; الحربُ التي تجاوزت كلّ حدود العقل والمنطق | مجلة المجتمع

العنوان الحربُ التي تجاوزت كلّ حدود العقل والمنطق

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 19-مايو-1987

مشاهدات 51

نشر في العدد 818

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 19-مايو-1987

حذر سمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح- في حديث لمجلة الحوادث اللبنانية- من أن الحرب العراقية الإيرانية أوشكت على تجاوز حدود البلدين المتحاربين، وقال سموه في رد على سؤال حول ما أسفرت عنه المساعي الإسلامية والدولية لوضع حد لهذه الحرب: «حرب الخليج جاوزت كل حدود العقل والمنطق، والاعتبارات الوطنية والإسلامية والإنسانية.. ونظل نأمل أن تستجيب الجارة المسلمة إيران لمساعي السلام الإسلامية والدولية، مثلما استجاب العراق الشقيق».

وقد جاء هذا التصريح ليؤكد المخاطر المحدقة بمنطقة الخليج، نتيجة إصرار إيران على مواصلة الحرب، ونتيجة ما شهدته الفترة الأخيرة من تصاعد في الهجمات على الناقلات والسفن التجارية، والتي طالت مؤخرًا باخرة تحمل العلم السوفييتي.

إن هذا التطور الدرامي في مياه الخليج هو أفضل فرصة تبحث عنها القوى الكبرى للتدخل المباشر في المنطقة- تحقيقًا لمصالحها، وخدمة لاستراتيجيتها فيها- تحت غطاء الحماية والمحافظة على الأمن والاستقرار والبحث عن سبل السلام، ومن المفارقات أن تدعي هذه القوى قلقها من الوضع الحالي في الخليج، ومن تصاعد الأعمال العسكرية فيه، وهي التي كانت وراء ذلك التصعيد ووراء إذكاء النيران.

لقد كان أسلوب تهويل الأخطار- وتجميع القطع البحرية، وقيامها ببعض التحرشات- لعبة مفضوحة، هدفها دفع بلدان الخليج شيئًا فشيئًا إلى التسليم بالمقولات الأمريكية، واللجوء إلى ما تعرضه من حماية، وهكذا يقع التورط المباشر في الحرب، وتقع الطامة الكبرى لا قدر الله.

إن كل ما تشهده المنطقة الآن من تحركات سياسية وعسكرية لا يخرج عن إطار هذه اللعبة، وقد أكدت التقارير الدبلوماسية أن الهدف من جولة ريتشارد ميرفي هو دفع دول الخليج للموافقة على خطة أمريكية «لتأمين المنطقة»، وذلك بناء على قرار اتخذه الرئيس الأمريكي في هذا الشأن.

والمقصود بهذه الخطة التنسيق العسكري مع بعض دول الخليج لقيام قوات التدخل السريع وسفن الأسطول الأمريكي بعمليات عسكرية متى ما رأت واشنطن أن مصلحتها تقتضي ذلك.

ولا يخفى أن الصراع في المنطقة بين القوى العظمى قد أصبح على أشده بعد أن ظهرت البوارج السوفييتية هي الأخرى في الخليج، وبعد أن تحركت الدبلوماسية السوفييتية فيه أيضًا، وحققت عدة مكاسب، من أبرزها إقامة علاقات دبلوماسية مع بعض الدول الخليجية التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة.

وقد تردد المسؤولون السوفييت على دول المنطقة، وقدموا العروض المتنوعة، وكان آخرهم نائب وزير الخارجية السوفييتي «فلاديمير بتروفسكي» الذي زار المنطقة.

إن القوى العظمى تدعى البحث عن السلام، وتريد وقف الحرب في المنطقة، وهي في نفس الوقت تغذي هذه الحرب بأسلحة الدمار، وتعمل على خلق الظروف المواتية، ولو كان ذلك عن طريق توسيع رقعة هذه الحرب لترسيخ أقدامها في المنطقة، غير آبهة بأمن شعوبها ومصالحها.

إن أمريكا التي تدعي أنها أقلعت عن سياسة المناورات السرية غير المجدية، وأنها لن تتعامل مع إيران بمثل ما تعاملت معها من قبل؛ لأن ذلك الأسلوب لم يجلب لها سوى الفضائح، واهتزاز مصداقيتها في الخليج وخارج الخليج، أمريكا هذه تعود من جديد إلى اللعب على أكثر من حبل؛ فقد أوردت جريدة «الرأي العام» الكويتية كيف أن المبعوث الأمريكي ريتشارد ميرفي أكد- بصفة قاطعة- أنه لم يجتمع مع نائب وزير الخارجية الإيراني محمد علي بشارتي في دولة الإمارات العربية المتحدة، ثم تراجع عن نفيه لذلك الاجتماع، وروى جانبًا من تفاصيل لقائه السري مع بشارتي، فهل لنا بعد ذلك أن نثق بأمريكا وبحسن نوايا أمريكا..؟

ثم بعد هذا كله وقبله، من المستفيد من استمرارية هذه الحرب التي تجاوزت حدود المعقول، والتي قال عنها سمو ولي العهد: «لا معنى لاستمرار اشتعالها سوى جر المزيد من الدمار والهلاك على الشعبين المسلمين، والمزيد من الضعف والتفكك على الأمة الإسلامية»..

إذن لا أحد في الخليج يستفيد قطعًا من هذه الحرب، والمستفيدون منها هم الذين يضعون منطقة الخليج الحيوية لمصالحهم، إنهم هم الذين يغذون هذه الحرب اللعينة بالأسلحة، سواء كانوا من الإسرائيليين، أو الأمريكيين، أو غيرهم، إنهم هم الذين يطمعون بابتزاز خيراتها بالطرق المباشرة وغير المباشرة، ولا يجني أبناء المنطقة منها سوى الدمار والخراب، ولا تجني دول المنطقة منها سوى استنزاف خيراتها ومواردها، وتعطيل مشاريع نموها وتقدمها، وما من شك أن توسيع نطاق هذه الحرب إنما يكرس هذا الاستنزاف ويعمقه، ويجعل شعوب المنطقة كلها تحت رحمة الدخلاء الأقوياء، فلنحذر في هذا الوقت بالذات من المكائد التي ترسم في الظلام، ولنحذر كذلك من الأخطار التي لا ينفع الندم بعد الوقوع فيها، وعلينا أن نظل متمسكين بشدة بشعاراتنا، وفي مقدمتها أمن الخليج مسؤولية أبنائه.

الرابط المختصر :