; المجتمع الثقافي: 1290 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي: 1290

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-مارس-1998

مشاهدات 70

نشر في العدد 1290

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 03-مارس-1998

الحداثيون.. وموقفهم من نهضة الأمة

هل من شروط الحداثة التخلي عن الهوية الثقافية؟ لماذا تضمن التحديث العلمي مضامين فلسفية معادية؟ هل تسمح الحداثة الغربية بإعطائنا كل ما نريده من العلوم أم أنها تحتكر كل ما يسهم بانتقالنا من الحالة الاستهلاكية إلى مرحلة الإنتاج وما يمكن أن يؤهلنا بعد ذلك للمنافسة؟

 المقالان التاليان محاولة جادة للإجابة عن هذه الاستفسارات.

مأزق النخبة!

بقلم: الدكتور حلمي محمد القاعود

أستاذ النقد الأدبي بجامعة طنطا- مصر.

لعل النخبة العربية أدركت الآن أن التمسك بأهداب الغرب وذيوله لن ينقذ العرب والمسلمين من الضلال ولن يقودهم إلى خير، ولن يحقق لهم التقدم والازدهار، فقد منع عنهم أسباب القوة، وأوقع بينهم الفتنة والبغضاء وأشغلهم بأنفسهم حتى لم يعودوا يرون أبعد من أنوفهم، فضلًا عن سلبهم ما يملكون من أموال وثروات وإمكانات تحت دعاوى مختلفة وحيل متعددة، بالطبع، هناك نفر من هذه النخبة لا يصغى إلى العقل، ولا ينظر إلى الواقع، لأنه ببساطة شديدة. صار ترسًا في الآلة الغربية التي تطحن الأمة العربية الإسلامية طحنًا وبلا هوادة وبالتالي فإن الحوار مع هذا النفر لن يجدي فتيلًا. 

إن الغرب يملك أسباب القوة ومفاتيح العلم وأسرار التقنية، ونحن لا نملكها، وهذه حقيقة أدركتها من قبلنا اليابان وشعوب أخرى، فعملت بجد وإخلاص، على السعي من أجل القوة والعلم والتقنية، بطريقتها الخاصة التي استخدمت الذكاء والحيلة والصبر الجميل، مع إقامة بنيان اجتماعي تسوده الحرية والرحمة والعمل والإخلاص، والتخطيط الواقعي والوعي الإنساني.. ومن ثم راح القوم ينطلقون.. ونحن -مازلنا- في مكاننا.

مشكلة النخبة العربية، أنها لم تر غير نفسها في الساحة العربية الإسلامية، ونفضت يدها من الماضي والتاريخ، واعتقدت أن الانقطاع عن الماضي والتاريخ سينقلها، أو سينقل الأمة العربية الإسلامية إلى المستقبل المأمول الذي يجعلها على قدم المساواة مع أمم الغرب وشعوبه... وبعد مضي قرن من الزمان على هذا الاعتقاد لدى النخبة، فإن الحال صارت أسوأ مما كانت عليه في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي.. نخبتنا لم تضع في حسبانها عناصر الاختلاف بيننا وبين الآخرين، فأسقطت الإرث والمعتقد والجغرافيا والتاريخ، وانبطحت أمام النموذج الغربي بكل تحولاته ومفارقاته وتجلياته، وكلها للأسف تصب في خانة «السوبرمان» الذي يخضع له أهل الأرض جميعًا، من كان «قرصانًا» في البحار، أو «راعي بقر» في سهول أمريكا الشمالية، أو قائد قبيلة محاربة في أواسط أوروبا أو «صانع مقصلة» في فرنسا أو «نازيًا» في ألمانيا أو «فاشيًا» في إيطاليا.. وقبل ذلك وبعده، همجيًا يقود الحروب الصليبية لتحرير «القدس» أو «مستعمرًا» ينهب بلاد الأرض ويسترق أهلها، أو رجلًا كبيرًا يقود المافيا الدولية للهيمنة على الأمم والشعوب وتدبير المؤامرات وتجنيد «اليهودية» لتكون طليعته المقاتلة ضد من يتمرد على الهيمنة والاستسلام.

 نخبتنا العربية الإسلامية إحساسها الحاد بالنقص تجاه الغرب، جعلها تفقد الوعي الصحيح، وتنساق بلا إرادة إلى التصور الغربي بإيجابياته وسلبياته، فلاتميز بين ما يمكن توظيفه في حركة الصراع الحضاري من أجل البقاء، وما يمثل عبئًا على الأمة يكرس تبعيتها وبؤسها وهوانها.. لذا تنظر إلى إرثها ومعتقداتها بعين الخجل والإحساس بالعار، فضلًا عن الإدانة الشاملة والرفض الكامل. نظراؤها في الغرب يبعثون الماضي «إغريقيًا ولاتينيا وأسطوريًا» بوصفه مقومًا حضاريًا يدعو للتفاخر لا الخجل ولا العار ولا الإدانة الشاملة ولا الرفض الكامل مع أنهم - ويا للمفارقة - يتحدثون عن الحداثة وما بعد الحداثة!

 ومن المؤسف أن النخبة العربية الإسلامية بسبب فقدانها الوعي الصحيح، وانسياقها بلا إرادة إلى التصور الغربي، وقعت أخطاء جسيمة، لا يقع فيها أصحاب هذا التصور نفسه، ويمكن أن نعدد بعض هذه الأخطاء التي تصل إلى حد الخطايا:

1- تسويغ الاستبداد ومؤازرة النظم الاستبدادية، وتأييد ممارساتها الإجرامية ضد الشعوب العربية الإسلامية تحت حجج سخيفة مثل محاربة الرجعية والقوى الظلامية، ونشر الاستنارة والتقدم.

٢ - تفصيل القوانين الاستثنائية التي تطيح بالشورى والديمقراطية والدفاع عن هذه القوانين التي تحرم المواطن من حرية القول والتعبير والنشر، وإقامة المؤسسات التعليمية والفكرية والصحفية وتشكيل الجمعيات والنوادي التي تعد حقًا طبيعيًا من حقوق الإنسان، أقرتها الشرائع السماوية والقوانين الوضعية والمواثيق الدولية.

٣ - الهيمنة على المؤسسات الدعائية والثقافية المؤثرة وحرمان الآخرين المخالفين في الرأي والتوجه، من حق التعبير وإبداء وجهة النظر الخاصة بهم وبعضهم - من هذه النخبة - يسقط في هاوية الوشاية بهؤلاء المخالفين إذا ما عن لهم أن يعبروا أو يكتبوا!

٤ - السير على خطى الدعاية الغربية في تناول القضايا الفكرية والحضارية المتعلقة بأمتنا وماضيها وحاضرها ومستقبلها، وكان من المؤلم مثلًا أن تنساق هذه النخبة وراء الدفاع عن حق بعض المنحرفين في العالم الإسلامي في إعلان تمردهم على العقيدة الإسلامية والإساءة إلى الرسول صلي الله عليه وسلم والتشهير بالشريعة مثل سلمان رشدي وتسليمة نسرين وبعض الصغار الآخرين، في الوقت الذي يصمتون فيه «صمت الحملان» مثلًا على محاكمة «روجيه جارودي» بسبب مواقفه التي تفضح أكاذيب اليهود وإجرامهم في حق الشعوب العربية والإسلامية. لقد آن الأوان لكي تراجع النخبة العربية والإسلامية مواقفها المتطرفة ضد الأمة لحساب الغرب وتصوراته، فالخطر الغربي القادم -بل الواقع- لا يفرق بين عربي وعربي، أو مسلم ومسلم، ولكنه يضع الجميع في سلة واحدة يقذف بها إلى أعماق الظلمات، لأن فكره وتصوراته وسلوكه وممارساته كلها تقول ذلك، ومن ثم فإن الوقوف إلى جانب الحرية والعدل والشورى والكرامة.. أمر لا مفر منه.

هل الحداثة متاحة أصلا؟

بقلم: منير شفيق

كاتب ومفكر إسلامي - فلسطين.

ثمة قوم من الحداثيين الدعاة إلى الأخذ بالحداثة الغربية -وبالخصوص الحداثة الأمريكية - يطالبون العرب والمسلمين بأخذها كلها، بعجرها وبجرها، بحلوها ومرها، فهم لا يرون للأمة طريقًا إلى النهوض غير ذلك، ويرفضون حتى دعوة بعض العلمانيين الذين يطالبون بنوع من الانتقائية في الأخذ بالحداثة وهي البديل الآن في استخداماتهم لكلمة الحضارة الغربية، وقد حاولوا بهذا إغلاق البحث في الموضوع الحضاري لأنه يستثير بالضرورة طرح الحضارات الأخرى ولا سيما الحضارة الإسلامية، فاستخدام مصطلح الحداثة يسمح بقول إنه لا توجد إلا حداثة واحدة، ويصبح ناقدها قديمًا، غير حديث كما يصبح من الممكن القول بقوة أكبر، بأن تؤخذ الحداثة كلها بلا انتقائية فهي  الجديد والمعاصر والمعيش.

على أن هؤلاء ينسون أن مصطلح الحداثة إذا استخدم بحدوده اللغوية ينطبق على كل الدول والمجتمعات والأفراد فكلهم يعيشون ظروفًا حديثة بالضرورة ويواجهون مشاكل حديثة بالضرورة، وإذا كان هنالك من استمرارية لماض فهي لا تلغي حداثة الراهن، وإنما تتجدد فيها، وهو شأن كل ما هو معاصر ومعيش وجديد، لكن المصطلح المستخدم يريد أن يقصر الحداثة على ما يشهده الغرب من أوروبا وأمريكا وعدد من دول العالم الأخرى من تطورات علمية وتقنية وصناعية وزراعية وأنماط حياة وقيم وأفكار وعادات، أي المقصود بالحداثة ما هو عليه الغرب، خصوصًا أمريكا الآن، الأمر الذي يجعل محاولة إبعاد الإشكال الحضاري وخصوصية الهوية والثقافة عن موضوع الحداثة تمويهًا لفظيًا، لأن الكلام عن حداثة بعينها يدخل كل ذلك فيها بالضرورة، فالحداثة المنشودة عند هؤلاء هي الحضارة الغربية في طبعتها الراهنة. أو قل طبعتها الأمريكية والتي للصهيونية فيها فعلًا وأيديولوجية، نصيب ملحوظ ما ينبغي لأحد إسقاطه من الحساب.

بكلمة أوضح، مصطلح الحداثة يجب أن يعيد للأذهان فورًا مرادفة الحضارة، ولعل من الأدق لو استخدم مصطلح الحداثة الغربية أو الحداثة الأمريكية.

أما الأخذ بالحداثة كلها، بعجرها وبجرها وحلوها ومرها، فهي فرضية متهافتة إلى أقصى حدود التهافت، ذلك باعتبارها فرضية وهمية غير واقعية وغير ممكنة، وغير مطروحة من قبل أهل الحداثة هذا دون الإشارة إلى أن استخدام عجرها وبجرها أو حلوها ومرها يقصد منه أن يؤخذ ما يسمى بمصطلح ديننا «بالفواحش والمنكر»، ولم يعد كثير منها عندهم بفاحشة أو منكر.

أما كونها فرضية وهمية غير واقعية وغير ممكنة، وغير مطروحة فبرهان ذلك أن الحداثة المذكورة ليست عبارة عن طبق فيه بضاعة ويمكن حمله أو أخذ كل ما فيه لأنها تعني عالمًا بأسره تكون تاريخيًا وعبر قرون من نهب الفائض العالمي من شعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وعبر عملية معقدة من الاستغلال الداخلي والتراكم العلمي والتطوير التقني والصناعي، وتجميع الخبرات والحداثة المعنية قامت وتقوم على سيطرة عالمية عسكرية ومالية وإعلامية، ومن ثم فهذه كلها ليست معروضة للأخذ منها كما تشاء، بل أغلبها احتكار دون الوصول إليه خرط القتاد وما أدراك ما هذا القتاد.

إن ما تعرضه تلك الحداثة المركزية المهيمنة الاحتكارية بطبيعتها إنما هو التبعية لها والالتحاق بها وفقًا لانتقائية تحددها هي لك ولا تحددها أنت لنفسك.

وبهذا لا تكمن المشكلة في أن تؤخذ الحداثة الغربية كلها أو ينبغي الانتقاء منها لأن المشكلة في الحداثة الغربية أنها لا تقدم لك نفسها لتأخذها كلها أو تنتقي منها بل هي التي تحدد لك ما يمكن أن تأخذه أو تكون عليه، ولا تسمح لك أن تكون مثلها وتأخذها كلها، فالعالم لا يستطيع أن يتحول كله إلى مراكز صناعية وتقنية وتجارية كبرى كما هو الحال بالنسبة إلى مراكز الحداثة الغربية لأن ذلك يعني دمارها فشرط وجود عالم الحداثة الراهن هو انقسام العالم إلى مراكز وأطراف ويستتبع ذلك انقسامه إلى حداثة المركز وحداثة أخرى للأطراف وهذه تختلف عن الأولى اختلافًا نوعيًا بمستوى اختلاف السيد والعبد حتى لو اشتركنا من حيث الظاهر ببعض الأخلاق والقيم والملابس وأسواق الاستهلاك المضاءة بالنيون أو الطرقات الممتلئة بالسيارات إياها، وهذا بعض ما هو مطروح للانتقاء.

 أما انتقاء العلوم والتقنيات والنهوض الصناعي والزراعي الحقيقي فغير مسموح به إلا انتزاعًا، وبشق الأنفس، وقد يتعرض من يتجرأ عليه، ويواظب ويتقدم إلى دخول مواجهة لا مفر منها حتى لو تأجلت لبعض الوقت.

ولعل الذين يقولون بأخذ الحداثة كلها لا يجهلون أن الحداثة كلها غير معروضة عليهم، وغير مسموح لهم بأخذها وأنها محصلة تاريخ طويل لا يمكن تعليبها وتصديرها، لكنهم يريدون من وراء هذا الشعار التخلي عن كل ما عندهم بالضرورة، وهو المقصود أصلًا لأنهم يعلمون أن الأخذ بآخر ما وصلته العلوم والتقنيات وثورة المعلوماتية والاتصالات أو السير بقوة على طريق التطور الصناعي والزراعي والصحي والتعليمي والعمراني ليس مرفوضًا من الذين يهتمون بشؤون نهضة الأمة، بل مرغوب فيه، أما الذي يدور حوله جزء من الصراع فهو الأخذ بالقيم والأخلاق الهابطة التي يروج لها باعتبارها مظهرًا من مظاهر الحداثة، أو الأخذ بالمفاهيم والأفكار الإلحادية، وهذا لا يتحقق إلا إذا تخليت عن كل ما عندك من دين وتراث وأصالة وهوية واستقلالية ومصالح عليا وأهداف كبرى.

 ومن هنا يمكن القول إن شعار الأخذ بالحداثة كلها دون انتقائية هو القول ذاته بالتخلي عن كل ما عندك دون انتقائية.

 تبقى نقطة أخيرة تتعلق بمخالفة هذا الشعار لسنن التغيير في الأمم مخالفة صريحة، ويكفي أن نلحظ أن التغيير بمعناه الإيجابي والنهضوي لا يتم بالتبعية ولاسيما إذا كان السيد يريد منك أن تبقى متخلفًا وضعيفًا حتى لا تشكل منافسًا، أو خطرًا، على الدولة العبرية التي جاء بها لتكون فوق الجميع في منطقتنا ثم يجب أن يلحظ أن أمة كأمتنا المسلمة لا يمكن أن تنهض بهجر إسلامها، فالإسلام هو الذي يرشد مسيرتها وهو الذي يحفزها على الاتحاد والصبر والعمل المتقن الدؤوب وهو الأقدر على تخليصها مما علق بها من تقاليد بالية وأفكار خاطئة وعلاقات فردية علاها الصدأ، فالتخلي عن الدين والتراث والأصالة والاستقلالية كلها من مناقضات سنن التغيير مثلها مثل الدعوة الوهمية التي تدعو بأخذ الحداثة كلها! 

الرابط المختصر :