; الحديث عن الإمام البنا ذو شجون | مجلة المجتمع

العنوان الحديث عن الإمام البنا ذو شجون

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 10-أغسطس-2002

مشاهدات 68

نشر في العدد 1513

نشر في الصفحة 47

السبت 10-أغسطس-2002

الهمم العظام لها أساليب في الوصول إلى أهدافها ومراميها أساليب ترضي ربها، وتناسب مكانتها، وتكون مثلًا حيًا لأجيالها. والقلوب الكبيرة تأبى الخيانة، والغدر والوضاعة، والعزائم القادرة، والبصائر المنيرة، لا تخاف المحن بقدر ما تخاف الطيش والنزق والفساد في الأرض، وزرع الفتن في الأوطان.

وهذا هو الإمام البنا - رحمه الله - في موقف من هذه المواقف حين صدر قرار بحل جماعة الإخوان المسلمين في الثامن من ديسمبر عام ١٩٤٨م في عهد النقراشي، وكان ما كان من محنة وبلاء وإيذاء.

ذهب إليه بعض الشبان ليستأذنوه في المقاومة حسب الطاقة، فنهاهم بشدة عن هذا الأمر، وأوضح لهم عاقبته الوخيمة، وذكرهم بالقصة المشهورة عن نبي الله سليمان؟ حين اختصمت امرأتان على طفل وليد، وادعت كلتاهما بنوته، فحكم بشطره نصفين بينهما فوافقت المرأة التي لم تلده على قسمته وعز ذلك على الأم الحقيقية، والمها قتل فلذة كبدها، فتنازلت عن نصيبها فيه لقاء أن يظل الطفل على قيد الحياة، ثم قال لهم الإمام الشهيد: إننا نمثل الدور نفسه مع هؤلاء الحكام، ونحن أحرص منهم على مستقبل هذا الوطن وحرمته فتحملوا المحنة ومصائبها، وأسلموا أكتافكم للسعديين ليقتلوا ويشردوا كيف شاءوا، حرصًا على مستقبل وطنكم، وإبقاء على وحدته واستقلاله!

 ينظر الإنسان إلى هذه العظمة، وهذا النظر الثاقب، وهذا الحدب على الأمة ووحدتها ومصالحها، رغم المحنة التي تنزل بالأبرياء والعذاب الذي يتعرضون له، وينظر إلى السلطات التي تبعثر مقدرات الشعوب وتمتهنها وتفرق بين الأخ وأخيه، والمرء وزوجه، وتبذر الخلاف والشقاق وتضرب الأمة بعضها ببعض، وتكرس الأحقاد والأضغان، وتلهيهم عن التقدم والبناء وتجعلهم لقمة سائغة للأعداء والمتربصين، فيرى الفرق الشاسع بين المحب لوطنه وهؤلاء، وهذا للأسف مستمر إلى اليوم في الأمة، إلا من رحم ربك.

 لقد كان الإمام الشهيد رضي الله عنه يعرف كيف يخاطب القلوب ويجمع الأفئدة بالكلم الطيب، والمواقف العظيمة، دُعِي مرة إلى حفل في حي بولاق بالقاهرة، وكان هذا الحي يشتهر في ذلك الوقت بالفتوات الأقوياء، فكان حديثه يدور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوته وشجاعته وقص على الحاضرين كيف صرع صلى الله عليه وسلم أبا جهل، وركانة أقوى أقوياء الجزيرة العربية، وسبقه لأبي بكر وعمر، وظل يذكر عن الرسول صلى الله عليه وسلم الشيء المحبب لأولئك الفتوات، ثم انتقل بهم إلى القوة الروحية التي مصدرها طاعة الله والتزام أمره، واجتناب نواهيه، ثم ذكر نصرة النبي  للمظلوم ومجاهدته الأعداء، فما كان من أحد الفتوات وزعيمهم إلا أن صاح معجبًا «اللهم صل على أجدع نبي »! وانتهى الحفل، وبايع الكثيرون من الفتوات وعلى رأسهم قائدهم المرحوم إبراهيم كروم أشهر فتوات بولاق والسبتية.

لقد كان رضي الله عنه - بارعًا في صناعة الرجال، وتربية الشباب، ولقد طلب كثير من الغيورين من الإمام الشهيد رضي الله عنه أن يؤلف كتبًا يودعها ما عنده من معارف بهرت عقول كبار العلماء، فكان رده: أنا لا أؤلف كتبًا، وإنما مهمتي أن أؤلف رجالًا، أقذف بالرجل منهم في بلد فيحييه، فالرجل منهم كتابٌ حي ينتقل إلى الناس ويقتحم عليهم عقولهم وقلوبهم، ويبثهم كل ما في قلبه ونفسه وعقله، ويؤلف منهم رجالًا يكونون رمزًا للإسلام والمسلمين، وصدق الله: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب:٢٣)

ولقد كان الأستاذ البنا عالمًا قديرًا مثقفًا لا يشق له غبار، كان له موقف معروف مع طه حسين، إذ ألف الدكتور طه حسين كتاب «مستقبل الثقافة في مصر»، وقد أحدث الكتاب دويًا، واختلفت الآراء فيه، بين مادح وقادح، وقد دعي الأستاذ البنا ليدلي بدلوه حول الكتاب وحدد الموعد، ووزعت الدعوات، وقبل الموعد بخمسة أيام. قرأ الأستاذ الكتاب في الترام أثناء ذهابه إلى المدرسة وإيابه منها، وذهب إلى دار الشبان المسلمين في الموعد المحدد، فإذا بها ممتلئة برجال العلم والأدب والتربية، ووقف الإمام على المنصة واستفتح بحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله ، ثم بدأ ينتقد الكتاب بكلام من داخل الكتاب فأخذ يأتي بفقرات ويشير إلى أرقام الصفحات والحاضرون يتعجبون من هذه الذاكرة، وتلك العبقرية، وفي الختام أبلغ السكرتير العام للشبان المسلمين الأستاذ البنا بوجود طه حسين في مكان خفي، وفي اليوم التالي طلب الدكتور طه مقابلة الأستاذ البنا فقابله، ودار بينهما حديث أكبر فيه الدكتور طه حسين الأستاذ البنا، ثم قال: ليت أعدائي مثل حسن البنا، إذا لمددت لهم يدي من أول يوم يا أستاذ حسن لقد كنت أستمع إلى نقدك لي وأطرب، وهذا النوع من النقد لا يستطيعه غيرك، نعم.. نقد العلماء يفرح، ويذهب الجدل، ويفيد الباحث والثقافة، ويظهر الحق، أما نقد الجهال فمصيبة على مصيبة، وجهل يضيع الحقيقة، ويكرس العداوات.

ولقد كان الإمام رغم علمه وفضله ومكانته، صاحب حس مرهف، وذوق رفيع، وتقدير المشاعر الناس. حضر حفلًا في الصعيد، وكان عنده كثير من اللقاءات، فجاء رجل وأصر على أن يزوره الأستاذ في بيته، ولم يستطع أحد أن يثنيه عن ذلك، فذهب الإمام إلى منزل الرجل وحده، واشترط ألا تتجاوز الزيارة فنجان شاي وبسرعة، وطار الرجل فرحًا، ثم أمر زوجته أن تعد كوبًا من الشاي على عجل، وجاء الكوب وجعل الإمام يشرب الشاي وكلما أخذ رشفة تبسم في وجه الرجل وأنسه، ثم خرج الأستاذ البنا، وخرج الرجل معه مودعًا، ثم رجع الرجل إلى البيت، وأراد أن يتبرك بسؤر الإمام، ولكنه وجد عجبًا، وجد أن الشاي قد أضيف إليه الملح بدلًا من السكر!! ولم يرد الإمام أن ينغص على الرجل سعادته!

 هذه بعض حقائق عن الكبار الذين أسعدوا الناس، وأناروا لهم الطريق، نسأل الله أن يجزيهم عن الإسلام والمسلمين خيرًا. آمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 128

90

الثلاثاء 05-ديسمبر-1972

تركيز.. لا تكاثر!!

نشر في العدد 409

87

الثلاثاء 22-أغسطس-1978

لقاء مع سيد قطب داخل السجن!!