العنوان الحرب على الـهوية في تركيا
الكاتب سعد سعيد الديوه جي
تاريخ النشر السبت 15-يونيو-2013
مشاهدات 46
نشر في العدد 2057
نشر في الصفحة 18
السبت 15-يونيو-2013
(*) كلية الهندسة - جامعة الموصل
إنها حرب حقيقية، ولكن من نوع آخر في تركيا، فئة تريد مسخ الهوية الإسلامية لتركيا وهي الوريث الوحيد للإمبراطورية العثمانية التي تحملت أعباء الدفاع عن الإسلام والمسلمين لعدة قرون، وفئة تحاول تجديد هذه الهوية والتي يعد الإسلام أحد أهم مقوماتها، بعد أن تعرضت لحملة مسخ لم يشهد لها التاريخ مثيلاً منذ تأسيس الجمهورية التركية، وتحت دعاوى الحرية والليبرالية والعلمانية.. إلخ.
البرلمان التركي صادق على مشروع «الجسر الثالث» وهو قيد الإنشاء منذ 7 أشهر
المعترضون خرجوا يحملون زجاجات الخمر اعتراضًا على مشروع الجسر!
الفئة الأولى التي نجحت في إقصاء السلطان عبدالحميد يرحمه الله تعالى (۱۹۰۹م)، ثم أدخلت الإمبراطورية العثمانية في أتون الحرب العالمية الثانية وما أعقبها من هزائم صنعت صنما كبيرا مازال طغيانه جارفا، وقالوا لهم هذا إلهكم»، وهم يرون هذا الصنم يتم تقليم أظفاره بهدوء وسكينة هذه الفئة التي تضم خليطًا عجيبًا من الماسونيين والشيوعيين والقوميين المتطرفين والطائفيين، لا يجمعها إلا العداء للإسلام الذي كان ركيزة النفسية التركية منذ أكثر من ألف عام، وهذه ليست نغمة عابرة ولكنها الحقيقة بكل بساطتها.
صحوة الإسلاميين
لقد أفاق الإسلاميون بعد الانقلابات المتكررة وإعدام «عدنان مندريس»، الأب الروحي للإسلاميين في تركيا عام ١٩٦١م، وإقصاء نجم الدين أربكان يرحمه الله تعالى، المحرك الفعلي للإسلاميين أيضًا عام ۱۹۹۷م، وفي صحوتهم نقلوا تركيا من مؤخرة الدول الغربية والمستجدي الأكبر من الغرب إلى دولة تبلغ بها نسبة النمو أعلى من أي دولة أوروبية، وصارت محركًا لقوى الشرق الإسلامي التي رأت فيها نموذجًا منفتحًا ومعتدلًا نحو هدف كبير؛ ألا وهو عدم التخلي عن الهوية الحضارية الإسلامية.
إن قلع الأشجار في أوروبا تتصدى له منظمات المجتمع المدني بمظاهرات سلمية واحتجاجات، شأنه شأن أي أمر بهذا المستوى ولكن قلع ۱۲ شجرة فقط يكون مبررًا لإحراق السيارات وتكسير ونهب المحلات وكأن الأمر ساحة حرب!
والسؤال: هل يستحق هذا الأمر ما حدث أم أن هناك قوى خفية تحرك الأمور؟
وهذا الأمر نفسه يطرح عقلية المؤامرة وأن كثيرًا من مثقفينا ينكرونها، وذلك لجهلهم ببواطن الأمور وانخداعهم بالظاهر ونظرية المؤامرة نفسها نظرية معقدة إلى أقصى الحدود، ويتم تمريرها بدهاء وخبث لا يدركهما إلا من قرأ التاريخ بعمق.
فأصل المشروع المعترض عليه في «میدان تقسيم» في إسطنبول هو إقامة مركز ثقافي على الطراز العثماني في مكان ثكنة عسكرية تم هدمها عام ١٩٤٠م أثناء حكم «عصمت إينونو»، خليفة «أتاتورك»، والآن تريد البلدية إحياءه كرمز أثري عثماني عمره مئات السنين وهذا مكمن الأمر وقد صادق البرلمان على الأمر، أي أن الأمر ضمن الإطار الديمقراطي، والمشروع قيد الإنشاء منذ سبعة أشهر.
فماذا حدث؟ أصر كثير من المحتجين على حمل زجاجات الكحول والبيرة أثناء مظاهراتهم، وذلك تحديًا لقرار البرلمان «المنتخب» بمنع بيع الكحول في أوقات محددة، وترافق كذلك مع رجوع أحفاد السلاطين العثمانيين وإعطائهم جنسيتهم الأصلية وتكريمهم وحضورهم لوضع حجر الأساس لثالث جسر معلق في إسطنبول باسم «محمد الفاتح»، وزيارتهم لضريح «الفاتح»، ومع البدء في إنشاء مطار إسطنبول الدولي الثالث والذي يعد من أكبر المطارات في العالم والبدء في فتح قناة موازية المضيق «البوسفور» بكلفة ٢٠ مليار دولار تصل بين بحر مرمرة والبحر الأسود.
ربيع تركي
لقد علت الأصوات الماسونية والطائفية ببداية الربيع التركي وكأن مفهوم الربيع هو القتل والتدمير والتخريب كما فعلت نفس القوى التي حاولت سرقة ثورة مصر، وأرادت تحويلها إلى ساحة دماء بواسطة «البلاك بلوك» وغيرهم من العصابات.
إن الربيع التركي بدأ قبل أكثر من عشر سنوات عندما استعادت تركيا هويتها الحضارية وبواسطة صناديق الاقتراع، وعندما أصبحت تركيا الدولة السابعة في الإنتاج الزراعي على مستوى العالم، وارتفع دخل الفرد فيها من ألفي دولار عام ٢٠٠٢م إلى أكثر من ١٢ ألف دولار في نهاية عام ۲۰۱۲م، وبلغ عدد السدود أكثر من ٧٠٠ سد وتم بناء أكثر من نصف مليون وحدة سكنية، ولم يسجل على أي واحد من الحكومة مسألة فساد واحدة، وهي التي أدت إلى اشتعال ثورات الربيع العربي»، فالربيع يعني الإصلاح ولا غير.
إن هذه القوى السوداء تعمل بقيادة حزب الشعب الجمهوري»، حزب «أتاتورك» العتيد، والتي دلت الإحصاءات الأخيرة على أن ۹۰% من قيادته هم من طائفة يقر أكثر من ٥٥% منهم بأنهم لا ينتمون للإسلام لا دينًا ولا ممارسة.
الحقد جمعهم مع الفئات التي أشرنا إليها سابقًا، ذلك الحقد الأعمى على المسيرة الإسلامية، مع علمهم بأن اليسار في معقله الأصلي تحول إلى مزبلة التاريخ، وصار أثرًا بعد عين، ولكنهم يتحركون ضمن الدائرة التي تلف بلدان الشرق بمشكلات وحروب والعاقل من يفهم.
هذه هي الحقيقة وراء الأحداث في تركيا، والتي لخصها «جورج فريدمان» الرئيس التنفيذي ل «ستراتفور»، ومؤلف كتاب «المائة عام القادمة»، حيث تنبأ لتركيا بقيادة الدول الإسلامية كما فعلت الإمبراطورية العثمانية، ولكن بأسلوب حضاري مختلف، فهي تتحرك بفاعلية داخل الشرق الأوسط وتطور علاقاتها مع البلقان ومع دول آسيا الوسطى الإسلامية وهو يتوقع أن تكون ضمن أقوى أربع دول في العالم في غضون عام ٢٠٦٠م، إذا استمرت في سياستها الاقتصادية والإنمائية!
ولذلك فهم لا ينتظرون لكي تبرز تركيا الإسلامية وغيرها من الدول العربية التي انتفضت لإرجاع هويتها الممسوخة، وهذا لب المشكلة وأساس كل ما سنراه في الأيام القادمة من أحداث لن تصب - بعونه تعالى - إلا في خدمة هويتنا الأممية الإسلامية، وما ذلك على الله بعزيز.