; الحركة الإسلامية الإريترية المعاصرة.. المنهج والقيادة | مجلة المجتمع

العنوان الحركة الإسلامية الإريترية المعاصرة.. المنهج والقيادة

الكاتب أبو الرشيد

تاريخ النشر السبت 29-أغسطس-2009

مشاهدات 67

نشر في العدد 1867

نشر في الصفحة 16

السبت 29-أغسطس-2009

(*) داعية إريتري مقيم في لندن

تقع إريتريا في منطقة القرن الأفريقي كأنها ترقوة تطرز كتف القارة السمراء، وتُعد رئة ومتنفسًا للعالم العربي.. وقد شرف الله هذا البلد بهجرة الصحابة إليه؛ حيث وصل الإسلام إليها قبل المدينة المنورة، ويذكر المؤرخون مثلًا أن مسجد الإمام الشافعي في مدينة «مصوع» يعد أحد أقدم المساجد في القارة الأفريقية، وكانت سواحلها تُسمي «بلاد الطراز الإسلامي».

أسست في سبعينيات القرن الماضي على فكر الإخوان المسلمين

ساهم قادتها ومؤسسوها في مسيرة النضال الوطني وتعرضوا للسجن والنفي.. وقتل بعضهم وهو يؤدي واجبه.

تطور العمل الإسلامي هناك من «الرابطة الإسلامية» إلى «الحركة الإسلامية المعاصرة» إلى «منظمة الرواد المسلمين» وكان من أبرز قياداتها الشيخ محمد إسماعيل عبده.

وصل الإسلام إلى إريتريا قبل المدينة المنورة حيث شرفها الله بهجرة الصحابة إليها كما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها «أرض صدق»

شاركت الحركة الإسلامية مشاركة فعالة في الثورة الإريترية لكن التيار الماركسي كان ينتشر في تلك الفترة انتشار النار في الهشيم!

مسجد الإمام الشافعي في مدينة «مصوع» من أقدم المساجد في القارة الأفريقية

 

وتُعَدُّ إريتريا واحدة من أجمل البلدان الأفريقية، رغم معاناتها من وطأة الحروب التي اشتعلت فيها ولا تكاد تخمد، وهي حروب فرضت على شعبها ربما بسبب موقعها الاستراتيجي المتميز، الذي يطل على الجزيرة العربية حيث يمكن مشاهدة جبال مكة ووديانها من العاصمة «أسمرا» باستخدام المناظير المكبرة.. وقد وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها «أرض صدق»؛ فعُرف أهلها بصدق الحديث والثبات على المبادئ.

وكان وعي المسلمين في إريتريا مبكرًا جدًا بما يُحاك لأمتهم الإسلامية ولبلدهم فأسسوا في أربعينيات القرن الماضي حركة إسلامية تطلبتها ظروف وضرورات المرحلة آنذاك تحت اسم «الرابطة الإسلامية الإريترية»، وخاض قادتها معارك سياسية ناجحة لحفظ وحدة البلد وتحريره من المستعمر.

وبعد وأد الحركة الوليدة بعدة طرق ووسائل، منها تشريد قادتها واغتيال بعضهم سارع المسلمون بتأسيس «جبهة التحرير الإريترية» التي خاضت حروبًا طويلة من أجل تحرير البلد، وكان ضمن مَنْ شيّدوا بناء الثورة الوليدة شباب مسلم طاهر متدين نشأ في أحضان جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر والسودان وغيرها، وعلى رأسهم القائد المجاهد الجسور الشهيد «سعيد حسين»، الذي قاتل في فلسطين ضمن كتائب المتطوعين التي كانت تقاتل اليهود هناك، وعندما تم الغدر بتلك الكتائب أبعد إلى بلده فالتحق بالثورة الإريترية مباشرة، وكان من أبرز قادتها الشجعان، أمثال: «محمد إسماعيل عبده» يرحمه الله، و«حامد صالح تركي» أمد الله في عمره.

مبادئ وقادة

أُسست الحركة الإسلامية المعاصرة في بداية سبعينيات القرن الماضي على يد ثلة من الشباب الغيور على دينه، وعلى رأسهم الشاعر والأديب «د. صالح علي صالح» - يرحمه الله - وإخوانه.. وقد جعلت الحركة منهجها الفكري مستندًا إلى الجماعة الأم (الإخوان المسلمين) التي نهلوا من منهجها وتربوا على أيدي مشايخها، ولم يفتهم أن يصبغوها بخصوصيات وطنهم ومتطلباته، فمضوا بها حركة راشدة تبني النفوس، وتقوم الأخلاق، وتمكن العقيدة السليمة، وتسعى لرفعة البلد وتحافظ على ثوابته. كما احتوت الحركة القادة الكبار الذين ساهموا في مسيرة النضال الوطني تأسيسًا وبناء وتنظيرًا وجهادًا وتضحية، وقد كان هؤلاء القادة قد تعرضوا للتضييق عليهم والاضطهاد والسجن والنفي، بل إن بعضهم قتل وهو يؤدي واجبه النضالي والدعوي، على أيدي عناصر تابعين لـ «حزب العمل الإريتري» الذي كان أتباعه يتبنون الفكر الماركسي، ولم يكن لهم ذنب اقترفوه إلا محاولة إصلاح الفساد الذي نخر في نخاع الثورة، وتمكن في مفاصلها، وذلك بفعل العناصر التي تبنت المنهج الماركسي.

وقد بذل هؤلاء المصلحون جهودًا مضنية للحفاظ على الثورة؛ منهجًا وفكرًا، وصمودًا بحمل البندقية.. ولكن التيار الماركسي كان في تلك الفترة ينتشر انتشار النار في الهشيم، وما كان منهم إلا القيام بإقصاء كل مَنْ عداهم.

وعندما يأس الشيوخ من إصلاح «جبهة التحرير» من الداخل، وإرجاعها إلى مسارها الذي حادت عنه أسسوا «منظمة الرواد المسلمين الإريترية» كأول تنظيم إسلامي سياسي يظهر في الساحة الإريترية بعد التجربة الأولى مع «حزب الرابطة الإسلامية» في فترة الأربعينيات.

واستطاعت الحركة الوليدة – بفضل - الله تعالى وتوفيقه، ثم بحسن تنظيمها أن تجتذب في وقت وجيز عددا هائلا من الشباب المسلم المثقف الواعي، والمثقل بهموم وطنه وشعبه.

وتنقلت الحركة الإسلامية عبر ومراحل، بدءًا من مرحلة التأسيس، مرورًا بمرحلة البناء، ثم وصولًا إلى مرحلة الانفتاح.. وتعد الحركة اليوم في قمة نضوجها الفكري والسياسي والشعبي، وفي قمة تماسكها التنظيمي.. وقد حملت في كل مرحلة اسما يناسب ظروفها ومتطلباتها؛ فهو في المرحلة السرية «حركة»، وفي مرحلة التأسيس «رواد»، وفي مرحلة الانفتاح «جهاد»، وفي مرحلتها الحالية - وهي تتأهب لحكم بلدها - «حزب إسلامي» شعاره العدالة والتنمية.

رحيل القادة والمؤسسين

فقدت الحركة الإسلامية منذ تأسيسها عددًا من كوادرها وقادتها ومشايخها الذين كان لهم الأثر الطيب في مسيرة الحركة وبنائها وتأسيسها، نسأل الله أن يتقبلهم في الصالحين، كما عانى - ولا يزال - عدد هائل من مشايخها ودعاتها محنة السجن وقسوة السجانين ومرارة الحرمان من غير ذنب جنوه، ولكنها سنة الأنبياء ومسيرة الرسل وطريق العبودية المليء بالمكاره والمحاط بالأشواك.

وقد فقدت الحركة الإسلامية الإريترية في الأول من أكتوبر ٢٠٠٨م العابد الزاهد الشيخ «محمد إسماعيل عبده» (أبو نوال) رئيس مجلس شورى «الحزب الإسلامي الإريتري للعدالة والتنمية»، الذي كانت رؤيته تسرُّ العيون، وتسعد القلوب.. ومن حق المسلمين في العالم أن يعرفوا شيئًا عن هذا الرجل القدوة، فما أحوج أمتنا اليوم إلى أن تتطلع إلى سير العظماء، وتقتبس من نبراسهم، وتمضي على دربهم.

وكان الشيخ «محمد إسماعيل عبده» رجلًا صالحًا (نحسبه كذلك والله حسيبه) وقد تتلمذ على أيدي مشايخ الدعوة الأولى، وعلى رأسهم الشيخ المجدّد، مفجر الصحوة الإسلامية المعاصرة الإمام الشهيد الشيخ «حسن البنا»؛ حيث كان الشيخ «أبو نوال» يحرص على حضور درسه المعروف «حديث الثلاثاء».

وقد انتظم الشيخ إسماعيل عبده» في سلك الدعوة الإسلامية بمصر وهو طالب على أرضها، ومعه ثلة من الشباب الإريتري، ولما تم التضييق على الدعوة وزج بأتباعها في السجون والمعتقلات أصبح مستحيلًا على الطلاب الوافدين الاتصال بإخوانهم، المصريين ووقتها كانت تلوح في الأفق إرهاصات الثورة الإريترية، فما كان منهم إلا أن التحقوا برجالها يدعون إلى الله ويجاهدون في صفوفهم.

وتقلد فيها الشيخ «أبو نوال» مناصب عديدة من أشهرها مسؤول محكمة الاستئناف العليا، التي جعل عملها موافقًا للشريعة الإسلامية؛ مما فتح عليه هجومًا قاسيًا من العناصر العلمانية التي كانت تسعى لإبعاد الدين عن الثورة الإريترية وعن الشعب الإريتري برمته، ولكنه تحمل كل ذلك بصبر فقد كان رجلًا لا تستفزه أقاويل ولا تزعجه أراجيف ولا توقفه الصخور الرواسي وكان صاحب همة فريدة وصدر واسع وصبر جميل، لا تكبحه عن مقاصده قيود الأرض ولا صيحات المثبطين ولا نداء العاجزين ولا يلتفت إلى صغائر الأمور. وكان يغضب ويحمر وجهه إذا رأى انحرافًا أو اعوجاجًا مقصودًا ولا يهدأ له بال حتى تسير الأمور عجيب في مساراتها وتوافق طبيعتها وفطرتها.


 

طهارة ونقاء

عُرف الشيخ «محمد إسماعيل عبده» بالورع والزهد وطهارة اليد، وقد شهد له بذلك كل المواقع التي شغلها – سواء في الثورة الإريترية التي تقلد فيها أعلى المناصب القيادية، أو الحركة الإسلامية التي كان قائدها وشيخها و«مراقبها العام» - وشهد له الجميع بأن كل قرش كان يُعطى لشخصه في أية زيارة كان يضمه إلى صندوق العمل العام.

كان زاهدًا ورعًا لا يسأل الناس، وإذا ضاق الحال كان يُخرج في سبيل الله ما بقي له في بيته، وقد مرّ به في حياته هو وأسرته جوع وعطش وحرمان كان الناس يحبونه ويعطونه الأموال من أجل العمل ومن أجله، فلا يتناول منها شيئًا وهو في أشد الحاجة إليها، لله درك يا أبا نوال.

لذة العبادة ونشوة القلب: كان الشيخ التأثر «محمد إسماعيل عبده» رجلًا روحانيًا حاضر الدمعة رقيق القلب سريع بكلام الله عاشقا لقيام الليل متيما بحب کتاب الله، وكان قليلا ما يهجع من ليله؛ فهو كثير الاستغفار والإنابة شديد الخوف من ذنوبه.

ذات مرة صلينا الفجر سويًا في مكان ما، وبعد الصلاة قلتُ خاطرة صغيرة لا أذكر موضوعها الآن، فرأيت الشيخ يخفي دموعه ويمسحها بطرف ثوبه، وكان شديد الحياء يكره المعاصي ويحب الطيبات، وقد ألجم لسانه عن ذكر معايب الناس.. وكان يحب الثناء على الناس بما فيهم من فعل الخير ويشجعهم على الالتزام بالدين، وقد أورثته عبادته لله وانقطاعه له حب الناس وحلاوة اللسان ونور الوجه وضياء القلب، فكان وجهه يتهلل نورا ومجلسه يشع خيرا، فكان كلامه قليلًا ولكن تأثيره كان عميقًا، وخطواته مباركة، ويومه مثمرًا لا يكل ولا يمل، حاضر البديهة قوي الذاكرة روحه شابة وطرفته حاضرة، لم يكن يأكل ملء بطنه، ولا يضحك ملء شدقيه، ولكنه كان يتبسم كأنه فلقة قمر يرحمه الله رحمة واسعة.

الشيخ والوقت

كان الشيخ «أبو نوال» يعرف قيمة الوقت ويتحكم فيه وينتفع به، وكان أشد الناس حرصا على ضبط، وقته، فتجده ينجز في يومه ما لا ينجزه عشرات الرجال وكان منضبطًا في مواعيده، ويحتفظ بوثائقه فهو إنسان مرتب في كل شيء؛ في ملبسه، وفي وقته وكلامه، وإذا وجد فراغا في وقته اغتنمه في قراءة القرآن والذكر، أو زيارة الإخوان والأقارب أو ترتيب الأوراق أو الجلوس مع الأبناء، وقد رزقه الله ذاكرة كأنه اقتبسها من شيخه «حسن البنا» (يرحم الله الجميع)، فكان تقريبًا يحفظ جميع أسماء أبناء الحركة، وأسماء قيادات الثورة وقيادات العمل الإسلامي في العالم سواء من قابله منهم ومن لم يقابله.

مرضه ورحيله: ولد الشيخ «محمد إسماعيل عبده» في مدينة «صنعفي»، وفيها بدأ تعليمه وانتقل منها إلى مصر طلبًا للعلم، ثم عاد إلى إريتريا، وبدأ يعمل سرًا في العاصمة «أسمرا» - وكانت في ذلك الوقت تحت الاحتلال الإثيوبي - على مساعدة الثورة، فلما حاول العدو القبض عليه لجأ إلى إثيوبيا ومنها إلى الميدان قائدًا ومقاتلًا وداعيًا ومربيًا.

وقد قبض عليه بتهمة العمل الإسلامي داخل الثورة الإريترية، وعُذِّب وحكم عليه بالإعدام، لكن أجل الله أجله فنجي، وظل يعمل سنوات طويلة بدون كلل ولا ملل حتى ترك الحركة الإسلامية، وقد اشتد عودها وقويت شوكتها وزاد أتباعها وانتشر منهجها.

وقد ختم الله للشيخ خير ختام، فقد يموت الإنسان على غير ما عاش عليه، وقد عاش الشيخ «محمد إسماعيل عبده» للدعوة، وفي السنوات الأخيرة تم اختياره مسؤولًا لمجلس الشورى في «الحزب الإسلامي الإريتري للعدالة والتنمية»، وكان قليل الحركة ففرّغ وقته لعشقه المتجدد تلاوة كتاب الله وحفظه بالكامل حفظًا متقنًا، ومواصلة قيام الليل مع كثرة.. العلل وقد صام شهر رمضان الماضي (١٤٢٩هــ / ٢٠٠٨م)، وصلى الفجر وشرع كعادته يقرأ ورده من أذكار الصباح، ثم تمدد وتجهز، ثم انتقل إلى رحمة الله.

ومن أراد التعرف على المزيد من سيرة الشيخ فليراجع المدوّنة التي أنشئت تحت عنوان: «مدوّنة الشيخ الراحل محمد إسماعيل عبده».. رحم الله مشايخنا جميعا.

السابق واللاحق

بعدما توفي الشيخ «محمد إسماعيل عبده» اختار الحزب مكانه أحد أعمدة العمل الإسلامي الإريتري وهو «د. صالح علي صالح» الأديب والشاعر والفقيه والمنظر وكان نعم الاختيار الموفق، ولكن كانت المفاجأة أن لحق الشيخ «صالح» سريعًا بشيخه محمد إسماعيل عبده «إنا لله وإنا إليه راجعون». «ود. صالح» من مؤسسي الحركة الإسلامية الإريترية، وسنعرف به إخوانه المسلمين في العالم في مقالة قادمة إن شاء الله تعالى.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2059

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 2

192

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟