور بمظهر المؤمن بالإسلام وهو يقول متهمًا المؤلف بأنه «لا
يرى ما تنطوي عليه قيم الإسلام من سماحة! ومن حث على طلب المعرفة والعلم!
والأمانة في نقل كلام الآخرين». سبحان الله العظيم! ما هذا الفهم للإسلام عند
اليساريين والجهل المطبق عند علمائه؟ ص333.
(4،
5) وهذا الكتاب يثير غضب قارئه «تهمة الكفر والإلحاد» التي يشهرها واضع
الكتاب بسهولة وبلا ترو ضد كل من لم يلتزم «بحدود فهمه ذو للإيمان».
وقال
بعد ذلك: «وهذا الكتاب بنهجه المتخبط(!) يقدم صورة للكيفية التي يفكر
بها بعض «المتعصبين» لفهم معين للإسلام - في قضايا الإبداع
والثقافة فيسيئون «للإبداع» و«الثقافة» و«للإسلام نفسه» ص 333-
قضايا فكرية- «وهذا الكتاب بأحكامه وتعبيراته غير الأخلاقية أحيانًا». نفس
الصفحة.
(6)
انظر ما قاله الناقد الكبير د. شكري عياد حول عجزه عن فهم لغة الحداثيين في «الهلال».
(7)
هذا دليل آخر يضاف إلى ما قلناه حول أهمية الأدب والشعر في موضوعنا «ثغرة
الأدب والثقافة بين دعاة الإسلام وخصومه».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل