; الحرب القادمة في منطقة البلقان | مجلة المجتمع

العنوان الحرب القادمة في منطقة البلقان

الكاتب عمر ديوب

تاريخ النشر الثلاثاء 17-فبراير-1998

مشاهدات 70

نشر في العدد 1288

نشر في الصفحة 41

الثلاثاء 17-فبراير-1998

مجلة «التايم» الأمريكية:

إن اندلاع شرارة الحرب في منطقة البلقان لا يتطلب مسببات كبرى، بل إن مجرد الرصاصة التي أصابت ساق الفتى بحري كراسنيقي- البالغ من العمر ١١عامًا، وينتمي إلى الأقلية الألبانية التي تقيم في بلدة فوجنيك الصغيرة- كادت تكون سببًا كافيًا لتأجيج نيران الكراهية العرقية، وإثارة العنف، وإحياء الشعور بالاضطهاد السياسي مرة أخرى.

وتقع هذه البلدة على بعد ٥٠ كلم من مدينة بريستينا التي يغطي شوارعها الغبار، وهي عاصمة إقليم كوسوفا، وتزعم مجلة تايم أنه في هذه البلدة بالذات أقدم الأتراك على ذبح القوات الصليبية في عام ۱۳۸۹م، قبل إحكام سيطرتهم على منطقة البلقان لمدة ٥٠٠ عام، وما زالت الخرافات السائدة حتى الآن في هذه البلدة تكرس الاعتقاد بأن أفواج الطيور السوداء التي تحوم في أجوائها تجسد المحاربين الصرب.

 وهناك طريق وعرة مؤدية إلى بلدة فوجنيك التي تعتبر قرية زراعية، يوجد فيها ٢٠٠ بيت، ويقطنها ۲۰۰۰ شخص من الأقلية الألبانية، وهم مسلمون متدينون، ناطقون بلغة معقدة ترجع جذورها إلى اللغة الهيلينية، وهم أكثر مطالبة بالاستقلال من بين سكان كوسوفا من الأقلية الألبانية، ويسكنون في بيوت متواضعة، من بينها منزل زعيمهم الديني الذي يدعى عبديل كراسنيقي البالغ من العمر ٦٧ عامًا.

وقد روى والد الفتى المصاب ويدعى كريم کراسنيقي «٥١ عامًا»، وهو الابن الأكبر للزعيم الديني عبديل كراسنيقي قائلًا: كنت داخل المنزل عندما بدأت حادثة إطلاق النار، وكانت هنا فتاة تصرخ، ومن ثم خرجت، ولم ألبث إلا أن شهدت ابني طريح الأرض، أمسكت به من ناحية الخصر وإذا بالدم يسيل من كل جسده.

 وتعتبر كوسوفا الموطن التاريخي والثقافي للصرب (!) وسكانها البالغ عددهم 100 ألف نسمة، يسيطرون على الأقليات الألبانية المقيمة فيها، والبالغ عددهم مليوني نسمة، وذلك من خلال استخدام القوة واتباع أساليب القمع، لكن هذه السيطرة آيلة إلى الزوال، وقد تمكن الثوار المسلمون- إبان عملية الاقتتال التي اندلعت في أواخر شهر نوفمبر الماضي، وأصيب فيها الشاب بحري كراسنيقي- من طرد الطابور الصربي وأفراد الشرطة الذين كانوا يوفرون لهم الحماية إلى خارج البلدة، وعندما ثارت حفيظة الجيش الصربي، وبعث في اليوم التالي بتعزيزات مؤلفة من جنود مدججين بالسلاح، نجح سكان البلدة الغاضبون في نصب كمين لهم وصدهم أيضًا إلى خارج البلدة، ومنذ ذلك اليوم لم تجرؤ السلطات الصربية على العودة إلى البلدة، فضلًا عن أن أفراد ما يسمى بجيش تحرير كوسوفا «KLA» قد انتشروا في أرجاء الإقليم، وخاصة في الطرقات الريفية أثناء الليل، وسواء بقصد أو بغير قصد، تحولت المناطق المجاورة لبلدة فوجنيك إلى «منطقة محرمة بالنسبة للنظام الصربي».

ومثلما فعل الزعيم الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش في حرب البوسنة، فإنه سيتحمل المسؤولية الأولية في نشوب الحرب القادمة، فهو وراء أعمال القمع التي تعرضت لها الأقلية الألبانية على يد الأقلية الصربية في كوسوفا، وقد روى بعض ضحايا عمليات القمع الصربية حكايات مذهلة لما تعرضوا له على يد الأقلية الصربية من الاعتقال والتنكيل والاستجواب تحت التهديد بالسلاح، وإخضاعهم للمس الكهربائي، وعلى وجه التحديد أعضاؤهم التناسلية، لكن يبدو أن كل ذلك لم يزحزح قيد أنملة عزيمة المسلمين في الكفاح من أجل نيل الاستقلال.

وقد تساءل بوسكو دروپنجاك- وهو المسؤول الصربي لشؤون الإعلام في بريستينا- قائلًا: «لا أعرف لماذا يبدي البعض قلقهم إزاء معاملتنا لهؤلاء الإرهابيين؟»، لكن كلما ازدادت وتكررت الأعمال الوحشية التي ترتكب بحق المسلمين، كلما ازداد الدعم لجيش تحرير كوسوفا الحديث التكوين، ويبدو أن الانتفاضة التي قامت في بلدة فوجنيك بمثابة بداية لحرب استنزاف دموية، قد تمتد نيرانها إلى جمهورية الجبل الأسود في يوغسلافيا سابقًا، حيث يتواجد ٣٥٠ جنديًا أمريكيًا، وتطالب الأقلية الألبانية فيها أيضًا بالاستقلال.

إن مدينة كوسوفا مقبلة على خطر داهم لحمام الدم، وقد لقي ما لا يقل عن ٢٠٠ شخص من الأقلية الألبانية حتفهم منذ أن قام سلوبودان ميلوسوفيتش ببدء أعمال القمع داخل الإقليم، واليوم بدأ الصرب يأخذون أيضًا نصيبهم من حالات الوفيات، وليس ثمة من يرى مناصًا من اندلاع حرب في كلا الجانبين، لكن لسان حال السكان المسلمين يقول: «إذا كانت السلطات الصربية قد فقدت سيطرتها علينا، فإننا لم نحصل بعد على الاستقلال».

الأسبوع القادم: تقرير شامل كوسوفا.. فلسطين أوروبا برميل البارود المشتعل.

الرابط المختصر :