العنوان الحذر والانضباط في الإسلام «أخيرة»: التورية عند الضرورة
الكاتب أ.د. السيد محمد نوح
تاريخ النشر السبت 08-يناير-2011
مشاهدات 62
نشر في العدد 1934
نشر في الصفحة 50
السبت 08-يناير-2011
دراسات لم تنشر لفضيلة الدكتور السيد نوح يرحمه الله
دقة الحركة في الدخول والخروج والمشي والقيام والقعود.. من أهم عوامل الوعي الانضباطي
كان ابن سيرين إذا اقتضاه غريم ولا شيء معه يقول: «أعطيك في أحد اليومين إن شاء الله تعالى» فيظن أنه أراد يومه والذي يليه ولكنه أراد: «يومي الدنيا والآخرة»
لا يضطر إلى الكذب الصريح إلا في الصلح بين الناس ومجاملة الزوجة وفي الحرب.. وعند الضرورة القصوى التي تساوي الموت وعندما ينعقد لسان المؤمن فلا يستطيع أن يعرض أو يورى بما يخرجه من الإثم
ذكرنا في العدد الماضي بعض القواعد على طريق الحذر والانضباط التنظيمي في الحركة الإسلامية، ونستكمل في هذه الحلقة الأخيرة باقي هذه القواعد مع عرض لنماذج وأمثلة قديمة وحديثة.
القاعدة الثالثة التورية أو التعريض عند الضرورة :عند الكلام التنظيمي مع أو أمام الأصناف المذكورة آنفًا: جاء عن عمر بن الخطاب أنه قال: « إن في معاريض الكلام ما يغني الرجل عن الكذب»، وفي رواية: «أما في المعاريض ما يكفي المسلم من الكذب».
وجاء عن مطرف بن عبدالله قال: صبحت عمران بن حصين من الكوفة إلى البصرة، فما أتى عليه يوم إلا أنشدنا فيه شعرًا، وقال: «إن في معاريض الكلام مندوحة عن الكذب»، وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «ما يسرني معاريض الكلام حمر النعم».
وقد استعمل النبي ﷺ مثل هذه التورية أو هذا التعريض: إذ لما نزل قريبا من بدر، ركب هو ورجل من أصحابه، قيل: أبو بكر حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش، وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني من أنتما؟
فقال له رسول الله ﷺ: «إذا أخبرتنا أخبرناك».
فقال: أوذاك بذاك؟
قال: «نعم».
قال الشيخ: فإنه بلغني أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به رسول الله ﷺ وبلغني أن قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدق، فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به قريش فلما فرغ من خبره قال: من أنتما؟
فقال له رسول الله ﷺ: «نحن من ماء»، ثم انصرف عنه.
قال: يقول الشيخ: ما من ماء!! أمن ماء العراق؟
تورية مطلوبة
ولقي طليعة للمشركين، وهو من نفر من أصحابه فقال المشركون ممن أنتم؟ فقال النبي ﷺ: «نحن من ماء»، فنظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: أحياء اليمن كثير لعلهم منهم وانصرفوا.
وأراد النبي ﷺ بقوله: «نحن من ماء»، قوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ﴾ (الطارق:6)، وتقدم قوله لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة، وعبد الله بن رواحة لما أرسلهم المعرفة حقيقة موقف بني قريظة: «... فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد المسلمين».
ونحا الصحابة هذا المنحنى في المواقف الحرجة وطئ عبد الله بن رواحة جاريته، وأبصرته امرأته، فأخذت السكين وجاءته، فوجدته قد قضى حاجته.
فقالت: «لو رأيتك حيث كنت لوجات بها في عنقك»..
فقال: ما فعلت؟
فقالت: إن كنت صادقًا فاقرأ القرآن.
فقال:
شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرين
وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمين
وتحمله ملائكة شداد ملائكة الإله مسومينا
فقالت: «آمنت بكتاب الله وكذبت بصري، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فضحك حتى بدت نواجذه».
ودعي أبو هريرة إلى طعام فقال: إني صائم، ثم رأوه يأكل، فقالوا: ألم تقل: إني صائم؟ فقال: ألم يقل رسول الله ﷺ: «صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر»؟!
مواقف التابعين
وفعل كذلك التابعون ومن بعدهم من السلف والخلف هذا ابن سيرين كان إذا اقتضاه غريم، ولا شيء معه يقول: «أعطيك في أحد اليومين إن شاء الله تعالى»، فيظن أنه أراد يومه، والذي يليه، وإنما أراد «يومي الدنيا والآخرة».
وذكر هشام بن حسان عن ابن سيرين أن رجلًا كان يصيب بالعين فرأى بغلة شريح القاضي، فأراد أن يعينها، ففطن له شريح، فقال: إنها إذا ربضت لم تقم حتى تقام، فقال الرجل، أف أف، وسلمت بغلته وإنما أراد أن الله - سبحانه وتعالى – هو الذي يقيمها.
وذكر الأعمش عن إبراهيم: أنه قال له رجل: إن فلانا أمرني أن أتي مكان كذا وكذا وأنا لا أقدر على ذلك المكان، فكيف الحيلة؟
فقال له: قل: والله ما أبصر إلا ما سدد في غيري، يعني إلا ما بصرك ربك.
وقال حماد، عن إبراهيم، في رجل أخذه رجل، فقال: إن لي معك حقا فقال: لا، فقال: احلف بالمشي إلى بيت الله الحرام فقال له إبراهيم أحلف بالمشي إلى بيت الله، يقصد عن مسجد الحي.
وقال عقبة بن المغيرة كنا نأتي إبراهيم، وهو خائف من الحجاج، فكنا إذا خرجنا من عنده يقول: إن سئلتم عني وحلفتم فاحلفوا بالله ما تدرون أين أنا ولا لنا به علم، ولا في أي موضع هو، واعنوا أنكم لا تدرون أي موضع أنا فيه قائم أو قاعد وقد صدقتم.
وقال أبو عوانة عن أبي مسكن كنت عند إبراهيم، وامرأته تعاتبه في جارية له. وبيده مروحة.
فقال: أشهدكم أنها لها، فلما خرجنا.
قال: علام شهدتم؟
قالوا: شهدنا أنك جعلت الجارية لها.
قال: أما رأيتموني أشير إلى المروحة؟ إنما قلت لكم اشهدوا أنها لها، وأعني المروحة.
وكان حماد - رحمه الله - إذا جاءه من لا يريد الاجتماع به وضع يده على ضرسه، ثم قال: ضرسي ضرسي.
وأثر عن الحافظ أبي الفرج المعروف بابن الجوزي ت ٥٩٧هـ أنه سأل رافضيا في مجلس وعظ عام قائلًا له: «يا سيدي نريد كلمة ننقلها عنك أيهما أفضل أبو بكر أو علي؟ وأدرك أبو الفرج خبث السؤال وخطورته، فرد على الفور «أفضلهما من كانت نبته تحته، وقطع الحديث حتى لا يراجع». وهذه عبارة محتملة للوجهين لذا فهي ترضي الفريقين الرافضة وأهل السنة.
وقد استحسن العلماء هذا من ابن الجوزي حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية ت ۷۲۸هـ: «لو أن ابن الجوزي طلب إمهاله أيامًا، ثم أجاب بمثل هذا الجواب لكان منه حسنا فكيف وقد أجاب بذلك على الفور».
ولعلنا في ضوء هذه المعاريض، وهذه التورية نفهم المراد بالكذب الوارد في حديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وكانت من المهاجرات الأول، إذ تقول: «لم أسمع رسول الله ﷺ يرخص في شيء مما يقول الناس أنه كذب إلا في ثلاث: الرجل يصلح بين الناس، والرجل يكذب لامرأته، والكذب في الحرب».
وأنه لا يضطر إلى الكذب الصريح في هذه المسائل الثلاث، وفيما كان على شاكلتها إلا عند الضرورة القصوى التي تساوي الموت، وعندما يربح على المسلم وينعقد لسانه، فلا يستطيع أن يعرض أو يورى بما يخرجه من الإثم، ويدفع عنه الجر.
القاعدة الرابعة دقة الحركة في: الدخول والخروج، والمشي، والقيام والقعود ونحو ذلك، إذ الدخول فرادى، والدخول من أبواب متفرقة والدخول وسط التجمعات والمشي بثبات وسكينة والمشي في لباس يتفق مع لباس الناس، وتبريد التجمع كل هذا وغيره يعد من مظاهر دقة الحركة.
قال تعالى عن يعقوب - عليه السلام - في وصيته لأولاده: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۖ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (يوسف: ٦٧)، وفي ليلة العقبة يقول كعب بن مالك وكان شاهدا ومبايعا في هذه الليلة: «فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رجالنا الميعاد رسول الله ﷺ نتسلل تسلل القطاء مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بني مازن ابن النجار وأسماء ابنة عمرو بن عدي بن نابي إحدى نساء بني سليم وهي أم منيع، ولما جاء وقت الحديث، قال لهم النبي ﷺ ليتكلم متكلمكم ولا يطل الخطبة، فإن عليكم من المشركين عينًا، وإن يعلموا بكم يفضحوكم».
ولما أبرمت البيعة، قال لهم النبي ﷺ: «ارفضوا إلى رحالكم»، فقال العباس بن عبادة بن نضلة: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا، فقال رسول الله ﷺ: «لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم».
ولما كان يوم بدر أمر رسول الله ﷺ بالأجراس أن تقطع من أعناق الإبل على النحو الذي قدمنا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل