العنوان الحركة الإسلامية: العمل الإسلامي الخيري
الكاتب محمد امين العباس
تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-1990
مشاهدات 74
نشر في العدد 954
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 13-فبراير-1990
تصدي الحركة
الإسلامية للعمل الخيري أفقد الكنيسة أحد أمضى أسلحتها التنصيرية، وأكسب الإسلام
أرضًا جديدة.
العمل الإسلامي
الخيري يساعد في خلق أجواء معتدلة بين التيار الإسلامي وكثير من أنظمة الحكم.
العمل الإسلامي
غير مقيد بالضرورة بالتزام جانب واحد من جوانب الحياة، يحصر ذاته في إشكالاته،
ويتشرب روافده، ويلقي بجهوده في مساربه، وإنما يستفتح مجالات الحياة المختلفة،
مسترشدًا في ذلك بشمولية الدعوة الإسلامية وطرقها لجوانب الحياة؛ حيث الهدف الغائي
في الدعوة الإسلامية هو الإنسان الذي سخر الله له ما في السموات وما في الأرض
جميعًا... ويقتضي هذا بداهة استيعاب تلك المساحات المسخرة والمضافة من أجل نتائج
أفضل. وإن كانت الحركة الإسلامية قد درجت في مراحل سابقة على تأكيد العمل وحصره في
المجالات السياسية، وتركيز الاهتمام في إثارة قضايا مثل حرية العمل السياسي،
والمصادقة على المعايير التقويمية في التعامل مع الحضارة الأوروبية وفكرها
الاستعماري، والتركيز أيضًا على ضرورة التحاكم للشريعة الإسلامية؛ فإن النتائج
كانت أضأل من المبذول. علمًا بأن سعي الحركة في ذلك كان أحادي الاتجاه، لا يقبل
الحلول الوسيطة، وربما يجنح أحيانًا إلى رفض التعاطي مع الحوار؛ ترجيحًا لتناسب
صلابة الموقف مع صلابة الفكرة. غير أن عدة مؤشرات أفادت بأن الثبات على تلك
المواقف لا يعني مصداقية المبادئ، كما أنه لا يعني في الوقت نفسه تحقيق الأهداف
التي بذلت الحركة في سبيلها صدامات ومعارك مع بعض الحكومات؛ حتى وصلت في بعض
الأحيان إلى القطيعة والوقيعة، وتبادل المواقف المتطرفة، مع استبانة لامعقولية
السير على وتيرة واحدة، وظهور حاجات جماهيرية ماسة، وطغيان العمل المضاد بواسطة
الكنائس والمنظمات التنصيرية والعلمانية، مما فرض التحرك في الإصلاح وانتهاج أعمال
الخير والبر من أجل تلافي تلك الثغرات في العمل الإسلامي أولًا، وتحقيقًا لواجب
الدين في بذل النفع العام، وسدًّا لمنافذ الشيطان والكنائس الرامية لزعزعة عقائد
المسلمين. وبدأ العمل الخيري الإسلامي محدودًا، إلا أنه مع مرور الأيام تصاعد
وحشدت الطاقات من أجله؛ حتى برز كظاهرة إسلامية بارزة الحضور في وقت وجيز، مما حدا
ببعض دوائر الرصد الإسلامي من التخوف من هيمنة العمل الخيري الإسلامي على توجهات
الحركة الإسلامية، وشغلها من ثم عن أداء دورها في هداية الأمة وتحفيزها من أجل
الانبعاث الإسلامي الحضاري وفقًا لمشروع الحركة الإسلامية.
الدواعي
والمقتضيات
استدارة الحركة
الإسلامية للعمل في مجال العمل الخيري ليست ردة فعل لعدم كسب الجولة في الإطار
السياسي، وإنما أوجبتها مقتضيات دعوية وحياتية، فالدعوة الإسلامية تتصف أساسًا
بأنها دعوة خير ورحمة، جاءت للبشرية لتخرجها من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا
والآخرة، ومن ظلم العباد إلى عدالة الإسلام. هذا الميثاق مركوز في أدبيات وأذهان
الدعاة والحركيين، وكان لا بد أن يأخذ سبيله إلى التنفيذ في واقع الحياة عندما
اشتدت الحاجة إليه.
فالمسلمون في
أصقاع المعمورة اعتورتهم المآسي، وتكالبت عليها أطماع الأشرار، ولم يعد في قصعتهم
ما يكفي لتداعي الأكلة عليها، فالفيضانات تفترس المسلمين في الهند وبنغلاديش
والسودان، والمجاعات والجفاف يسري في أوصال إريتريا وتشاد وملاوي، واليهود يعيثون
فسادًا في لبنان وفلسطين. والحال هذه كان لا بد أن تتصدى الحركة الإسلامية من أجل
إغاثة الملهوف وإشباع الجياع، والمساعدة في الاستشفاء وبناء المدارس؛ حتى لا يبقى
الجوع والمرض والجهل عنوان المسلمين الثابت. فانتشرت الهيئات والمنظمات الخيرية في
الكويت والسعودية والسودان والإمارات وغيرها. غير أن الدوافع ما زالت أكبر من
الحاجة والفاقة التي ألمت بديار المسلمين، بل إن تلك المآسي فتحت الباب على
مصراعيه لمآسي الاستقطاب للمؤسسات الكنسية وأدوات التنصير، وكان الجو ملائمًا لكي
تحكم الكنيسة قبضتها، وتمدد نشاطها السياسي والثقافي في الأوساط العليا والدنيا،
وتستنجد في ذلك بالمنظمات المسماة بالدولية. والمعلوم أن الكنيسة كانت سباقة في
استغلال الظروف المأساوية للمسلمين؛ حتى تبث أسباب الفرقة، وتزرع مؤسسات التبشير،
وتضغط على الحكومات بواسطة وكالات الإغاثة الدولية من أجل تمرير سياسات معينة تخدم
في خاتمة المطاف نهجها في زعزعة العقيدة، وخلق جيل شديد الحساسية تجاه الحضارة
الإسلامية وأطروحاتها. وفي ذات الوقت شديد الميل تجاه إفرازات الحضارة الأوروبية
الاستهلاكية. ويعد تصدي الحركة الإسلامية للعمل الخيري تحديًا واضحًا لأساليب
العمل الكنسي في أوساط المسلمين بعد أن كان الميدان خاليًا لاستفراد الكنيسة، مما
أوقف تنامي أعمال التنصير، وكان كسب المسلمين بذلك كبيرًا، بالإضافة إلى أن العمل
الإسلامي أزال الظلمة عن أعداد غفيرة من المسيحيين والوثنيين، وفتح لهم أبواب
الخير بالدخول في الإسلام.
وهكذا شكلت
الدوافع الدعوية والحياتية قنوات العمل الخيري، وأضفت عليه موجباتها ومقتضياته،
غير أن العمل الخيري له محاذير في نظر البعض على الأقل!
الموازنة
الحركة
الإسلامية نتاج عدة مدارس لها تفرداتها في الموازين والقيم، كما لها اختياراتها في
الاجتهادات الحركية؛ غير أن العمل الإسلامي ليس مقيدًا بمدرسة بعينها، وإنما
يستهدي بأكثر الاجتهادات تناسبًا مع مقاصد الشرع ونصوص الكتاب والسنة القطعية، مع
الاستئناس بالتجارب الإسلامية على مدى الأزمنة. وفي هذا الإطار برزت في فترات
سابقة مدرسة العمل الإسلامي الانقلابي ذي الملامح الجذرية التغيير، وليس ذلك فحسب،
وإنما بدا أن تلك المدرسة تأبى الانشغال بالمداخل الإصلاحية، ولما كان ذلك مناسبًا
في ظروف سياسية معينة؛ فإن دواعي المراجعات أثبتت أن الخير ليس مقصورًا على مفردات
المفاصلة المجتمعية، ومن هنا انطلقت الدعوة إلى فتح سبل الخير وإصلاح أحوال
المسلمين، وأثبتت الأيام - وفي أمد وجيز - أن الدعوة كسبت في مجال العمل الخيري
والإصلاحي مكاسب قيمة، وانفتحت أمامها سبل التعامل مع التجمعات البشرية بصورة
طيبة، وأكثر من ذلك بدأت خطوات التجسير مع الأنظمة والحكومات تأخذ منحى آخر، بعد
أن خففت الحركة الإسلامية من اندفاعها السياسي المعارض، وكان لهذه التوجهات آثار
عديدة. فالانفتاح المجتمعي وسلوك سبل الإصلاح أتاح الفرصة لكثير من المسلمين غير
المرتبطين بالحركة الإسلامية إلى الإسهام في العمل الخيري، والانضمام من ثم
لمؤسساته، كما أن العمل الخيري الإسلامي يشكل رافدًا إنجازيًّا جيدًا لبعض
الحكومات، مما جعل تشجيع الحكومات له مدخلًا آخر يجعل الحركة الإسلامية شديدة
الحرص على تلك العلاقة، بل إن بعض الأنظمة أرادت أن يكون حجم الحركة الإسلامية
مقتصرًا على العمل الخيري - باعتباره منحى انصرافيًّا - حتى تأمن تبعات النشاط
السياسي - كما فعل جعفر النميري مع الحركة الإسلامية السودانية - بيد أن الحركة
الإسلامية السودانية كانت أكبر من حصرها في زاوية واحدة مهما كانت سعتها. تبقى
الموازنة بين النشاط المبدئي والدعوي للحركة الإسلامية، وقنواته السياسية
والثقافية والاجتماعية من جانب، والعمل الخيري ومؤسساته وعلاقاته الاجتماعية
والسياسية أيضًا. وهي موازنة تظل درجة الزوايا فيها حرجة كلما كانت الأنظمة شديدة
التطرف في تعاملها مع الحركة الإسلامية، مع تقليل فرص التعامل بين الحركة والنظام،
وتنفرج الزاوية كلما كان النظام معتدلًا في تعامله مع الإسلام والتيار الإسلامي،
وفي هذه الحالة الأخيرة يبقى العمل الخيري مجالًا مفضلًا نظرًا للتقارب النسبي بين
الاعتدال الحكومي والتيار الإسلامي.
والمحذور هنا
يبدو في استمراء حالة الاسترخاء، مما يولد الترهل مع الحركة، ويجعل درجات
الاستعداد الحركي ضئيلة مقارنة مع منطلقات الدعوة، وهو محذور لا يتضح إلا إذا
انقلبت العلاقة بين النظام والتيار الإسلامي.
المستقبل
إن مستقبل العمل
الخيري الإسلامي يتضح من خلال فترة الممارسة القصيرة نسبيًا، وما أفرزته من نجاح
واسع وثقل كبير لدى الحكومات المصدرة للخير والمستقبلة له، وكما يتضح ذلك من
التطور السريع للمؤسسات الخيرية حتى شكلت دوائر لها وزنها داخل المجتمع الإسلامي.
وحتى تبقى إشراقة العمل الخيري على وتيرتها تلك، لا بد من أخذ أسباب التطوير
المؤسسي إذكاءً لاستمرارية متقدمة، ومن أوائل تلك الأسباب ربط العمل الخيري بتنمية
أوضاع المسلمين ومتلقي الأعمال الخيرية، ورفع الوعي لدى المسلمين مما يجعل العمل
الخيري ذا مشاريع دائمة في عوائدها ومدخلاتها، واستثمار سبل تنمية تلك المشاريع
بصورة علمية وموضوعية، سيما وأن العمل الإغاثي عمل وقتي، ويصبح مع الزمن مدخلًا
للاتكالية، وهو نهج تتبعه الكنيسة حتى يبقى المتنصرون عالة يتكففون
"صدقاتها".
ولعل الفائدة
تكمن في تعليم الناس الحرف بدلًا من إعطائهم المنح، هذا من جانب، ومن جانب آخر لا
بد للمؤسسات الخيرية من مجلس تنسيق عالٍ، يقوم بوضع الخطط المستقبلية والطويلة
الأمد؛ حتى تكون النتائج على مستوى المشاكل. وعمومًا فإن العمل الخيري عمل مبارك؛
لأنه إحساس بحاجة المسلمين، "فالله في عون العبد ما دام العبد في عون
أخيه"، و"من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته" كما جاء في
الآثار النبوية، ويبقى عدم الكمال فيه من نقص الإنسان في إدراك الكمال.