العنوان الحرب الأمريكية على العراق.. أسبابها والموقف منها
الكاتب د. عوض بن محمد القرني
تاريخ النشر السبت 29-مارس-2003
مشاهدات 58
نشر في العدد 1544
نشر في الصفحة 34
السبت 29-مارس-2003
من أهداف الحرب
ضرب البنية التحتية للصحوة الإسلامية
فرض الصلح مع الكيان الصهيوني
السيطرة على إمدادات الطاقة لقرن مقبل
الحرب الحالية استمرار لسابقتها ومحاولة لاستدراك ما لم يتم تحقيقه من أهداف سابقة
تحقق برنامج اليمين المتطرف الذي يحكم أمريكا ويرى أنها يجب أن تحكم العالم وتفرض عليه قيمها
يجب عدم ترك الفرصة للعلمانيين للتحدث باسم الأمة والنيل من دينها وتاريخها وثوابتها
يتعرض ما يسمى بمنطقة الشرق الأوسط لأخطار جسيمة وتحديات مصيرية قد تكون أشد خطورة وأبلغ أثرًا مما تعرضت له في نهاية الحرب العالمية الأولى.
وقد تكون هذه الأحداث هي حجر الزاوية في إعادة رسم وتشكيل خريطة القوى العالمية ومناطق النفوذ لهذه القوى في العالم خلال القرن القادم.
رسمت أمريكا في حرب الخليج الثانية ملامح المستقبل لصالحها، ودشنت نفسها زعيمة للعالم بتلك الحرب.
لقد قلت في سنة ١٤١١هـ إن تلك الحرب «المحتملة» ليست مفاجئة ولا على غير المتوقع، بل يعد لها منذ سنوات بعيدة من خلال العديد من الاحتمالات المتوقعة في نظر مخططي تلك الحرب وقلت في حينها:
إن لهذه الحرب دوافع وأهدافًا للاعب الرئيس فيها «أمريكا»، أما اللاعبون الصغار فإنما هم أدوات يضرب بعضها ببعض ويجعل بعضهم طعمًا للبعض الآخر.
وأستميح القارئ عذرًا لأذكر باختصار بما قلت في حينها، وليقارن ذلك بما وقع في النهاية، لقد قلت: إن لأمريكا من هذه الحرب أهدافًا منها:
1-ضرب القوة العسكرية العراقية الناشئة التي بنيت بأموال الخليجيين وإشراف أمريكا، لئلا تشكل هذه القوة تهديدًا مستقبليًا لإسرائيل بعد أن استنفدت دورها في ضرب إيران وتشغيل مصانع السلاح الغربي.
2- ضرب القوة الاقتصادية الخليجية التي كان لها أبلغ الأثر في دعم البنية التحتية للصحوة الإسلامية على مستوى العالم من مساجد ومراكز ومدارس وجامعات ومجلات وكتب وشرائط وغير ذلك بالإضافة لما تمثله من دعم لدول المواجهة مع إسرائيل وللشعب الفلسطيني ومن تنمية واعدة لشعوب المنطقة.
3- وضع بترول المنطقة تحت السيطرة شبة المباشرة للقوات الأمريكية، وهو ما ظلت أمريكا تعمل له منذ عام ۱۹۷۳م، ولم تعد تثق في التفاهمات السياسية أو تعتمد عليها لتأمين إمدادات الطاقة.
٤- فرض الصلح بين العرب والكيان الصهيوني بما يحقق الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة، ويضمن لها الاستقرار المستقبلي وتدشين ما سمي بالشرق الأوسط الجديد بديلًا للروابط الدينية والقومية.
5- إثارة القلاقل في دول المنطقة بين الأنظمة بإثارة بعضها ضد البعض الآخر وتخويف بعضها من بعض، وبين الأنظمة والشعوب من خلال استفزاز الشعوب بالوجود الأمريكي في المنطقة، ومن خلال الأعباء الاقتصادية المترتبة على الحرب وعلى الوجود العسكري الأمريكي بعد الحرب، مما يؤثر على معيشة الناس وحياتهم.
6- ضرب الصحوة الإسلامية على امتداد الساحة العالمية والتي كان لمنطقة الخليج الدور الأكبر في دعمها ونشرها، مما سيؤدي إلى ردود فعل عنيفة واستهلاك للجهود في الصراع الداخلي. وإنني أتساءل بعد هذه السنين: هل صدقت هذه التوقعات التي كانت في حينها مدعومة بالوثائق والأدلة والبراهين والتي استفز القول بها بعض المسبحين بحمد أمريكا الذين قد تكشف الأيام ضلوعهم الكبير في تنفيذ مخططها؟.
ما أشبه اليوم بالبارحة...
لقد ترددت كثيرًا قبل الكتابة في هذا الموضوع لا يأسًا ولا إحباطًا -عياذًا بالله- ولكن لظني أن الأحداث قد أصبحت أكثر من أن تخفى على أحد حتى فوجئت ببعض طلبة العلم وبعض المثقفين يخوضون فيها خوضًا عجيبًا، فرأيت لزامًا أن أدلي بدلوي في الموضوع، وسيكون الحديث من خلال المحاور الآتية:
1- دوافع أمريكا في الحرب
ما فتئت أمريكا تعلن أن هدفها من الحرب هو نزع أسلحة الدمار الشامل في العراق حتى لا يشكل خطرًا على جيرانه، لكن كل عاقل في العالم يعلم أن هذه مجرد شماعة تعلق عليها المقاصد الأمريكية الحقيقية، فالعراق دمر قوته العسكرية في حرب الخليج، ثم استباحت فرق التفتيش والتجسس الدولية كل شبر فيه طوال عشر سنوات، بالإضافة للقصف شبه اليومي الأمريكي والبريطاني لشماله وجنوبه والحصار المفروض عليه، والتصوير بالأقمار الصناعية وطائرات التجسس، وقد اعترف بذلك مسؤولو فرق التفتيش السابقون، ولقد رأينا عجبًا في بحث فرق التفتيش عن الأسلحة في المساجد ومصانع حليب الأطفال، والكليات التي يدرس فيها آلاف الطلاب، وكأنه لم يكف العراق أنه ابتلي بحاكم علماني مجرم فعل فيه الأفاعيل حتى ابتلي بهذه الحرب الصليبية الحاقدة الظالمة التي مات بسببها ملايين الأطفال والنساء والشيوخ، وأذل بها شعبًا كاملًا كان لزمن طويل غرة في جبين الحضارة وحاملًا مشعل التقدم والمدنية.
وإذا لم تكن هذه الدعوى الكاذبة المرفوعة هي السبب الحقيقي، فما الأسباب يا ترى؟
إن هذه الحرب هي استمرار لسابقتها وتطوير لأهدافها، ومحاولة لاستدراك ما لم يتم تحقيقه من الأهداف السابقة، فهي حلقة من مشروع استعماري صهيوني صليبي جعل وجهته، وميدان معركته الساحة الإسلامية العربية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وجعل عدوه البديل الصحوة الإسلامية وما تمثله من آمال مستقبلية لشعوب المنطقة في الوحدة والحرية والأصالة ودفع الهيمنة الاستعمارية الغربية، وما تمثله من نقيض للأمة الإسلامية عقديًا وقيميًا وتاريخيًا ومصلحيًا.
وقبل الحديث عن دوافع أمريكا من الحرب أحب أن أذكر ببعض الحقائق الكبرى حتى لا تنسى في صخب الأحداث وتفاصيلها اليومية وهي:
1 - أن عداوة اليهود والنصاري للمسلمين من الحقائق الثابتة واللازمة لهم، نطق بها الكتاب المستبين، وأثبتها الواقع التاريخي عبر أكثر من ألف وأربعمائة سنة، وهذا الحكم هو الغالب والأعم وتبقى الاستثناءات منه التي تأتي لإثباته لا لنفيه ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ ﴾ (البقرة:120).
2- هذه العداوة لا تبيح لنا أن نظلمهم أو نغمطهم حقهم ولا تمنعنا من الحوار معهم إما لدعوتهم أو لحل المشكلات الناشئة بيننا وبينهم أو الاستفادة مما لديهم من صناعة وتقنية ومدنية، لكن أيضًا يجب ألا يغيب عن بالنا أن الجهاد هو درع الأمة وعدتها التي واجهت بها عدوها في جميع مراحل تاريخها.
3- أن الأمة ابتليت نتيجة لهيمنة النموذج الغربي عالميًا بفئة من أبنائها يتكلمون بلسانها ويعيشون في داخلها، لكن وجهتهم غير وجهتها وعقائدهم غير عقائدها وقيمهم غير قيمها، وهم شتی طوائف العلمانية من يسار ويمين وقوميين وأمميين وحداثيين وليبراليين وغيرهم من الأصناف والفرق.
وهم ما بين طابور خامس يخدم الآخر عن قناعة واختيار، أو تائه ممزق بين فكره التغريبي وعواطفه الوطنية القومية، ونحن في أشد الحاجة للحوار مع هؤلاء ومعالجة مشكلتهم والتعامل مع كل فئة منهم بما يصلح لها.
4- أن الهجمة من الخطورة والشراسة والضخامة بحيث لا تستثني أحدًا، حكومات وحركات وشعوبًا، إنما هناك أولويات، ولذلك يجب أن نتعامل معها على هذا الأساس، وأن نرجئ الثانويات في سبيل مواجهة المشكلات الكبرى.
أما أسباب الهجمة الأمريكية على العراق من وجهة نظري فهي:
1-لا شك أن القرن الحادي والعشرين هو قرن الصراع على الطاقة البترولية، إذ إن الغرب منذ عام ١٩٧٣م، يسعى سعيًا حثيثًا لإيجاد بديل البترول، لكن هذه المساعي لم تحقق نجاحًا يذكر والقرن الحادي والعشرون -حسب الإحصاءات القائمة الآن- هو القرن الأخير للبترول تقريبًا، فمن سيتحكم في هذه الطاقة سيتحكم في العالم، وهيمنة أمريكا على العالم الآن في أوج عظمتها فهي تتعامل مع جميع دول العالم بمنطق: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾ (القصص: 38). ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ﴾ (غافر:29).
فهي إذًا فرصتها للسيطرة المباشرة على مصادر الطاقة قبل أن تنشأ قوى أخرى تنافسها على ذلك أو لا تسمح لها بالتفرد بالسيطرة مثل أوروبا الموحدة تقودها فرنسا وألمانيا، أو الصين في المستقبل، وبالذات لو تم شيء من التفاهم أو التحالف بينها وبين ورسيا أو اليابان.
وقد ثبت أن خزان الوقود البترولي الأكبر في العالم يمتد من بحر قزوين عبر أذربيجان وإيران والعراق إلى الخليج، وها هي أمريكا من حرب الخليج الثانية قد سيطرت أو كادت على بترول الخليج، وبعد احتلال أفغانستان وصلت شواطئ بحر قزوين، ولم يبق إلا الاستيلاء على العراق وإيران.
ولأن العراق الحلقة الأضعف والعرب الجدار الواطئ والمبررات جاهزة «أسلحة الدمار الشامل» فلتكن البداية بالعراق ولن تكون إيران بعد ذلك بعيدة عن متناول اليد الأمريكية بعد أن تكون قد طوقت من جميع الجهات.
ومن هنا ندرك لماذا هذه المعارضة الشديدة للحرب من ألمانيا وفرنسا اللتين تسعيان جاهدتين لإقامة أوروبا الموحدة بعيدًا عن أمريكا، بل ربما يومًا ما في مواجهتها، وهما تدركان ماذا تعني سيطرة أمريكا على احتياطي النفط العالمي لقرن قادم خاصة أن الفريق الحاكم في أمريكا يسيطر عليه رجالات النفط ومديرو شركاته الكبرى.
٢ - من خلال النفوذ الصهيوني في الإدارة الأمريكية ينظر للحرب على العراق على أنها إنقاذ لـ«إسرائيل» من مأزق تعيشه في مواجهة الشعب الفلسطيني المجاهد، فبعد أن أصبحت إسرائيل في مأزق حقيقي في الانتفاضة الأولى أنقذت باتفاقية أوسلو وأتي بالسلطة الفلسطينية لتكون شريكًا في الولوغ في دم القضية الفلسطينية بعد ذبحها والقضاء عليها وقمع الشعب الفلسطيني مقابل ثمن زائف ومتاع قليل، وإذا بالمشروع يفشل في يومه الأول وإذا بالشعب المجاهد الأعزل تتحطم على صخرة إيمانه وصموده كل المؤامرات، وإذا بالنائحة المستأجرة تغادر المأتم غير مأسوف عليها، ويهب الشعب عن بكرة أبيه للدفاع عن الأقصى في مواجهة عنجهية المجرم شارون وتصبح دماء الشهداء السقيا لغراس العزة والحرية، وتصبح منارات المساجد هي الرايات لجحافل النصر والاستقلال بإذن الله ويصم الشعب أذنيه عن تخذيل المخذلين واحتجاج الخائفين ونعيق العملاء الضالعين في المؤامرة.
وتصبح النبتة الخبيثة إسرائيل، في مأزق لم تمر به في تاريخها، فبعد أن استنفدت أكثر إمكاناتها العسكرية والأمنية المتوحشة تحت غطاء من العهر السياسي يمارسه فرعون العصر لإذلال شعب الإباء والعزة والجهاد في فلسطين، أقول بعد ذلك ها هي إسرائيل تعيش أزمة اقتصادية لم تعرف لها سابقة في تاريخها، ورعبًا وخوفًا في المجال الأمني، وصراعًا واستقطابًا في الميدان السياسي، وانهيارًا معنويًا في الجيش، وتفككًا واضطرابًا اجتماعيًا، والأخطر من ذلك كله هجرة معاكسة وتوقف شبه يومي لكثير من مظاهر الحياة وهروب لنسبة كبيرة من سكان المستوطنات إلى داخل فلسطين ١٩٤٨م بحثًا عن الأمن الذي لم يجدوه بل لاحقهم حتى هناك الخوف والموت.
نعم.. لقد أعطت معظم الأنظمة العربية مع الأسف الفرصة لـ«إسرائيل» لتعيد تركيع الشعب الثائر لكنها والحمد لله عجزت عن ذلك، وحينئذ فلا بد من عملية جراحية كبرى لإعادة ترتيب المنطقة كلها لإبقاء الأمل في المستقبل اليهودي، ولإشغال شعوب المنطقة بما فيها الشعب الفلسطيني بقضية أخرى ردحًا من الزمن تستعيد فيه إسرائيل. أنفاسها وتعيد ترتيب أوراقها، وتطبق أمريكا على دول المنطقة سايكس بيكو جديدة، وليس هناك من نقطة أنسب للبداية من العراق، فالنظام الحاكم فيه مكروه شعبيًا، منبوذ إقليميًا، محاصر ومتهم عالميًا، ولأكثر من جهة، مصلحة في إسقاطه، فليكن هو نقطة البداية لإنقاذ شعب الله «المختار» مهما كلف ذلك أمريكا أو المنطقة أو العالم، وربما توالت الأحداث لترحيل الفلسطينيين وتقسيم العراق وضرب إيران وسورية وغيرهما.
3- في الحرب تحقيق لبرنامج اليمين المتطرف الذي يحكم أمريكا اليوم والذي يرى أن أمريكا يجب أن تسيطر على العالم وتحكمه وتفرض عليه القيم الأمريكية بدلًا من قيادتها للعالم وسماحها لقدر من التنوع الحضاري والثقافي والحياتي فيه، وليس ما سمي بحرب الإرهاب ولا العولمة ولا حرب العراق وما سيلحق بها إلا تعبير عن هذا التوجه اليميني العنصري المتطرف في السياسة الأمريكية الذي هو أشد عنصرية من النازية والفاشية.
والحرب العراقية تعتبر خطوة في هذا الطريق العنصري الظلامي وفرصة لسدنة هذه الأيديولوجيا في السياسة الأمريكية لتحقيق طموحاتهم.
4- لا شك أن الفئة المتنفذة في الحزب الجمهوري في أمريكا من أيام الرئيس الأسبق ريجان إلى اليوم هي طائفة الإنجيليين، إحدى فرق البروتستانت، وأهم عقائد هذه الطائفة ذات الأثر البالغ في حكم أمريكا هي عودة المسيح بعد قيام دولة إسرائيل، ومعركة هرمجدون، وتدمير أكثر العالم؛ تمهيدًا لتلك العودة المزعومة التي ستحكم العالم ألف عام كما يزعمون، وهم بهذه الرؤى التوراتية الإنجيلية يقودون قوة أمريكا الغاشمة لتدمير العالم، ولتكن البداية من خلال العراق.
5- أعلنت أمريكا حربًا عالمية على ما أسمته بالإرهاب، وقادت العالم وراءها رغبًا ورهبًا على رجل واحد معه بضع مئات من الشباب لم يدخل أحد منهم يومًا كلية عسكرية ولم يقد بارجة حربية، وأعلن رئيس أكبر وأقوى دولة في التاريخ أنه يقود حربًا صليبية عالمية للحصول على أسامة بن لادن حيًا أو ميتًا، وها نحن بعد قرابة عامين نرى أسامة لا يزال ينازل أمريكا ويهددها في عقر دارها ويضرب حلفاءها، وفي كل يوم تعلن أمريكا لشعبها النذير والتحذير من احتمال ضربة جديدة فيعيش الشعب الأمريكي في الرعب والخوف، أين الأقمار الصناعية والطائرات التي تصور كل شبر في أفغانستان أين أجهزة الاستخبارات الرهيبة التي لا تخفى عليها خافية أين مليارات الدولارات والجيوش الجرارة ؟ أليس هذا هو الفشل الذريع بعينه؟
إن الحكومة الأمريكية وآلة الحرب والعنجهية في أشد الحاجة إلى نصر سهل يحفظ ماء الوجه ويعيد لأمريكا هيبتها عالميًا، ولحكومتها مصداقيتها لدى الشعب الأمريكي، وفي تقديرهم أن حربًا خاطفة في العراق -ستة أيام كما قال رامسفيلد- كفيلة بتحقيق ذلك.
٦ -. منذ أن ضرب مركز التجارة العالمي والاقتصاد الأمريكي يتلقى الضربات تلو الضربات فمن خسائر باهظة في سوق الأسهم، إلى إفلاس شركات الطيران والإلكترونيات وتسريح مئات الآلاف من العاملين إلى فضائح شركات المحاسبة وغيرها من الشركات ذات الصلة بالرئيس الأمريكي ونائبه كل هذا أدخل الاقتصاد الأمريكي في تذبذبات سيكون لها أوخم العواقب في المستقبل، والحكومة في حاجة إلى ملهاة للشعب الأمريكي حتى تعيد ترتيب أوراقها في محاولة لسد العجز في الميزانية ومعالجة المشكلات، ولو كانت الأمور طبيعية لكان حساب الشعب لهم عسيرًا.
وفي الحرب العراقية تحقيق لهذا الإلهاء بالإضافة لدغدغة المشاعر الصليبية والعواطف الاستعمارية، فلتكن الحرب هي المخرج إذا، ولتكن دماء الشعوب ومصالحها وضرورات وجودها أوراقًا في طاولة القمار السياسي.
7- عداء أمريكا للتوجه الإسلامي أمر معروف في التاريخ المعاصر، ولا يعني هذا عدم وجود عقلاء أو منصفين فيها لكنهم مع الأسف قلة في العدد، ضعفاء في الأثر.
ومنذ سقط الاتحاد السوفييتي وآلة الدعاية والإعلام الأمريكي ومراكز الدراسات وجماعات الضغط الصهيوني وشركات الاحتكار والاستغلال الكبرى، ينفخون في نار العداوة للصحوة الإسلامية. وما «فوكوياما» في كتابه «نهاية التاريخ» و«هنتنجتون» في نظريته «صراع الحضارات»، إلا أمثلة خجلى أمام رموز الإدارة الأمريكية من تشيني إلى رامسفيلد وكونداليزا رايس وأضرابهم.
ثم جاءت أحداث سبتمبر -سواء كانت مؤامرة أو كان وراءها تنظيم القاعدة- لتصب الزيت على النار، ولتعطي هؤلاء حجة وعذرًا ودليلًا –بزعمهم- على إرهاب الإسلام وخطورة الصحوة الإسلامية.
وبالتالي فأمريكا في أشد الحاجة إلى حضور عسكري استخباراتي في المنطقة لضرب الصحوة الإسلامية بطرق شتى ووسائل مختلفة أولها إشغالها بهذه الحرب وهذه المشكلة عن دورها الحضاري والتنموي، وعن دورها في مواجهة اليهود في فلسطين، والعراق في ظل كثير من الظروف القائمة هو الأنسب لبداية تنفيذ المخطط.
8- كذلك من هذه الأسباب ما تصرح به المعلومات المتسربة في أمريكا من هنا وهناك بعزمها على السعي لتغيير العديد من أنظمة وحكومات المنطقة، أو على الأقل تغيير القائمين على تلك الحكومات من داخل النظام نفسه، وسيكون بالون الاختبار لهذه العملية هو العراق، ليكون مركز العمليات والمنصة التي ستدار منها العملية بعد ذلك في البلدان الأخرى.
هذه هي أهم دوافع الإدارة الأمريكية في إصرارها على غزو العراق وشن حربها الظالمة ضد شعبه المضطهد المحاصر، بالرغم من معارضة العالم كله لهذه الحرب.
ما المطلوب فعله الآن؟
هناك ما يجب فعله مع قيام الحرب، هناك أمور المعني بها الحكومات وأمور مناطة بالشعوب وأمور يجب أن يتصدى لها العلماء والمثقفون، وهناك أمور على مستوى الأمة وهناك أمور على مستوى كل بلد خاصة، بل وأمور على مستوى كل مسلم.
الحكومات: أثبتت الأحداث وبخاصة في السنين الأخيرة انحياز أمريكا الكامل لإسرائيل واحتقارها لأكثر الحكومات العربية ووقوفها ضد البلدان الإسلامية مهما كانت علمانية النظام ومهما بلغت تنازلاته لأمريكا. ولعل في موقف أمريكا من السلطة الفلسطينية دليلًا على ذلك، فعلى الرغم من تخلي منظمة التحرير عن ثوابتها ومبادئها وتحولها إلى سلطة خادمة لأجهزة الأمن الإسرائيلية ومطاردتها وسجنها وقمعها وتجسسها على الشعب الفلسطيني، إلا أن أمريكا نبذت تلك السلطة نبذ الحصاة وتخلت عنها ووصمتها بالإرهاب.
من يستقرئ التاريخ يقف عند ما سمي بدول ملوك الطوائف في الأندلس حين تقسمت دولة المسلمين إلى دويلات يكيد بعضها لبعض ويستعدي بعضها العدو النصراني على البعض الآخر، فما زال ذلك ديدنهم حتى ذهبت ريحهم وقضى عليهم عدوهم، وبعض دول هذا الزمان أشبه بتلك.
العراق اليوم وغيره غدًا، هل من يقول مقولة المعتمد بن عباد حين وقف مع يوسف بن تاشفين ضد ملك الفرنجة، فخوفه أمراء الأندلس طمع بن تاشفين في الأندلس فقال: لأن أرعى جمال بن تاشفين خير لي من أن أرعى خنازير ألفونس.
يا حكام المسلمين ألا عودة صادقة إلى الله تراجعون فيها حساباتكم، وترفعون الظلم عن شعوبكم، وتحكمون شريعة الله، وتوحدون كلمتكم في مواجهة عدوكم؟ ماذا جنينا من البعد عن الله ومحاربة الإسلام ودعاته إلا الذل والشقاء والهوان إن هواننا على الله هو السبب في نزع مهابتنا من صدور عدونا وتحولنا إلى غثاء كغثاء السيل.
تحديات تواجه المجتمع الإسلامي
وإنني أرى أن الأمة المسلمة في كل مكان تواجه تحديات كبرى من أخطرها:
۱ - انحسار تطبيق الشريعة عن كثير من بلدان المسلمين، وحلول القوانين الوضعية محلها إما بالكلية وإما جزئيًا، مما أوجد حالة مأساوية لم تعرف لها الأمة سابقة في تاريخها نتج عنها الكثير من المشكلات الجذرية الأخرى.
2- عدو خارجي يتمثل في اليهود وحاضنتهم أمريكا يتربص بنا الدوائر ويبغينا الغوائل مهما تظاهر بغير ذلك ومهما توهمنا صداقته لنا.
3- تيار تغريبي شتت الأمة ومزق جسمها وفرق وحدتها وهذا التيار هو العلمانية بما تمثله من إلحاد عقائدي، أو انحراف فكري، أو فساد أخلاقي وسلوكي، أو عمالة خارجية، أو استبداد سياسي المهم أن أيًا من ذلك هو نقيض الإسلام، فهو حتمًا نقيض الوطن تاريخًا وواقعًا ومستقبلًا، وقد أثبتت الأحداث أنهم دائمًا الحساب الاحتياطي للعدو الاستعماري الذين يلجأ إليه ليذل بهم الشعوب ويناكف ويزعج بهم الحكومات الوطنية.
والعلمانيون وإن كانوا أكثر ضجيجًا وصخبًا وأعلى صوتًا لكنهم في الحقيقة قلة قليلة في سواد الأمة لا يمثلون شيئًا، ولذا ينبغي التعامل معهم على هذا الأساس ومعالجة مشكلتهم برفق وحكمة، لكن بحزم وحسم، ووجود الفئات العلمانية -في ظل سيادة النموذج الحضاري الغربي عالميًا المنبثق من العلمانية كأساس أيديولوجي لتلك الحضارة- أمر طبيعي لكن مع الإقرار بهذا الأمر كإفراز طبيعي للواقع، إلا أن استلهام التاريخ في كيفية العلاج والتعامل مع المد اليساري في الخمسينيات والستينيات الميلادية يثبت أن إحياء الدعوة الإسلامية ورفع لوائها محليًا وعالميًا هو الحل الكفيل بإذن الله بالحفاظ على تماسك المجتمع وأصالته.
4- وجود فئات من الشباب المتدين اجتالهم الشيطان فسقطوا صرعى للغلو والتكفير والرفض المطلق لكل ما لا يتفق مع آرائهم وأفكارهم، ولست في مقام التفصيل والتحليل لهذه الظاهرة وأسبابها التي أفرزتها والتي كان من أهمها:
أ - إسكات الدعاة العلماء.
ب- وفتح أبواب السجون للشباب الملتزم واضطهادهم.
ج - وعدم التحرك لمواجهة اليهود.
د.- وانتشار الفساد والعلمنة.
لكنني أشير إلى أنني منذ عشرين سنة خلت حذرت في مناسبات عدة ثم على فترات متلاحقة من الابتلاء بهذا الداء، وها هو أصبح واقعًا لا يمكن تجاهله، وكان أيضًا نتيجة لأمور وأسباب موضوعية لكن السؤال: ما طريق العلاج؟ أرجو ألا نكرر أخطاء غيرنا، ولا نستورد التجارب الفاشلة وغير المشروعة للتعامل مع هذا التحدي القائم.
5- من التحديات التي تواجهنا والتي ستؤدي -لا قدر الله- إلى خلخلة الجبهة الداخلية في أي مجتمع إسلامي ما نشاهده في مواقع كثيرة من فساد إداري ومحسوبية ومحاباة وبيروقراطية ضربت بأطنابها حتى أصبحت العلاجات لا تتجاوز المسكنات والمهدئات، ولا تنال إلا الأطراف والحواشي وصغار الناس دون رموز هذا الداء الوبيل.
6- الدين العام الهائل الذي أصيبت به أكثر البلدان، وبالذات منذ حرب الخليج والذي يزيد عامًا بعد عام، والذي ستعيش الأمة ترزح تحت كاهله عشرات السنين وما ينتج عن ذلك من تداعيات في شتی جوانب الحياة المختلفة.
فإذا أضيف إلى ذلك البطالة المتزايدة والفقر المدفع الذي تتسع رقعته يومًا بعد يوم، والتردي في الخدمات الأساسية إذا أدركنا مقدار وحجم وخطورة هذا التحدي أمكننا حينئذ أن نتلمس له حلًا، على الرغم من صعوبة ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله.
7- يجب إعادة النظر في التعويل على الحلول الأمنية القمعية للظواهر والمشكلات الفكرية والسياسية، فهذه قد تخفيها ظاهرًا لكنها تزيدها حدة وعمقًا وإصرارًا، وتجعلها أبعد عن المراجعة والتصويب والتصحيح، إن المعالجة الحقيقية للمشكلات السياسية والفكرية هي في الحوار والحجة والبرهان والقبول بالحق وحمل النفس على ذلك ومعالجة الأخطاء القائمة والاعتراف بها.
8- تضاؤل ثقة الناس في المؤسسة الدينية في البلدان التي كان لها وزن كبير فيها مما ينذر بأوخم العواقب في المستقبل، ومما يستدعي دراسة الأمر دراسة عميقة، والبحث عن حلول جريئة وعملية. خاصة أن وجود المؤسسة الدينية الرسمية الموثوقة من الناس أحد صمامات الأمان للمجتمع التي ينبغي الحفاظ عليها باستمرار.
9- التخلف العلمي والتقني والتنموي الذي جعل أغلب البلاد العربية في آخر قائمة دول العالم.
العلماء والمفكرون والمثقفون والخطباء
إن مسؤولية أهل العلم والثقافة، ورجال المنابر أمام الله ثم أمام تاريخ أمتهم مسؤولية عظيمة، فهم إما حداة صدق، ونصح وأمانة، وإما شهود زور وكذب وخيانة، إما يؤثرون الحق والنصح وما عند الله، أو يؤثرون المتاع الزائل والمجد الزائف والتطبيل الأجوف والنفاق المهلك.
والذي أرى أنه يجب على هذه الفئة المتميزة من الأمة أن تقوم به في هذه الظروف الصعبة ... الأمور الآتية:
1- القيام بدورهم في الرجوع بالأمة إلى الله وإصلاح الأحوال والتوبة الصادقة من جميع الذنوب والمعاصي ورد المظالم لأهلها، فما نزل بلاء إلا بذنب وما رفع إلا بتوبة.
2- توجيه الناس إلى الدعاء الدائم لله سبحانه وتعالى أن يزيح الغمة عن الناس، وفتح أبواب التفاؤل وحسن الظن بالله واليقين بنصر الله لدينه وعباده، ولكن ليبلو بعضنا ببعض ليعلم الصادقين من غيرهم ومقاومة أسباب الإحباط والخوف قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر:60).
ومهما كانت تقديرات البشر فهي في النهاية مربوطة بقدر الله سبحانه ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (الإنسان:20)، ولذلك يجب التوكل على الله وحده واللجوء الصادق إليه.
3- وضع العلاقة مع أمريكا في إطارها الشرعي الصحيح، ففيها إدارات صليبية سلمت مقودها لصهيونية يهودية حاقدة على المسلمين والإسلام، فهي عدو لدود للمسلمين آذتهم وحاربتهم في كل ميدان أتيح لها ذلك فيه، لكنها أيضًا ميدان خصب للدعوة إلى الله، ومستقبل الإسلام فيها واعد ومشرق بإذن الله، ويجب مقاومة العدوان بالوسائل الشرعية الممكنة، وإيصال صوت الإسلام لشعبها والحوار مع عقلائها والوفاء بالعهود ما لم ينقضوها وعدم الغدر بالمستأمنين منهم، وعدم جواز بل حرمة إعانتها على المسلمين تحت أي ظرف والتحذير من ذلك ووجوب مقاومتها لدفع عدوانها عن المسلمين.
4- إحياء معاني الجهاد والرجولة والشجاعة والبطولة في نفوس الأمة وتربيتها على ذلك، فالجهاد ماض في الأمة إلى يوم القيامة كما أخبر النبي ﷺ. فهو سياحة الأمة ودرعها الذي تواجه به عدوها وما ذلت الأمة إلا يوم أن تخلت عن الجهاد وأصبح شبابها غزلانًا وحملانًا وديعة، واستلهام السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي في ذلك والتذكير به وتصحيح النية.
5- التوعية بخطورة الحرب على مستقبل الأمة في مختلف جوانب حياتها الدينية والسياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وكيف يمكن مقاومة هذه الأخطار وسبل مواجهتها وتحريك الشعوب ليكون لها دور في مقاومة العدوان.
6- حض الناس وحثهم على مساعدة ودعم المسلمين في العراق وإغاثتهم من خلال المؤسسات الخيرية والإغاثية والقنوات الرسمية والشعبية لتخفيف محنتهم وأداء الواجب نحوهم فلو كان ما يتعرض له المسلمون في فلسطين والشيشان والعراق وغيرها يتعرض له قطيع من الكلاب أو الخنازير لما جاز السكوت عليه فكيف وهم أناس ومسلمون والواجب عدم تحميل الناس في العراق جريرة صدام وزمرته وحزبه.
7- توجيه الناس إلى الحفاظ على أمن البلاد ووحدتها واعتبار ذلك من الأولويات في هذه الظروف والتكافل والترابط مع الجميع واعتبار الأمة جسدًا واحدًا والتعاون والتواصل والتناصح مع المسؤولين فالحرب كارثة على الجميع وليس الوقت وقت تلاوم بل وقت تكاتف وتآزر على الحق والحذر من خطورة الإشاعات والحرب النفسية وأهمية التثبت فيما ينشر أو يذاع.
8- عدم ترك الفرصة للعلمانيين للتحدث باسم الأمة والنيل من دينها وتاريخها وثوابتها، وبيان أن كل ما أصاب الأمة بسبب صدام إنما هو إحدى الثمار المرة للفكر العلماني، وقد سبقها الكثير، وما هزائم ١٩٤٨م و١٩٦٧م أمام اليهود، وما جنته الأمة في ظل المد الناصري العلماني إلا ثمار أخرى وستبقى أمتنا تعيش المآسي ما دام هذا الفكر العقيم الغريب يعشش في واقعها وينخر في جسدها.
9- الحذر والتحذير من الأعمال المتهورة غير المنضبطة التي قد يكون ضررها أكثر من نفعها، بل قد لا يكون فيها نفع أصلًا، وقد تكون محرمة شرعًا، فالحماس غير المبصر بالفقه الشرعي والمستوعب لسلبيات وإيجابيات ومصالح ومفاسد أي عمل عدمه خير من وجوده، ولذا على الجميع أن يتريث قبل الإقدام على أي أمر حتى يعرف حكم الله فيه وما يترتب عليه من مصالح و مفاسد ..