العنوان الحركة الإسلامية المعاصرة الوجه الآخر من الصورة
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1982
مشاهدات 36
نشر في العدد 589
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 05-أكتوبر-1982
يمكن القول: إن هناك حالتين من الفهم حول الحركة الإسلامية المعاصرة الأولى تتسم بنوازع العداء والكراهية، مع الوعي «الشديد» بأبعاد الحركة وتأثيراتها في شتى بقاع العالم الإسلامي، بل وفي خارجه أيضًا.. والثانية تتميز بنوع من الإخلاص والمودة ولكنها تقع تحت تأثير الدعاية المضادة والمعادية للإسلام والمسلمين.
والمسلم المعاصر يهمه بالدرجة الأولى أن يكسب إلى جانبه أولئك الذين يملكون الإخلاص والمودة، وإن كان يحرص في الوقت نفسه على تصحيح «حالة الفهم» لديهم بشتى السبل والإمكانات المتاحة.. ويعلم القارئ أن الذين يتحركون بدوافع العداء والكراهية لا يمكن -في الوقت الراهن على الأقل- أن يستجيبوا لنداء العقل والموضوعية والمنطق السليم. ومن ثم فإن إهدار الوقت مع هؤلاء لن يجدي فتيلًا، ولن يؤتى ثمرة ناضجة.
وقد ثارت في الآونة الأخيرة بسبب ما تلقاه الحركة الإسلامية وما تواجهه -عدة تساؤلات وتحفظات وانتقادات لمسيرة الحركة وخطواتها. ومن جانب الذين يعيشون «حالة الفهم» من النوع الثاني.. ويمكن إجمال المآخذ التي جلبت إشفاقهم في النقاط التالية:
١- أن هناك نكسة في الحركة الإسلامية -الإخوان المسلمين بالذات- بسبب خطأ في الفكر والتطبيق.
٢- أن السبب الرئيس في هذه النكسة هو التصادم مع السلطات الحاكمة لتغيير أنظمة الحكم بالقوة وتشكيل خلايا مسلحة.
٣- وقعت الحركة الإسلامية في فخ الصدام بسبب ما كتبه الأستاذ «سيد قطب» في كتابه الشهير «معالم في الطريق» حول القوة والجهاد.
٤- إهمال الجانب التربوي والتركيز على الجانب السياسي والاندفاع نحو الاغتيالات والعنف.
٥- أبرز الأمثلة على الانتكاس ما جرى للحركة الإسلامية في سورية ومصر.
وأصحاب هذه المآخذ يطرحون الحل الأمثل لنجاح الحركة الإسلامية على النحو التالي:
«على الحركة الإسلامية أن تتوجه نحو العمل التربوي الإسلامي باعتباره الممكن الوحيد للتغيير على المدى الطويل، حيث تتحول القاعدة العريضة من الناس إلى مجتمع مسلم يفرض وجوده على الجميع، وعندئذ تصبح القوة -وفق تصورهم- لا مجال لها.. فسوف يكون الحاكم مسلمًا، والمجتمع مسلمًا، و«الأسلمة» تشمل جميع معالم الدولة».
«وينبغي أن تتجه الحركة الإسلامية إلى ميدان الجهاد الحقيقي لاسترداد الأرض ليمكن بعدئذ بناء المجتمع المسلم المنشود».
هذه هي خلاصة التصور الذي يراه أولئك الذين يحملون المودة والإخلاص للحركة الإسلامية المعاصرة، ويهدفون من ورائه إلى سلامة الحركة ونهضتها وازدهارها.. ولا بأس -بل يجب- أن يقوم المخلصون دائمًا بتقويم ما يرونه محتاجًا للتقويم في إطار من الرحابة والسماحة.
وأمام السيل الهادر لأجهزة الدعاية في العالم المعادي للإسلام -وتبعية أجهزة الإعلام في العالم العربي لها -لا يستطيع المرء أن ينكر تأثير أصحاب هذا التصور بتلك الأجهزة، وما تبثه ليلًا ونهارًا حول طبيعة الحركة الإسلامية المعاصرة وسلوكها وأهدافها.. ويمكن في هذه الظروف أن نقول بأن هنالك أزمة مصطلحات عند الحديث عن الحركة الإسلامية المعاصرة، فضلًا عن ترديد المغالطات التي أصبحت من كثرة التردد وكأنها حقائق لا تقبل الجدل ولا النقاش.
الحركة والمآخذ التي يتصورها بعض الناس حقيقة بسبب الإعلام المغلوط:
ولضيق المجال وكثرة القضايا التي تحتاج إلى معالجة، فإن الإيجاز سوف يكون سبيل السطور التالية حول الحركة ومآخذ البعض وتصوراتهم حولها.
ويبدو أن إطلاق صفة «الإخوان المسلمين» على الحركة الإسلامية صار عرفًا إعلاميًا -إن صح التعبير- صنعته الدعاية الغربية وسارت على نهجه الدعاية العربية، باعتبار أن تنظيم الإخوان كان أكبر التنظيمات الإسلامية في طول العالم الإسلامي وعرضه. وإن كنا في الآونة الأخيرة قد سمعنا بأسماء أخرى يطلقها الإعلام على كل مسلم يتمسك بإسلامه ويؤمن به عن يقين مثل: المسلمون المتطرفون -الجماعات الإسلامية -المسلمون الحنفاء –المسلمون المتعصبون -المسلمون الخمينيون - التكفير والهجرة -الإرهابيون المسلمون..
وواضح أن هذه التسميات، قد أطلقت بذكاء، لترسب في وجدان الشعوب الإسلامية وغيرها أن الإسلام يرتبط بكل ما هو مناف للإنسانية والرحمة والموضوعية والعلم...
وإذا افترضنا أن فردًا مسلمًا أو مجموعة أفرادها من المسلمين، قد قاموا بعمل غير قانوني، فلا يجب أن نفترض أن هناك نوعية كبرى تضم هذه المجموعة أو ذلك الفرد.. ونحن نرى ونسمع كل يوم كثيرًا من الأفراد والجماعات في أوروبا وأمريكا يقومون بعمليات إرهابية على نطاق واسع ضد المجتمع أو الحكومة، ولا يطلق عليها أحد صفة دينية.. فلم نسمع عن وصف «الألوية الحمراء» بالمسيحية أو «الباسك» بالمسيحية، أو منظمة «أيوكا» بالمسيحية.
وإذا انتقلنا من التبعية التي فرضت نفسها على البعض في مجال المصطلحات، فإننا نجد هذه التبعية تفرض نفسها في مجال المفاهيم أيضًا لتقرر بأن هناك «نكسة» بسبب أخطاء الفكر والتطبيق.
ونحن لا نستطيع أن ندافع عن أحد، ونقول بأنه لا يخطئ، فما أكثر الأخطاء والخطايا في هذا الزمان، وفي كل زمان - ولكننا لا نفهم المقصود بمعنى «نكسة». فإذا كان المقصود هو القبض على عشرات المئات من الشباب المسلم وإدخاله في القيعان المظلمة بقصد غسل مخه. وسلب إرادته وإعادته إلى الدائرة الجهنمية مرة أخرى.. فهذه ليست نكسة، ولكنها امتحان ينجح فيه الصادقون ويسقط الأدعياء وضعاف النفوس، وإذا كان المقصود بالنكسة هو إعدام ألف مسلم من خيرة أبناء المسلمين علمًا وخبرة فهذه ليست نكسة، ولكنها «شهادة»، وينبغي على الأحياء ألا يجعلوها شهادة مجانية، خاصة إذا قام بالإعدام نظام ينتمي إلى طائفة كافرة فعلًا وسلوكًا وفكرًا وتصورًا، كما أفتى بذلك الإمام ابن تيمية:
البقاء للحق شاء الطغاة أم أبوا.
إننا إذا افترضنا أن التضحيات التي تقدمها طلائع المسلمين نكسات ينبغي ألا تحدث، فإننا بذلك نلقي جانبًا أساسيًا في التصور الإسلامي، ونهدم جدارًا قويًا في الوجود الإسلامي ذاته، ألم يكن من الأجدر وفقًا لهذه المقولة -أن يتراجع الإمام أحمد بن حنبل وسعيد بن جبير والعز بن عبد السلام، وغيرهم من أئمة المسلمين ودعاتهم، لما يرتضيه حكام أزمنتهم، فينعمون بالأمن والأمان والمناصب والدراهم؟
إن ما جرى ويجري وسوف يجري، مهما كانت قسوته وضراوته، لا بد أن يتمخض عن ثمرة طيبة في النهاية. لأن الحق هو الذي ينتصر مهما طال الزمان، وقد ذهب الطغاة إلى حيث يحق عليهم القول، وبقي الأطهار في وجدان الناس جيلًا بعد جيل مثالًا للشرف والسلوك الإسلامي الظافر.
ونظرة بسيطة إلى ما جرى مؤخرًا في مصر المسلمة يبين إلى أي حد كانت النتيجة انتصارًا للدعوة الإسلامية.. ولعل ذلك ما دفع بأحد السياسيين المصريين الذين اعتقلوا مؤخرًا إلى القول بأنه كان لا بد أن يحدث ما حدث لكي تستيقظ الدنيا بما فيها الشعب المصري على المحنة التي يعيشها المصريون!!
حقًا، لقد دفع الإسلاميون الثمن، ولكنه ثمن بسيط أمام النتيجة التي فرضت على الجميع أن يستشعروا الخطر الداهم الذي يصنعه نظام جعل كل همه محاربة كلمة الله وموالاة أعداء الله ومن ثم.. كان الاعتراف بالجريمة واضحًا.. وها نحن نرى أبعاد الجريمة تتكشف مع مطلع كل صباح.
دعاة لا قضاة:
إننا إذا اعتبرنا التضحيات التي تدفعها الحركة الإسلامية «نكسة»، فإنه ينبغي أن نسلم للطغاة، بكل ما يفعلون ويقولون.. وهذه لعمري جريمة لا تغفر.
ترى - بعد ذلك - هل هناك خطأ في الفكر والتطبيق؟
إن الحركة الإسلامية - في معظمها الأغلب - تدين بالقرآن والسنة، وتعتمد على إحياء الإسلام في النفوس والأفئدة. وكما أعلم. فإن أفراد هذه الحركة من خلال تنظيماتهم العديدة يمارسون سلوكيات إسلامية ناضجة تستهدي بسلوك السلف الصالح، وهم كما أعلم أيضًا -لا يلحون على الخلافات الفقهية أو التفسيرية، ويجنحون إلى القبول بما اتفقت عليه الأمة، وترك ما اختلفت فيه وحوله، للاجتهادات الخاصة، بحيث لا تؤثر على وحدة الجماعة، ويعلنون في كل مناسبة بأنهم «دعاة لا قضاة»، وأنهم يحققون دعوتهم من خلال العمل السلمي لتطبيق الشريعة الإسلامية وسيادة السلوك الإسلامي بين أفراد المجتمع.. ثم إنهم بعد ذلك يعبرون عن آرائهم علنًا ووفقًا للمنابر المتاحة دون لجوء إلى العمل تحت الأرض. فأي خطأ في هذا؟
إن محاولة تعميم الحكم الذي يصدر ضد بعض الأفراد أو المجموعات على حركة إسلامية عريضة محاولة غير موفقة، فضلًا عن مجافاتها لمنطق العدل والموضوعية.
قد ينفرد فرد أو مجموعة صغيرة ببعض التصورات أو السلوكيات، ولكن الأصح إذا كانت النيات في الحكام تحمل أدنى قدر من الحياد -أن يؤاخذ كل الناس الذين يتمسكون بدينهم بما يفعله فرد أو تمارسه مجموعة. ولكن ما أبعد الفارق بين الذين يبتغون الإنصاف وأولئك الذين يأخذون الناس بالشبهة؟