; أفل نجمهم وأفلست بضاعتهم فأصيبوا باليأس والإحباط- الحداثيون والتغريد خارج السرب | مجلة المجتمع

العنوان أفل نجمهم وأفلست بضاعتهم فأصيبوا باليأس والإحباط- الحداثيون والتغريد خارج السرب

الكاتب رافع بن علي بن أحمد الشهري

تاريخ النشر السبت 13-أكتوبر-2007

مشاهدات 76

نشر في العدد 1773

نشر في الصفحة 46

السبت 13-أكتوبر-2007

ربما يتساءل الكثير من المهتمين والمشتغلين بالأدب عن أسباب اختفاء بعض الرموز الحداثية، بعد أن سطعت في الثمانينيات وحتى أواسط التسعينيات من القرن الماضي، واحتلت مساحة واسعة من الساحات الأدبية والثقافية، لاسيما في الأندية الأدبية والصحف العربية، التي ساهمت في احتضان الكثير من تلك الرموز وأسهبت في نشر إنتاجها، مسلطة عليها الأضواء البراقة ومعتمة على كل من يخالفها، وإن كانوا من الهامات الكبيرة.

يظن فريق من المتسائلين عن غياب تلك الرموز عن الساحة الثقافية أن ذلك يعزى إلى احتجاجهم على بعض زملائهم الذين طالما رافقوهم في رحلة الحرف والكلمة الحديثة، وشاطروهم الآمال والآلام ثم تخلوا عنهم فجأة وبدون مقدمات وأصبحوا رقباء مخلصين في تلك الصحف التي كانت هي المدد والعون لهم، يحذفون ما يشاءون من إنتاجهم ويرفضون ما يشاءون كل منهم يحمل مقصًا حادًا على أوراق الحداثة والحداثيين.

وهذا بلا شك أحد الأسباب، ولكنه ليس أقواها وأصدقها، بل هو ناتج عن سبب رئيس مهم وهو التغريد خارج السرب. وهذا الذي دعا رفاقهم إلى العودة إلى الأصالة والتقليدية ذات النهج الكلاسيكي العربي، وذلك خوفًا من ضياع الهوية.

إن تغريدهم خارج السرب قد أحبطهم وأصابهم باليأس والانكفاء مما أفضى إلى الإفلاس والعدم.

ومن البدهي ألا يجدوا من يطرب لهم ويصفق وهم يأتون بما لم يأت به الأوائل في نصوصهم وقصائدهم التي لا تنسجم أبدًا مع مجتمعاتهم العربية، لا من ناحية الكلمة أو الحرف أو الوزن، ولا من ناحية الرؤية والهدف والفكرة. فالغرابة والغموض يكتنفان ما يقدمونه، وهذا لا يتناغم أبدًا مع تلك النصوص التي ألفها المجتمع العربي منذ مهلهل بن ربيعة، ومرورًا بحسان وجرير والمتنبي وحتى حافظ إبراهيم والشابي وأبي ريشة والبردوني والعشماوي، وغير هؤلاء ممن أثروا الساحة الأدبية وجددوا في الصور والمضامين ولكن عبروا عنها بالشكل الكلاسيكي الموروث.

ويعتبر أدونيس - المنظر العربي للحداثة - أن أبا تمام وأبا نواس وبشار هم الحداثيون الأول وهم أصحاب السبق إلى هذا اللون، وذلك ليقنع المتلقي العربي بالرضا والقبول كما رضي بالسابقين من الشعراء، وهذا طرح خاطئ. فالشعراء الذين ذكرهم لم يغيروا في شكل القصيدة وبحورها مثلما يدعو إليه، بل إن قصائدهم أتت على أوزان الخليل بن أحمد، وأما مضامينها فلا شك أن فيها من الإبداع ما يختلف عن سابقاتها من العصر الأموي أو الجاهلي، وهذا قد أضفى عليها حسنًا وجمالًا، وقد تقبلها الأدب العربي بصدر رحب كما تقبل ما جاء بعدها من المدارس الحديثة، كمدرسة المحافظين أو الكلاسيكيين والتي يمثلها محمود البارودي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم والتي ازدهرت كثيرًا وأبدعت مع مجيء كل شاعر من شعرائها حتى أتت مراحل التجديد التي يمثلها خليل مطران ومدرسة الديوان التي يمثلها عبد الرحمن شكري ومن بعده أتت جماعة المهجر، وجماعة أبوللو، والذين جددوا في المضامين وأبدعوا ولكنهم بقوا على نهج الخليل العروضي الذي لا يستساغ الشعر العربي بدونه فكانت أشعارهم تضفي للغة العربية من الفنيات والخيال الكثير.

لقد كان نزار قباني الشاعر العربي الكبير يرى أن كتابة الشعر الحديث بالنسبة إليه من باب التسلية فقط، فلم يكن يلقي قصائده في المحافل والمنتديات الأدبية إلا بالشعر العمودي الخليلي المقفى، وقد اشمأز كثيرًا من الشعراء الحداثيين في كثير من طروحاته وكتاباته الأدبية، وقال في مجلة الأسبوع العربي: "ويبتلينا الله ويبتلي الأدب العربي بطعمة من الشعراء أطلقوا على أنفسهم اسم شعراء السبعينيات، يحملون سندوتشات شعرهم المقدد، إذا سألت أحدًا منهم عن المتنبي نظر إليك شزراً، كأنك تسأله عن الزائدة الدودية."

" لطالما اشمأز نزار قباني من الشعراء الحداثيين فيطروحاته وكتاباته الأدبية"

انكفاء الحداثيين

ولعل ما دعا شعراء الحداثة إلى الانكفاء والانزواء والبكاء على أيام الأدونيسيات في الثمانينيات، أنهم في واد ومجتمعاتهم في واد آخر، فلن يسمعهم أحد كما سمع أشعار المتنبي وجرير والفرزدق، وإن لم يكن من المثقفين فقد استغنى بأشعار محمد السديري وابن لعبون والوقداني وغيرهم من شعراء الشعر النبطي.

وحتى تكون أكثر منطقية فإن كتاب الدكتور عوض القرني الذي أصدره في أواخر الثمانينيات، قد أثر تأثيرًا بالغًا على الساحة الحداثية ورموزها وراجع كثير من منظري الحداثة حساباتهم: فمنهم من تبرأ منها فكريًا وأيديولوجيًا، ومنهم من اكتفى بالتفرج على تهاوي الحداثة العربية أمام شموخ الأصالة والكلاسيكية.

الرابط المختصر :