العنوان الحركات الاجتماعية بين إشكاليات التنظير وتحديات العولمة والتغيير (1 من 3)
الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم
تاريخ النشر السبت 19-يوليو-2003
مشاهدات 62
نشر في العدد 1560
نشر في الصفحة 46
السبت 19-يوليو-2003
مفهوم «الحركة الاجتماعية مرن ومازال ينبض بالحياة بالرغم من التراجع الذي أصابه بفعل صعود مفهوم المجتمع المدني
في ظل التحولات الهائلة التي تحدثها سياسات العولمة وتطال مختلف مجتمعات العالم.. نتوقع تصاعدا مستمرًا للموجة الجديدة من الحركات الاجتماعية وازدهار نشاطها
كارل دوتش تاريخ أي حركة اجتماعية يبدأ في الغالب بمرحلة التعبئة أي تزايد الحركية الجغرافية وسرعة توصيل الأفكار وانتشارهاوكثافة الاتصالات
إذا كانت أضواء الاهتمام النظري والعملي بالحركات الاجتماعية Social movements قدخفتت إلى حد كبير خلال العقدين الأخيرين، فإن ذلك لا يعني أنها غدت أقل أهمية، أو عديمة الفاعلية في توجيه مسارات التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في مجتمعات العالم المعاصر كافة وإن بدرجات متفاوتة بين البلدان الصناعية المتقدمة، والبلدان غير الصناعية أو الأقل تقدماً. وتهدف هذه الدراسة إلى التعرف على الإشكاليات الأساسية التي تكتنف مسار الحركات الاجتماعية والدور المؤمل عليهامستقبلاً في إطار التحولات الدولية الراهنة.
وذلك من خلال التعريف بمفهوم الحركة الاجتماعية في الغرب وبيان السياق السياسي والاجتماعي لظهورها في مجتمعاته الرأسمالية بصفة خاصة، وفي بقية المجتمعات التي تنتمي للعالم الثالث بصفة عامة، وتحليل المكونات والخصائص التي تميزها مع بيان ما لها من أبعاد استراتيجية في التحولات العالمية الراهنة.
تلهث النظرية وراء الممارسة، هكذا يؤكد أنتوني جيدنز في كتابه الطريق الثالث، وتنطبق مقولته هذه أكثر ما تنطبق على جهود التنظير لما عرف على نطاق واسع في أعقاب الحرب العالمية الثانية باسم الحركات الاجتماعية Social Movements ،فقد ظل الاهتمام بها مكثفاً حتى منتصف السبعينيات من القرن الماضي تقريباً، غير أنه انتقل تدريجياً منذ ذلك الحين إلى مفهوم المجتمع المدني Civil Society الذي بات خلال ربع القرن الأخير أكثر ذيوعاً وأعم شمولاً، وأكبر مقدرة على استيعاب كثير من الظواهر، بما في ذلك معظم الحركات الاجتماعية التي اكتسبت أبعاداً جديدة تشير إليها على سبيل المثال - حركات مناهضة العولمة. وأضحى التنظير للحركات الاجتماعية متأخراً أكثر من أي وقت مضى عن ممارساتها وتحولاتها المتلاحقة على مختلف المستويات المحلية والإقليمية والعالمية.
وتعتبر الحركات الاجتماعية من المعالم البارزة في مسيرة التطور الاجتماعي والسياسي لمجتمعات العالم المعاصر بصفة عامة والمجتمعات الرأسمالية بصفة خاصة، ويصدق وصف توم بوتومور لهذه الحركات بأنها من ظواهر المجتمعات الحديثة. وقد طرح ظهورها تحديات «نظرية» و«عملية» في سياق تطور العلاقة بين المجتمع والدولة في النظم الرأسمالية فالحركات الاجتماعية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، مثل حركة الحقوق المدنية للسود في أمريكا والحركات الطلابية في فرنسا قد تشكلت أساساً داخل المجتمع المدني، وليس في الميدان المؤسسي للديمقراطية التعددية وهو الأمر الذي أدى إلى تهديد الحدود القديمة للدولة الإدماجية corporatist state التي قامت - بصفة رئيسة - عبر عملية مأسسة الصراع الطبقي واستيعابه داخل مؤسسات النظام القائم، وقد بلغت هذه العملية ذروتها المتطرفة قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية في صيغة النظامين النازي في ألمانيا، والفاشي في إيطاليا.
وقد تركت الحركات الاجتماعية تأثيرات واضحة على الساحة السياسية بالبلدان الرأسمالية، وإن بدرجات متفاوتة من حركة لأخرى خلال النصف الثاني من القرن العشرين كما تركت تأثيراتها أيضاً على بلدان الجنوب التي اتبعت نهج التنمية الرأسمالية وأدخلت تلك الحركات لغة جديدة في الخطاب النقدي بعيداً عن نظرية السياسة التقليدية وممارساتها، وأعلنت مجموعة من الأهداف والأولويات الجديدة - بلغة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي - مثل وضع نهاية لسباق التسلح، والمحافظة على البيئة والعودة إلى الطبيعة، وتحقيق السلام والمشاركة الديمقراطية والثورة الثقافية والحركة النسوية، وتبني أشكال جديدة من العلاقات الاجتماعية والجنسية. ومع ذلك ظلت قدرة هذه الحركات على إحداث تغييرات جذرية في هياكل السلطة القائمة محدودة، وظل المضمون السياسي لها غامضاً، وحالت معوقات وعقبات عديدة دون بلوغها درجة مؤثرة من الفاعلية مثل رسوخ مفهوم فقدانها للقوة والدعوة للبحث عن حلول فردية للمشكلات وللتحديات المختلفة التي تواجهها .
وكشفت تجارب تلك الحركات في الحقبة الماضية عن وجود اختلافات في مستويات أدائها ودرجات فاعلياتها وذلك في ضوء الأهداف التي سعت إليها . والآليات التي استخدمتها، والسياق الاجتماعي الذي عملت ضمنة، واللحظة التاريخية التي نشأت فيها أو مرت بها ... إلخ، ولكن الصعوبة الكبرى التي واجهتها ولا تزال تواجهها هي أنها تعمل بعيداً عن الأطر الرسمية للنظام السياسي، بمعنى أنها تفضل العمل من خارجه، لا من داخله، وهي وإن كانت بمثابة قاعدة الانطلاق النقد الاجتماعي، إلا أنها تظل في أ الأحوال تشكل في مجموعها تكويناً غير محدد الملامح وغير متجانس إلى حد كبير الأمر الذي يؤدي إلى أثار سلبية متعددة تتركز في انكفاء هذه الحركات على ذاتها. وتقليل فاعليتها بصفة عامة. وإذا كان العمل المدني هو عصب نشاط الحركة الاجتماعية، إلا أنه غير كاف لضمان نجاحها، فالنجاح يتطلب تغيير التركيبة السياسية المهيمنة في المجتمع، ومن ثم فإن أي حركة اجتماعية تواجه تحدياً أساسياً من أجل تطوير استراتيجية سياسية شاملة تكفل إنجاز هذا التغيير الذي تسعى إليه، وربما كان تواضع الإنجازات التي حققتها على هذا المستوى هو أحد أسباب تراجعها الصالح صعود موجة المجتمع المدني خلال ربع القرن الأخير.
ومن اللافت للنظر أن بلدان العالم الثالث شهدت ولاتزال تشهد هي الأخرى عديداً من الحركات الاجتماعية، ولكنها مختلفة عنها في البلدان المتقدمة وذلك لاختلاف مسار ووضعية التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي والحضاري لكل منها، ومن ذلك على سبيل المثال وجود شريحة واسعة من المواطنين المهمشين، الذين يقفون خارج النظام الاقتصادي لبلدان العالم الثالث ووجود فوارق طبقية حادة في مجتمعات هذه البلدان، بما فيها البلدان العربية، وتعدد عناصر الانقسام الرأسي التي تقوم على أسس عرقية وإثنية ودينية، وكل هذه العوامل توفر بيئة ملائمة لظهور ونمو الحركات الاجتماعية إما على أساس شعبوي أو ديني أو ثقافي أو إثني.
وغالباً ما تكون مطالب هذه الحركات متسمة بالعمومية البالغة، كما أنها تتميز بالقدرة على الاستمرار مقارنة بالأحزاب السياسية التي لا تجد في ظل المناخ المشار إليه بيئة ملائمة لوجودها أو تطورها، وهذا عكس الحال في المجتمعات الغربية المتقدمة، التي تمتعت فيها الأحزاب بوجود قوي ولكنها أدت إلى تجميد التطور الاجتماعي، ومن ثم إلى نشأة حركات اجتماعية تعبر عن اهتمامات جديدة غير اقتصادية أو ما بعد مادية مثل قضايا البيئة والأخلاق والمرأة، وأخيراً مناهضة العولمة.
وبينما تكون الفرصة كبيرة لتطوير عناصر الاتفاق بين الحركة الاجتماعية والأوضاع القائمة في النظم المتقدمة عبر تقاليد الحوار والحريات التي تتيحها تقاليد الممارسة الديمقراطية، فإنها على العكس من ذلك . البلدان المتخلفة حيث تنعدم مثل هذه التقاليد . أو تكاد . وتأخذ علاقة الحركة الاجتماعية بالدولة طابعاً تصادمياً. وأكثر عنفاً وثورية، مقارنة بما عليه الحال في المجتمعات الصناعية المتقدمة.
وأياً كان الأمر فإن الحركات الاجتماعية سواء كانت في شمال العالم أو في جنوبه لها أهداف سياسية معلنة أو مضمرة فهي تستهدف نقد السلطة عبر وسائل متنوعة، وبالرغم من أنها لا تسعى للوصول إلى السلطة إلا أنها تهدف لإحداث تغييرات في النظام القائم. أو في بعض جوانبه على الأقل . وإن كانت تعاني من بعض العشوائية في العمل، ومن التضارب في الأهداف وعدم وضوح الرؤية، على نحو ما نلاحظه في بلدان العالمالثالث بدرجة أكبر منها في البلدان الصناعية المتقدمة.
وسنتابع في هذه الدراسة التعرف على الإشكاليات الأساسية التي تكتنف مسار هذه الحركات والدور المؤمل عليها مستقبلاً في إطار التحولات الجذرية للعولمة. وذلك من خلال استعراض مفهوم الحركة الاجتماعية في الغرب والسياق السياسي والاجتماعي لظهورها والمكونات والخصائص المميزة لها، والأفق الاستراتيجي المتوقع أن تسهم من خلاله في حل مشكلات المجتمعاتالمعاصرة.
أولاً: في مفهوم الحركة الاجتماعية:
على الرغم من تراجع مفهوم الحركة الاجتماعية خلال العقدين الأخيرين لصالح مفهوم المجتمع المدني كما ذكرنا أنفاً، إلا أن هناك من لا يزال يدافع عنه من المفكرين المرموقين منهم على سبيل المثال عالم الاجتماع الفرنسي الآن تورين الذي يبني دفاعه عن مفهوم الحركة الاجتماعية على أساس موقفه النقدي الرافض لفكر ما بعد الحداثة باعتباره فكراً هداماً للنموذج العقلاني الذي وصلت إليه المجتمعات الحديثة عبر نضالات مريرة على مدى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
ولا يبدو أن هناك تعريفاً جامعاً مانعاً لمفهوم الحركة الاجتماعية، حيث يتسع حيناً ليشمل في طياته مختلف المسارات أو السيرورات الاجتماعية مهما تنوعت أو تعددت، ويضيق حيناً آخر بحيث يشير فقط إلى سلوك جمعي له فرادة تميزه وله بناء وتنظيم وقيادة، ويهدف إلى تغيير الأوضاع القائمة، أو تغيير بعض جوانبها الأساسية على الأقل.
وثمة تصنيفات عديدة للحركات الاجتماعية فالبعض يصنفها إلى حركات ريفية وأخرى حضرية أو حركات قومية وأخرى عالمية، وغير ذلك من التصنيفات التي تستند إلى أسس فئوية أو عرقية. ويرى كل من ريمون بودون - وفرانسوا بوريكو أن الحركات الاجتماعية تتشكل في الفترات التي تعاني فيها المجتمعات من أزمة وتسهم هذه الحركات في عملية التغيير وتجاوز الأزمة.
ويميز نيل سملزره بين نوعين من الحركات الاجتماعية هما الحركات التي تسعى إلى تغيير القواعد والأحكام المعمول بها والحركات التي تهدف إلى تغيير القيم وتجديد الأخلاق ويتحفظ كل من ر بودون وفرانسوا بوريكو على هذا التمييز، فالمواجهة بين مفهوم نفعي وآخر مثالي للحركة الاجتماعية - في رأيهما - هي مواجهة خادعة: إن المشاركون في حركة اجتماعية واحدة قد تحركهم دوافع مثالية وأخرى نفعية في آن واحد وفضلاً عن ذلك فإن الحركات الموجهة نحو القيم لا تشكل كلاً متجانساً فالإرهاب الروسي كان حركة اجتماعية على غرار المقاومة السلبية لغاندي، وإن كان الأول يلجأ إلى العنف والثاني يجعل من تنكره للعنف أحد مبادئه الأساسية ومع ذلك يمكننا اكتشاف سمة مشتركة بين كل الحركات الموجهة نحو القيم وهي أنها المكان الراجح لليقين الذاتي حسب تعبير ماكس فيبر.
أما الفكر الماركسي فنجده في عمومه يميز بين خمسة أنواع من الحركات الاجتماعية وهي (العمالية والطلابية، والفلاحية، والنسائية، والثقافية)،ويستند هذا التمييز إلى أن الفئات الاجتماعية الداخلة فيه هي التي تشكل القوى الرئيسة المكونة لأغلبية الشعوب والمجتمعات المعاصرة، وهي في الوقت ذاته القوى الرئيسة للإنتاج كما أنها أكثر القوى الاجتماعية تخلفاً فيما يتعلق بظروف عملها وأحوال معيشتها.
ولكن كيف تظهر الحركة الاجتماعية إلى حيز الوجود وما أهم المراحل التي تمر بها؟ إن تاريخ كل حركة اجتماعية يبدأ في الغالب الأعم بمرحلة من التعبئة الأولية بالمعنى الذي قصده كارل دوتش حيث قصد بالتعبئة حالة اجتماعية متسمة بتزايد الحركية الجغرافية (الهجرة الداخلية) والمهنية، وسرعة توصيل الأفكار وانتشارها، وكثافة الاتصالات: أي أن تعبئة المجتمع - في المعنى الذي استعمله دوتش . تشكل واحدة من مقدمات ظهور الحركات الاجتماعية، ولكن هذا الشرط لا يكفي، إذ يقتضي أن يتحرر الأفراد من القيود التقليدية، وأن يطوروا قدرة تنظيمية يستطيعون بفضلها تحديد أهداف مشتركة، ووضع الموارد المطلوبة للوصول إلى هذه الأغراض موضع العمل.
وعادة ما يلاحظ في بدء عملية التعبئة وجود مرحلة يمكن تسميتها المرحلة البرونيةBrownies me نسبة إلى Robert Brown ،وهو عالم نبات اكتشف الحركة المستمرة في الجزئيات المجهرية السابحة في أحد السوائل، ويقصد بها مبادرات لا مركزية وغير منسقة تطبع بدايات الحركة، ويطلق هيرشمان على هذه المرحلة اسم مرحلة العنف اللامركزي، وتليها مرحلة العمل المنظم. ويختزل بعض علماء الاجتماع مراحل تطور الحركات الاجتماعية في مرحلتين الأولى هي التلقائية حيث لا تتميز إلا بشيء قليل من التنظيم، وتكون الأدوار غير واضحة، والأهداف غير متبلورة بشكل كاف. والثانية هي مرحلة التنظيم الواضح، والبناء الاجتماعي الذي تحددت فيه الأدوار، وتبلورت الأهداف في إطار أيدولوجية متكاملة. وقد خلص إيرك هوفر من دراسته العدة نماذج مختلفة من الحركات الاجتماعية ذات الطابع الديني، إلى أنها تمر بثلاث مراحل هي:
1- التبشير بالفكر الجديد .
2- حشد التأييد الاجتماعي له.
3- تغيير الواقع، أو الإسهام في تغييره.
ويغلب على كل مرحلة نمط خاص من النشاطات والبرامج التي من المفترض أن تسهم في تحقيق أهداف الحركة.
بقيت الإشارة في هذا السياق إلى أن الحركات الدينية هي نوع من الحركات الاجتماعية، وإن كانت تتميز عن غيرها بكونها تمتلك مطلقات ومراجع كونية كما هو الحال مثلاً في جماعات الإسلام السياسي، إن لديها مطلقات عقدية وإيمانية تجعل المنتمين إليها مستعدين للموت في سبيلها، كما أن لديها مراجع كونية بما أن رسالتها تسمو فوق الفوارق بين التجمعات الطبقية والإثنيات العرقية، واللون والجنس ولذلك نجد أن خطاب هذه الحركات يتجه إلى الناس أجمعين دون تمييز وتتسم أهدافها بالشمول والكلية مثل هدف «تغيير الحياة، وتجديد الأخلاق»، و إصلاح المجتمع والقضاء على الفساد وإقامة حكم الله في أرضه.
ويؤكد بعض علماء الاجتماع . من ذوي النزعة النقدية - أن المكون الديني حاضر في جميع الحركات الاجتماعية وليس في الديني منها فحسب، فحتى أولئك الذين يتصرفون على أنهم مجموعات ضغط في خدمة مصالح ضيقة جداً، نجدهم يستدعون قيماً مقدسة، وفي رأي ر بودون وف. بوريكو أن هذا هو ما توحي به الحركة العمالية في الديمقراطية التعددية للغرب الصناعي حيث تقوم النقابات بالطريقة الأكثر واقعية بالدفاع عن مصالح فئوية ساعية إلى المحافظة . في الوقت نفسه . على الصلة بين استراتيجية النقابة المهنية هذه، وبين تراث من التحرر الراديكالي والأخوة الشاملة. ولعل هذا ما يفسر لنا لماذا اتسم . تاريخياً. عدد مهم من الحركات الاجتماعية بالطوباوية والأمثلة على ذلك كثيرة منها: الحركة الاشتراكية والحركات الوطنية)،ويؤكد بودون وبوريكو . مرة أخرى أن المطالبة بالكرامة الإنسانية، والتفتح الشخصي أمران يشكلان الوجه العلماني للتطلع إلى الخلاص أو ما نستطيع أن نسميه بتعبير ماكس فيير علم الخلاص.
ومن المهم أن نؤكد مرة أخرى أن مفهوم الحركة الاجتماعية لايزال ينبض بالحياة، بالرغم من التراجع الذي أصابه بفعل صعود موجة المد الأخيرة لمفهوم المجتمع المدني ومن الشواهد على ما نقول أن عدداً من الجماعات والتنظيمات التي ظهرت خلال السنوات القليلة الماضية بهدف مناهضة العولمة و النيولبيرالية، أصرت على تسمية نفسها باسم الحركات الاجتماعية، وتصدر بياناتها تحت هذا الاسم، ومنها مثلاً: نداء الحركات الاجتماعية / بورتو اليجري ضد الليبرالية الجديدة والحرب ومن أجل السلام والعدالة الاجتماعية.
والخلاصة أن الحركة الاجتماعية تتشكل حول مبادئ و مصالح معينة، بهدف الدفاع عنها، أو للسعي من أجل تحقيقها، وتشمل كلمة المصالح هنا الجوانب المادية الملموسة والجوانب الأخلاقية والمعنوية والقيمية.
إن مفهوم الحركة الاجتماعية، مفهوم ،مرن، وهو يشير إلى مسعى جماعي لتكريس التغيير أو مقاومته في المجتمع الذي تظهر فيه الحركة الاجتماعية، كما أن هذا المفهوم يعتبر أكثر اتساعاً من مفهوم الحزب أو جماعة المصلحة أو التوجهات الاجتماعية أو الحشد الجماهيري كما أنه ذو صلة وثيقة بعمليات التغيير الاجتماعي والسياسي والحرمان النسبي والأزمات التي تصاحب فترات الانتقال في حياة المجتمعات، وفي ظل التحولات الهائلة التي تحدثها سياسات العولمة وتطال مختلف مجتمعات العالم المعاصر، فإننا نتوقع موجة جديدة من الحركات الاجتماعية وازدهار نشاطاتها، مع ملاحظة أنها ستكون أكثر فاعلية واستقراراً وثباتاً واتساعاً في المجتمعات المتقدمة (البعض يطلق عليها اسم مجتمعات الديجتال (Digital)،وهي تختلف عنها في مجتمعات البلدان المتخلفة Non-Digital) حسب الوصف الجديد) حيث تتأثر فيها الحركات الاجتماعية سلبياً بعديد من العوامل السياسية والاقتصادية الهيكلية والبنيانية التي تتسم بها هذه البلدان الأخيرة .