; الحركة العلمية في العالم الإسلامي.. بين الواقع المر والأمل المنتظر | مجلة المجتمع

العنوان الحركة العلمية في العالم الإسلامي.. بين الواقع المر والأمل المنتظر

الكاتب مأمون عبدالحليم وجيه

تاريخ النشر السبت 13-أبريل-2013

مشاهدات 62

نشر في العدد 2048

نشر في الصفحة 48

السبت 13-أبريل-2013

(*) عميد كلية دار العلوم  - جامعة الفيوم - مصر

نجاحها مرهون بالقدرة على دعمها وتمويلها.. فالاقتصاد عصب التقدم والرقي في أي مجتمع

نهضة الأمم وإشراقات الحضارات معقودة بنهضة التعليم بها، فالارتقاء والهيمنة والسيادة لا تكون إلا لمن احتل موقع التقدم والصدارة وريادة الحركة العلمية، فمن تميز امتاز، ومن تعثر نام، وقد أدلج الناس، والجهل مرتع مبتغيه وخيم.

تقسم دول العالم المعاصر إلى دول متحضرة، وأخرى نامية، وثالثة تقبع في درك الظلمة وغياهب التخلف، وأيا ما يكون رأينا في هذه التقسيمات، فالواقع يشهد بهذا التمايز بين أمم تمتلك ناصية البحث العلمي، وتنعم بآثاره من مال ورفاهية واستقرار، وأمم تطحن الحروب والمعارك شعوبها، ويجهز الفقر والمرض والخرافات على ما تبقى منها.

إن واقع الحركة العلمية في مجال العلوم التطبيقية في المحيط العربي والإسلامي واقع مر أليم، فقد اكتفينا بموقع التابع المصفق لإنجازات الآخرين المتعايش على ما يسمح به من أسرار التقدم العلمي في العلوم والهندسة والرياضيات والطب والحاسوب وغير ذلك، ولو سئل عربي أو مسلم عن إنجازات بلده في هذه العلوم لما وجد سوى الصمت جوابا، فلم وصلنا إلى هذه الحال؟ وما أسباب الجمود والتخلف العلمي في بلادنا؟

العلاقة بين العلم والدين

قد تتصادم بعض الأديان، حسب فهم رجالها ودعاتها، مع العلم ونتائجه التجريبية وقد عانى رجال العلم من التعذيب والقتل والاضطهاد في عصور الظلام الأوروبية، التي قهر العلم فيها باسم المسيحية وأحكام الدين لفترة طويلة امتدت ألف سنة أو أكثر سماها المؤرخ الإنجليزي إدوارد جيبون» انحطاط وسقوط الإمبراطورية الرومانية في كتابه «تاريخ Edward Gibbon( The History of the Decline and) ألف Fall of the Roman Empire سنة من الهمجية والدين، قامت فيها محاكم التفتيش بإعدام العلماء وتعذيبهم حيث اعتقل عالم الفلك الإيطالي جيوردانو برونو وسجن ثماني Giordano Brunoسنوات فلم يتراجع عن مواقفه العلمية، فاتهم بالهرطقة وحكم عليه بالإعدام حرقا بأحد ميادين روما ونجا جاليليو» من الإعدام عندما اضطر للاعتراف عند محاكمته بأنه مخطئ مخرف، وعندئذ حكم عليه بالإقامة الجبرية حتى مات بسب أبحاثه ودراساته وتاريخ هذه الفترة مفعم بالأحداث المروعة بسبب التصادم بين الدين والعلم من وجهة نظر رجال الدين النصارى آنذاك.

الإسلام والعلم

على النقيض مما سبق تماما كان موقف الإسلام من العلم موقفا إيجابيا حيث حث على العلم ودعا إلى النظر والبحث والتأمل، وأمر بطلب العلم من المهد إلى اللحد، والآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على ذلك كثيرة ظاهرة لكل مطلع أو متصفح للتراث الإسلامي ظهور النجوم في سمائها، والشمس في رابعة نهارها، وقد امتلكت الحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي ناصية المعرفة والابتكار والإبداع بفضل جهود علمائها الذين آلت إليهم قيادة الحركة العلمية على مستوى العالم، ولم تجد أوروبا آنذاك حرجا، بل لم تجد بدا من إرسال وفودها وبعثاتها لتلقي العلم على أيدي علماء المسلمين في الجامعات والمراكز العلمية بالأندلس وغيرها، وقد نشرت مجلة الإيكونومست بتاريخ ٢٦ يناير ٢٠١٣م مقالًا عنوانه «العلم والإسلام.. الطريق إلى التجديد (The road to renewal.. Islam and خلص فيه ،)science كاتبه إلى أن تخلف المسلمين في مجال العلوم والبحث العلمي في العصر الحديث ليس ناجما عن تصادم بين الإسلام والعلم ولا بسبب تشدد رجال الدين، وإنما بسبب الحكام العلمانيين الذين بخلوا ولم يقدموا الدعم المالي المطلوب للبحث العلمي، وأهملوا العلماء، ولم يهتموا بإعداد المراكز العلمية والإنفاق عليها بكرم وسخاء، مثلما فعل الخلفاء العباسيون الذين نثروا الأموال على البحث العلمي والعلماء، فآلت إليهم ريادة الحركة العلمية في العالم، ووصف عصرهم بأنه العصر الذهبي للإسلام في جميع العلوم والفنون.

ففي الرياضيات ذاعت شهرة «أبو عبدالله محمد بن موسى الخوارزمي (ت) ٢٣٢هـ تقريبًا، واضع مبادئ علم الجبر في كتابه الجبر والمقابلة»، الذي ترجم إلى اللاتينية واعتمد عليه الغربيون بل وأخذوا الاسم العربي لهذا العلم فأطلقوا عليه.algebra»، وقد اعتمدت نهضة أوروبا في الرياضيات على مساهمات الخوارزمي في هذا العلم، وفي الطب نبغ الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن سينا (ت ٤٢٧هـ )، الذي ظل كتابه القانون في الطب المصدر الرئيس لتعليم الطب في الغرب لعدة قرون، وله قرابة مائتي مؤلف في الفلسفة والطب وعلوم الشريعة، وكذلك بزغ نجم رائد البصريات والمنهج العلمي أبو علي الحسن بن الهيثم ت (٤٣٠هـ)، وهو من أعظم علماء الرياضيات والفيزياء وطب العيون والجغرافيا والفلك في عصره.

وإلى هذه الشجرة الوارفة ينتمي العالم الموسوعي عالم الجغرافيا والفلك والفيزياء والرياضيات أبو الريحان أحمد بن محمد البيروني ( ٤٤٠) هـ)، أول من تحدث عن دوران الأرض حول محورها، وله كثير من المساهمات والمؤلفات في مجال الفيزياء والفلك والرياضيات والصيدلة وغير ذلك مما يؤكد أهمية العلم عند المسلمين، وحث الدين عليه، فلا إشكال ولا تعارض بين العلم والدين عند المسلمين.

العلم.. والدعم المالي

نجاح الحركة العلمية مرهون بالقدرة على دعمها وتمويلها، فالاقتصاد عصب التقدم والرقي في أي مجتمع، وعدم الإنفاق على البحث العلمي أحد الأسباب الرئيسة لتخلف الحركة العلمية عند العرب والمسلمين مما أدى إلى وجود أنواع مختلفة من التعليم، ففي مصر مثلا تعليم حكومي بالمجان متضخمة أعداده، فقيرة تجهيزاته ومؤسساته، وتعليم حكومي تجريبي، وتعليم خاص، وجامعات حكومية، فيها برامج مجانية وبرامج خاصة وتعليم نظامي، وتعليم مفتوح وجامعات خاصة وجامعات أجنبية، وأضحت جودة التعليم مرتبطة بتكلفته، وصار التعليم كرغيف الخبز منه مدعوم لا يؤكل، ومعدل ومُحَسَنٌ، وبلدي، وإفرنجي إلى غير ذلك من الأنواع مما أدى إلى تفاوت أبناء المجتمع علميا وثقافيا، ومهاريا، بسبب تفاوت مستوى التعليم الذي يُقَدِّمُ لهم، في نوعيته وإذا نظرنا إلى معدلات إنفاق الدول وجودته.

على البحث العلمي اليوم يتضح بجلاء سر تقدم الحركة العلمية في الغرب وتخلفها عند المسلمين في العصر الحديث، فقد ذكرت الإيكونومست»، في المقال المشار إليه آنفا، أن الولايات المتحدة تنفق ۲.۹٪ من الناتج القومي (GDP) على البحث العلمي، بينما تنفق «إسرائيل» ٤.٤، وتنفق دول العالم الإسلامي مجتمعة وعددها سبع وخمسون دولة 1 من ناتجها القومي، ومن جد وجد ولذا حصل ۷۹ يهوديا على جائزة «نوبل» في مجال العلوم التطبيقية، بينما حصل عليها من المسلمين اثنان ليس غير، حيث حصل عليها الباكستاني محمد عبد السلام في الفيزياء عام ۱۹۷۹م وتوفي عام ١٩٩٦م، وحصل عليها المصري أحمد زويل في الكيمياء عام ۱۹۹۹م، وهما ممن عاش وتعلم وتربى علميا في الغرب، ووصل التفاوت في النتاج البحثي إلى أن ما نشرته جامعة هارفارد، من أبحاث علمية عام ٢٠٠٥م يفوق ما نشر في ١٧ دولة عربية مجتمعة، لذا يجب علينا الانتباه لهذه الإشارات المفزعة، والتوقف والتدبر وإعادة النظر في التخطيط العلمي وآليات تنفيذه والعمل الجاد على زيادة التمويل والدعم المالي المخصص للبحث العلمي في بلادنا حتى يواكب النسب العالمية، أو يزيد عليها إن أردنا استدراك ما فات واستعادة العصر الذهبي للحركة العلمية في العالم الإسلامي مرة أخرى.

لا شك أن ثمة عوامل أخرى أدت دورًا كبيرًا في جمود الحركة العلمية عند المسلمين في العصر الحديث من أهمها فترات الاحتلال الأجنبي، وعدم الاستقرار السياسي، وتهميش دور العلماء وعدم الاهتمام بهم وغياب مناخ الحرية، وضعف المنهجية التعليمية التي قامت على الحفظ والتلقين بدلا من الفهم والابتكار والتحليل.

وعلى الرغم من كل ذلك، فنحن قادرون على النهوض وتصحيح المسار إذا وجهت طاقات الأمة وقدراتها نحو بناء المؤسسات العلمية وإصلاح التعليم وتوفير المناخ الملائم لنمو البحث العلمي وتطوره، وقد لاحت بوادر الأمل بما نراه من اهتمام وتوجه نحو إصلاح التعليم وظهور بعض المشاريع العلمية في طور الإنشاء في مصر والسعودية وبعض الدول العربية والإسلامية الأخرى، وأول الغيث قطرة ثم ينهمر..

الرابط المختصر :