العنوان الحرب العراقية – الإيرانية والدرس المستفاد
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 04-نوفمبر-1980
مشاهدات 55
نشر في العدد 503
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 04-نوفمبر-1980
- الحرب منذ الحرب العالمية الثانية لم تشتعل إلا بين الصغار لمصلحة الكبار.
- الحرب كانت مناسبة لتطبيق مبدأ كارتر وتأكيد الترابط العضوي بين أميركا وإسرائيل
- ستكون نتيجة الحرب «حقنة منشطة» للاقتصاد الرأسمالي الغربي!
- القومية فرقت بين الشعوب العربية والإسلامية، ولم توحد بين دعاتها!
- الأمن والاستقرار في الوحدة واستئناف الحياة الإسلامية.
لئن كانت الحرب العراقية – الإيرانية بلاء، لا نعرف بالضبط سببه الحقيقي كشأن كل «حريقة» ألمت ببعض أجزاء العالم الإسلامي، ولئن كان البعث في البادئ بالحرب محرجًا وغير ذا فائدة، فإن الحرب التي دخلت شهرها الثاني لابد وأن ألقت درسًا يجدر بالعقلاء أن يستفيدوا منه. وأيًا كانت النتيجة التي ستؤول إليها الحرب، وسواء كانت بقرار استقلالي أو إيحائي، فالأجدر بالعقلاء أن يستلهموا الدروس من هذه الحرب، فما هي هذه الدروس؟!
حروب الصغار تخدم الكبار
والمتأمل في هذه الحرب وما صاحبها من آثار وردود فعل حتى الوقت الحاضر، يلاحظ فيما يلاحظ أن الحرب العراقية الإيرانية جاءت لتؤكد حقيقة أن الحروب بين الدول الكبرى- فيما بعد الحرب العالمية الثانية- قد ولت فيما يبدو إلى غير رجعة! ولما كان العالم لا يستغنى عن الحرب فلتدر رحاها بين الصغار لحساب الكبار أو ما عرف بحرب الوكلاء! فالدول الكبرى وبخاصة الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وإن لم تظهر دلائل يعتد بها حتى الآن في تورطهما المباشر بالحرب، إلا أن وقوفهما على الحياد وعدم تحركهما بشكل جدي، يدل دلالة قاطعة على أن لهما مصلحة في إذكاء الصراع وامتداد الحريق.
فالاتحاد السوفييتي الذي يرجع طمعه في الخليج إلى عهد القياصرة، قد يجد الحرب فرصة مناسبة للامتداد الأخطبوطي في البلاد الإسلامية.. فالمعاهدة السوفيتية العدنية والمعاهدة السوفيتية- السورية والمعاهدة السوفيتية- الليبية المرتقبة، واحتمال عودة العلاقات السوفيتية العراقية إلى مجاريها، كلها تأتي في هذا السياق. إن الدب الروسي يحاول أن يشرب من المياه الدافئة، ولكن فيما يبدو لا أمل له من جهة رفض الشعوب الإسلامية له باعتباره «ثقيل الدم»، وأن من جهة سياسة الانفراج الدولي التي لم تقم دلائل قوية على انفراط عقدها وخاصة في «الشرق الأوسط» الذي اعتبرته منطقة نفوذ أمريكية.
وأما الولايات المتحدة فمصلحتها في الحرب العراقية الإيرانية ظاهرة: فهي تسعى جاهدة لإحكام السيطرة والتسلط على خيرات البلدان الإسلامية والحيلولة دون رجعتها إلى الدين وبناء قوة مستقلة. لقد تبين للولايات المتحدة أن الشعوب الإسلامية مهما غفلت لا يمكن الرهان عليها بحكام يعملون «شرطة» لحراسة مصالحها. فالثورة الإيرانية مثلًا وعلى عكس تقديرات وتوقعات الدوائر الأمريكية، أطاحت «بشرطي الخليج» القوي، والصحوة الإسلامية في تركيا آخذة في النمو، كما أن الثورة الإسلامية في سورية باتت تهدد «ميزان القوى» لتقلبه رأسا على عقب إذا قدر الله لها النصر -إن شاء الله- والعودة إلى أصول الدين الحنيف باتت ظاهرة عامة وتيارًا قويًا يعم أرجاء العالم الإسلامي، وهذا ما يهدد بالتأكيد المصالح الأميركية والرأسمالية، كما يهدد سياسة الانفراج الدولي التي حصرت حق القوة في طرفين اثنين فقط.
مبدأ كارتر
والولايات المتحدة التي عملت على دفع العسكر لدفة الحكم في باكستان وتركيا مؤخرًا، تسعى جاهدةً من خلال الحرب العراقية – الإيرانية إلى الدفع بالعسكر إلى سدة الحكم في إيران وبالتالي إعادة إيران إلى «الحظيرة الأميركية»!
وفوق ذلك فإن الولايات المتحدة التي لم تعجز عن خلق المسوغات والذرائع للتدخل بالخليج بحجة حماية منابع النفط وضمان إمدادات النفط للعالم الرأسمالي، وجدت الفرصة مناسبة للتهيئة لتطبيق مبدأ كارتر الذي يقول بجواز التدخل العسكري لحماية المصالح الأميركية.
فالقوة الأمريكية البحرية تعززت واقتربت أكثر من مياه الخليج، كما برهنت على صدق ادعائها بحماية منابع النفط فأرسلت طائرات الأواكس للسعودية!!
وسواء تم طلب هذه الرادارات من قبل السعودية كما صرح بذلك المسؤولون السعوديون، أو قامت أميركا بإرسالها فالنتيجة واحدة في كلتا الحالتين، وهي أن الولايات المتحدة باتت قادرة ومهيأة أكثر مما مضى -بسبب أجواء الحرب- للتدخل بالخليج وتطبيق مبدأ كارتر.
أميركا وإسرائيل
وجاءت الحرب العراقية- الإيرانية لتؤكد حقيقة الارتباط العضوي الفاعل بين الولايات المتحدة وإسرائيل.. ففضلًا عن أن المخابرات الأميركية تعتمد على المخابرات الإسرائيلية في عملياتها في الشرق الأوسط، فقد كشف جميز ايكنز، سفير أميركا السابق في السعودية، أن المسؤولين الإسرائيليين أقنعوا الأمريكيين بضرورة التدخل العسكري المباشر لاحتلال منابع النفط! وبسبب الدرس الذي ذكرناه وهو أن الولايات المتحدة لا يمكنها الرهان على الشعوب الإسلامية على المدى الطويل، فإنها سوف تركز خطتها لتقوية إسرائيل من طرف، وإثارة المشاكل والقلاقل بين البلدان العربية والإسلامية من طرف آخر، فخطة كيسنجر التي بنيت على تقوية إسرائيل وإيران وتقسيم العرب احتاجت لتعديل يتعلق بإيران بسبب انتصار الثورة فيها.
وسوف تجد إسرائيل نفسها قوية أمام الضغوط الأميركية المزعومة لتسوية القضية الفلسطينية، باعتبار أن منطق عدم استقرار الشرق الأوسط يعود إلى عدم حل القضية الفلسطينية قد انهار بشكل كامل.. فالحرب العراقية- الإيرانية وهي من أطول وأكثر الحروب دمارًا في الشرق الأوسط، وليس لها علاقة بالقضية الفلسطينية!، كما أن تدمير بلدين عدوين يفرحها على حد تعبير بيغن.
الاقتصاد الرأسمالي سيد الموقف
والحقيقة المرة التي تفرزها الحرب العراقية الإيرانية هي أن حروب الدمار بين الصغار تخدم الاقتصاد الرأسمالي خدمة جليلة. فالانكماش والتضخم والبطالة التي يعاني منها الاقتصاد الغربي سوف يجد «حقنة منشطة» إذا ما وضعت الحرب أوزارها، فالتقديرات الأولية تقول إن خسائر الحرب لدى الطرفين بلغت حوالي «10» بلايين دولار.
فالمنشآت النفطية والصناعية ومحطات توليد القوى التي تم تدميرها سوف تحتاج خمس سنوات على أقل تقدير لإعمارها أو بنائها من جديد! وفي غضون هذه الخمس سنوات تكون أسعار السلع الصناعية قد تضاعفت أضعافا كثيرة، مما يشكل عبئًا لميزانية البلدين.
وأما نفقات إعادة التسليح فلا أحد يستطيع حتى أن يتخيلها...! والاقتصاد الرأسمالي الأميركي أو الأوروبي الذي يملك التكنولوجيا سيعهد إليه بالتأكيد لإصلاح ما أفسدته الحرب، وقد بدأت الشركات والمؤسسات الصناعية الغربية من الآن الاستعداد لتلقي «الحقنة المنشطة» من الحرب العراقية الإيرانية.
القتال والنزاع على الحدود
وسواء كانت دوافع الحرب هي النزاع على الحدود أو نتيجة لعوامل أخرى، فقد أثبتت حرب الجارتين أن النزاع على رقعة جغرافية صغيرة ليس من الحكمة أن يحل عن طريق الدمار وتخريب الاقتصاد. فالخسائر المادية والسياسية التي ترتبت على الحرب لدى الطرفين أعز وأغلى بكثير من الأرض المتنازع عليها. وكبلدين جارين مسلمين كان الأولى أن يفض النزاع بينهما بالمفاوضات المباشرة أو حتى طبقًا لقواعد القانون الدولي، فالمسألة بين الأقطار الإسلامية ليست مسألة عزة ولا كرامة ولا قومية ولا طائفية ولا إلى ما هنالك من دوافع أرضية وضيعة.
الرابطة القومية
فالحرب أثبتت كذلك أن رابطة القومية قد دقت إسفينا ربما يصعب اقتلاعه بسهولة بين الشعوب الإسلامية، كما فشلت في التقاء دعاة القومية حول هدف واحد. وعلى الذين يرفعون شعار القومية أن يستفيدوا من درس الحرب العراقية – الإيرانية، ويكفوا عن الدعوة لهذه الرابطة الهابطة إنسانيا وحضاريا، ويعتصموا برابطة العقيدة في الله والأخوة الإسلامية سواء كانوا حكاما أو محكومين، وما لم تحل رابطة الأخوة الإسلامية محل الرابطة القومية وغيرها من الروابط الهابطة، فإن العالم العربي والإسلامي سيظل ممزقا، وصيدا سهلا للطامعين في خيراته.
فالوحدة على أساس رابطة العقيدة فضلا عن أنها أصبحت مطلبًا جماهيريًا ملحًا، وفضلا عن أنها واجبٌ شرعيٌّ كذلك، فقد أصبحت ضرورةً ملحةً في ضوء تطور السياسة الدولية وأساليبها في نهب خيرات الشعوب الإسلامية وإفقارها.
الكيانات الصغيرة وأمن الخليج
ومن الناحية الاستراتيجية لدول المنطقة فقد أظهرت الحرب العراقية الإيرانية أن ما يسمى بأمن الخليج قد انهار، وأن الأمن والاستقرار الحقيقي يكمن في ناحيتين:
الأولى: العمل الجاد واتخاذ السبل الكفيلة بتوحيد الكيانات الصغيرة توحيدا شاملا، وإذا كان ذلك متعذرا في الحال فإنه يجب اتخاذ الخطوات المتدرجة لتحقيق ذلك على المدى الطويل. فالكيانات الصغيرة كما في دول الخليج مهما أنفقت على التسليح لا يمكن أن تقف بمفردها أمام جهة كبيرة.
ونحن هنا لا نخص دول الخليج فحسب، بل جميع الكيانات «والمزق» في العالم الإسلامي.
الثانية: استقرار «الجبهة الداخلية» وهذا لا يتأتى إلا بإشاعة روح الأخوة الإسلامية وتحقيق العدل في الفرص وتوزيع الثروات، وإطلاق الحريات العامة، واتخاذ الخطوات الجادة لتحقيق المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار السياسي. وإن استئناف الحياة الإسلامية وفقًا للكتاب والسنة هي الضمانة الأكيدة لاستقرار الأوطان الإسلامية، أما الكيانات الهزيلة القائمة على أساس التحالفات السياسية متعددة الولاءات ستظل هي سبب الانحطاط والذل الذي يلف جميع أنحاء العالم الإسلامي.
غياب الموضوعية
ولعل أوضح ما في الحرب العراقية الإيرانية من دروس وأشدها ألمًا هو تفشي ظاهرة غياب الموضوعية في الموقف وفي التحليل وبخاصة في أوساط المثقفين وفي أوساط الجماعات الإسلامية.
وإذا كان التعصب للجنس، أو الأمة، أو الوطن، أو الطائفة أو الحزب هي ظاهرة عامة لدى المثقفين ثقافة غربية أو شرقية، فإن ما يحز النفس ويدعو إلى الرثاء هو انعكاس هذه العصبيات على بعض الجماعات الإسلامية.
وقد تبين أن الجماعات الإسلامية لا تزال تفتقر إلى الموضوعية في التحليل والوحدة في اتخاذ المواقف.
وبالرغم من وضوح الأدوار الدولية فقد فسرت بعض الجماعات الإسلامية الحرب على أساس طائفي، وراحت تنادي أو على الأقل تدعو الله سرا! أن يغلب جانبًا على جانب، بالرغم من أن طرفي الحرب لم يعلنا أنها حرب طائفية، ولم يقتصر التحليل على ذلك، بل ذهب إلى أن بعض التحالفات السياسية في السياسة العربية تقوم على أسس طائفية! ولسنا هنا بصدد بيان وجهات نظر وتحليل بعض الجماعات الإسلامية لطبيعة الحرب، بقدر ما نريد أن نشير إلى حقيقة أن هذه الجماعات في غالبها تفتقر إلى الموضوعية في التحليل والوحدة في اتخاذ المواقف.
ولا يخفى أن الشعوب الإسلامية التي «كفرت» بالاتجاهات الفكرية الضالة قد تجد نفسها يومًا مجبرة للتخلي عن الجماعات الإسلامية، ما لم تستدرك هذه الجماعات ما فاتها وتتوحد على أساس «نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه» على حد تعبير الإمام البنا رحمه الله