العنوان الحركة الإسلامية بين التطرف والتفريط
الكاتب د. إسماعيل الشطي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-أكتوبر-1979
مشاهدات 80
نشر في العدد 456
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 23-أكتوبر-1979
سعة الاطلاع على العلوم الإسلامية لا تكفي أن ترفع المرء إلى رتبة الاجتهاد
فهم الكتاب والسنة ليس عملية مطلقة بلا قيود ولا ضوابط
- التطرف والتفريط ليسا حديثا عهد بالحركة الإسلامية.. هما كالدمامل والبثور تشوهان وجه الحركة الوضاء.. وتظهران في فترات متناثرة في التاريخ.. وإجراؤها الاضطرابات والفتن.. وأول عهدهما بالدعوة الإسلامية عهد تلك الاضطرابات التي برزت بعد مقتل الخليفة الإمام عثمان بن عفان، وتلك الفتن التي صاحبت الشهيد علي بن أبي طالب.
تطرفت فئات كالخوارج.. وغالت فئات كالرافضة.. وفرطت فئات كالمرجئة، واليوم.. في عصرنا المجنون.. المليء بعواصف الفتن.. في قرننا العشرين.. ظهرت مجموعات مختلفة يتجاذبها طرفي التطرف والتفريط.. حيث الأجواء ملائمة جدًا لظهور تلك الدمامل من جديد.. غلو وتهور.. تفرق وشتات.. خصومات ونزاع.
أمام كل هذا تقف تلك المجموعات عند قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إلا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة.. وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين.. اثنتان وسبعون في النار.. وواحدة في الجنة» «صحيح».. وهنا كل مجموعة تستدل بأنها هي الواحدة والبقية هم الاثنتان والسبعون.. إنها هي الفرقة الناجية.
ونحن أمام تلك الظواهر الموبوءة.. سنستعرض نماذج لتلك الجماعات التي تعمل في الساحة اليوم.. سنتحدث عن مناهجها الفكرية وأساليبها الحركية.. ونتناولها بشيء متواضع من التحليل.
المتطرفون:
وهم يتفاوتون في تطرفهم بدرجات.. فمنهم من يرى نفسه على الحق.. ويرى غيره على الباطل.. يری أن مجموعته هي جماعة المسلمين، وبقية الخلق كفار ضلال.. ومنهم من يرى أن ما عليه هو الحق النقي الواضح.. وأن حركته على منهاج النبوة.. ويرى في الآخرين الخلط واللبس والغبش.. وأن حركة غيره سذاجة وعفوية..
وآخرون استلوا بعض المذاهب الكلامية من خضم الخلافات التراثية.. وجعلوها العقيدة التي يفاضل عليها الخلق.. فمن كان عليها فهو من الفرقة الناجية.. ومن كان على خلافها فهو ضال زائغ عن الحق.. وهناك من كفر بالجاهلية الحديثة وبجميع منجزاتها، كفر بأساليب الحياة ومظاهر المدنية والتكنولوجيا الحديثة.. بل كفر بالعصر كله واعتبره عصر آخر الزمان.. آخر أيام الإنسان.. زمن ظهور الدجال والمهدي والمسيح.. ودعا إلى نبذ المدن والهروب إلى الصحراء.. وإلى شعب من الشعاب للعض على شجرة..
مجموعة شكري
وهي تمثل الصورة الأولى من التطرف.. أولئك الذين يعتبرون أنفسهم جماعة المسلمين ولا يعدون سواهم في الإسلام.. كان أميرهم «شكري مصطفى عبد العال» -غفر الله له-.. كان شابًا في منتصف الثلاثينات.. مهندس زراعي.. خريج جامعة أسيوط.. متزوج وابنه الأول يحيى.. بدأ اهتمامه الإسلامي داخل صفوف الإخوان المسلمين.. دخل السجن مع من دخل.. وأمام موقف المنهزمين والضعفاء تطرف شكري في آرائه.. ساعده على ذلك حدة في طبعه وفوران غضبه.. كما ساعده على ذلك حده في طبعه.. كما ساعده على ذلك الرفض المطلق لجميع فئات الإخوان لمنهجه الفكري في فهم الإسلام.. لم يوافقه سوی أشخاص معدودون في السجن.. لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة.. وأبرز من كان معه الشيخ علي إسماعيل -شقيق الشهيد عبد الفتاح إسماعيل رحمة الله عليهما- الذي تراجع فيما بعد.. بل إن علي إسماعيل -كما كان يقول- إنه هو أول من بدأ يغرس هذه الأفكار لدى شكري.. زاد من إصرار شكري على الصمود عدة أمور:
1- المواقف المتردية لبعض الإسلاميين المعتقلين التي تمثلث في تأييدات لعبد الناصر.. تأييدات تكتب بالدماء التي تستخرج من شرايينهم.. تأييدات تحوي عبارات صريحة الضلال كالكفر بمبادئ الجماعات الإسلامية، والإیمان بمبادئ عبد الناصر!
٢- مجموعة النصوص التي تحث القلة على الصمود أمام الكثرة.. وتبين أن أهل الحق دائمًا قلة.. وأن الجماهير تستنكر دعوة أهل الحق.. مع الحرب الضارية التي شنها المنهزمون على شكري.. وهذا ما أوجد ردة فعل عنيفة لدى شكري.
3- الجو الإرهابي المكفهر الذي كان يخيم على أروقة السجون.. والجو المغلق الملتهب بالاحتكاك المستمر.. والخصومة المتدافعة.
4- تبني إدارة السجن الحرب على شكري والآخرين الذين ثبتوا.. فقد كانت إدارة السجن تضع هؤلاء في زنازين فردية.. وتحرمهم من كثير الضروريات.. بل من العادات اليومية الحيوية.. وأحيانا تكدسهم في عنبر واحد ضيق لا يجد المرء فيه مكانًا للنوم.
5- تعاون مجموعة من الإسلاميين المنهزمين مع إدارة السجن في محاربة شكري والآخرين، الذين ثبتوا طمعًا في أن ينهزم من ثبت، وتتحد المواقف تحت إطار الانهزاميين.. كان التعاون حمل صورة التجسس وكتابة التقارير.
يقول أحد الصحافيين الذين دخلوا المعتقل مع الإسلاميين بسبب معارضتهم للنظام.. وتولى هذا الصحافي مهمة في إدارة عبد الناصر: يقول لي هؤلاء النوع من الناس كانوا يسمون «خباصون».. وكان يعجبني أولئك الثابتين، وكنت أصرخ في «الخباصين» عندما أراهم يعبثون في حاجيات الثابتين بالعبارة الآتية «يسقط الهزاهز ويعيش الهزبر».
كل هذه الظروف جعلت شكري يصنف كل من خاصمه واختلف معه تصنيفًا واحدًا وهو الكفر.. لم يستثن من ذلك أحدًا.. حتى المرشد حسن الهضيبي -رحمة الله عليه- الذي كان يمثل الأبوة للجميع.. وحتى الأستاذ محمد قطب الذي كان يمثل السمت والوقار والاعتدال.
والحقيقة التي لا بد من قولها إن شكري لم يكن ضحل الثقافة الإسلامية.. ولم يكن قليل الاطلاع كما أشاع عنه خصومه.. كان يحفظ أجزاء كبيرة من القرآن.. وكان ملمًا باللغة العربية.. لقد كان شاعرًا مجيدًا.. تطرفه دفعه لتقليب كتب العقيدة والكلام.. ومطالعة كتب التفسير والحديث، والاستفادة من أسلوب المجادلات الكلامية في دحض الحجج وتأييد الأفكار بالأدلة والنصوص.. كما أنه خريج جامعي ذو تخصص علمي تكنولوجي.. وأذكر أنه كان يحفظ أدلته كلها بالنص.. ويرجعك إلى الصفحات وأرقامها أحيانًا.
ومع هذا لا بد من تقرير حقيقة.. وهي أن سعة الاطلاع على العلوم الإسلامية لا تكفي أن ترفع المرء إلى رتبة الاجتهاد، فالمجتهد لا بد أن يتلقى أساسيات الاجتهاد بصورة أكاديمية منسقة مرتبة على أيدي شيوخ الاختصاص.. مع اعتبار سعة الاطلاع أحد أهم أساسيات الاجتهاد.. هذا ما درجت عليه الأمة منذ أن كان كل مسجد وجامع يمثل جامعة أكاديمية.. خلاصة القول: لقد كان شكري -رحمه الله وغفر له- يمثل العصبية في المزاج والتفكير.. ويمثل الاندفاع في التطرف بصورة تتلاشى معها كل محاولات التهدئة والإيقاف.
أصول التطرف عندهم:
إن النتائج التي توصل إليها شكري خلال الظروف الساحقة التي مر بها في السجن.. وخلال الحوادث والملابسات التي توالت بكآبتها وقسوتها عليه.. هذه النتائج كانت تصطدم في كثير من الأحيان مع منهج أهل السنة والجماعة.. مع الأصول التي اتفق عليها السلف في استنباط الأحكام.. فاضطر شكري إلى تبديل علم الأصول بصورة لا تصطدم مع منهجه.. وخطأ جمهور الأصوليين في كثير من قواعدهم التي قعدوها على مر السنين كمفاتيح لاستنباط الأحكام من ناحية.. ومن ناحية أخرى كضوابط شرعية احترازًا من الفوضى في الفهم.. والتخبط في الاستنباط.. وسنتحدث عن بعض أبرز ملامح التبديل عند شكري:
مصادر التشريع:
مصادر التشريع عند شكري هي القرآن والسنة فقط دون اعتبار الإجماع والقياس.. ناهيك عن المصالح المرسلة والعرف والاستحسان والاستصحاب وغيرها.. فبالرغم من أن أهل السنة تكلموا في الإجماع إلا أنهم متفقون على أن هناك أمور أقرت بالإجماع، كجمع القرآن وتشكيله..
إن خلافة الخلفاء الأربعة بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خلافة كقتال مانعي الزكاة.. كإجماعهم على نبوة راشدة مهدية.. أما القياس بتعريفه الدقيق فلا يوجد من أهل السنة من لم يأخذ به بالرغم من نقاشاتهم الكثيرة حوله.
وعندما يتخذ شكري القرآن والسنة مصدر التشريع، فإنه لا يلتزم فهم الصحابة ومن بعدهم.. ولا يحدد فهمه بحدود اختلافاتهم.. فهو قد يعطي فهمًا جديدًا للنص لم يقل به أحد من أهل السنة والجماعة، بل قد يتصادم فهمه مع فهم أحد الصحابة فيرد قول الصحابي بعنف شديد.. فهو يعتبر الصحابة رجال وهو من الرجال.
الحقيقة التي علينا أن نعيها أن فهم الكتاب والسنة ليس عملية مطلقة بلا قيود ولا ضوابط.. بل إن هناك ضابطًا أساسيًا وهو اعتبار فهم الصحابة والتابعين لأنهم أعلم باللغة التي نزل بها القرآن.. كما أنهم صاحبوا المشاهد التي نزلت بها النصوص.. وتدربوا على فهمها والاستنباط منها وهم بين ظهراني الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
قوة الأدلة في الثبوت والأدلة:
عدم التفريق بين الدليل القطعي الثبوت القطعي الدلالة.. وبين الدليل الظني الثبوت الظني الدلالة.. فالأول مجمع على ثبوته ومهمه كل أهل السنة والجماعة.. وهو معلوم من الدين بالضرورة.. ومنكره كافر.. أما الثاني فيتفاوت أهل السنة في قبوله كل حسب توثيقه للرجال.. وكل حسب فهمه للنص وشكري يكفر كل من أنكر دليلًا.. ولا يتسامح في الاختلاف معه في فهم دلالة النص.. فهو يعتبر فهمه قطعيًا.
الأركان العشرة:
بناءً على النقطة السابقة فهو لا يفرق الأركان والواجبات.. فالأركان هي أعمدة الدين وهي خمسة أجمعت عليها الأمة إجماعًا قطعيًا متواترًا.. وهي من المعلوم من الدين بالضرورة.. فهي الشهادتين والصلاة، والزكاة والصيام والحج.. يضيف هو عليها خمسة أخرى لتصبح عشرة أركان.. وهي السمع والطاعة ولزوم الجماعة والهجرة والجهاد.. وهي عنده الحد الأدنى للحكم بالإسلام.. من فرط بواحدة خرج من الملة.. ويستدل على هذا بالحديث الذي أمر الله فيه يحيى بن زكريا بخمس كلمات يأمر بهن بني إسرائيل.. وهن إخلاص العبادة والصلاة والصيام والصدقة والذكر.. فيحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهن: الجماعة.. والسمع.. والطاعة.. والهجرة.. والجهاد في سبيل الله» «صحيح».
في هذا الأمر يبدو جليًا مخالفته لأهل السنة والجماعة.. فالخمسة الأولى أركان يقوم عليها الدين بينما الخمسة الأخرى واجبات شددت عليها النصوص.
الأحكام التكليفية:
يقسم الأحكام التكليفية إلى نوعين: إيجاب «حلال» وتحريم «حرام».. فهو لا يعترف بالاستحباب والكراهة.. فلذلك يعتبر كل من خالف نصًا فقد ارتكب حرامًا.. وكل من ارتكب حرامًا ولم يتب فقد كفر.. فالتوبة من مخالفة النص لازمة عنده للخروج من الكفر والدخول في الإسلام من جديد.
الكافر والفاسق:
يرى شكري أن الكافر والفاسق والظالم والخاطئ وكل ألفاظ المعصية والخروج عن المنهج، تعني الكفر، ولا يصح عند شكري أن يكون المرء فاسقًا ومسلمًا في آن واحد.. فالفاسق كافر نقيض المسلم فعندما ترد كلمة فاسقين وظالمين وخاطئين فهي تعني الكفر.. أمام هذه النقطة التي يخالف فيها شكري أهل السنة والجماعة، يرتبك عند النصوص التي يصف الأنبياء أفعالهم بالظلم حينًا، وبالخطأ حينًا كما قال آدم وزوجه لربهما ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف: 23)، وقول يونس ﴿إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ (الأنبياء: 87).. بل إن شكري يضطر أحيانًا لردود غريبة من أجل أن لا يتراجع عن أصوله.. فهو يعتبر أن كل من حلف بغير الله فقد أشرك، كما يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- وإذا سمع أحدهم يقول «النبي» اعتبره مشركًا ما لم يتب.. وعندما ووجه بقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أفلح وأبيه إن صدق» «صحيح مسلم»، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- يحلف بأب الرجل.. اضطر شكري أن يعتبر كلمة «وأبيه» مصحفه أي نقلت خطأً عن كلمة «والله»، خاصة وإن التنقيط جاء متأخرًا.
قاعدة الأسماء والمسميات:
هذه قاعدة أساسية عند شكري، وعليها اعتمد في تكفير من خالفه وخاصمه، تقول هذه القاعدة أن الأسماء جزء من التشريع.. يقررها الحاكم المشرع وهو الله -سبحانه-.. وهي حكم أنزله الله -سبحانه- وعلمه آدم.. فلا يجوز تبديل المسميات إلى أسماء أخرى، ومن حولها إلى أسماء أخرى فقد غير حكم الله وبدله.. ومن غير وبدل حكم الله فقد حكم بغير ما أنزل الله، ومن حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر بنص القرآن.. فعلى سبيل المثال: الله -سبحانه- أطلق على أداة الكتابة القلم.. فمن أطلق على أداة الكتابة اسمًا لمسمى آخر.. كتسميتها إبرة- فإنه يكون غير حكم الله فكفر.. إذ هذا الذي بدل اسمه عند الله كافر.. فإذا أطلقت عليه فاسق مسلم فقد بدلت حكم الله فكفرت.. وإذا اعتبر رجل آخر مسلمًا فهو كافر.. وهكذا تمضي المتوالية الهندسية.
*الحديث سيطول بنا إذا تناولنا أصول التطرف.. ولكنها واضحة وضوحًا ساطعًا أنها تخالف ما عليه أهل السنة والجماعة.. فنكتفي بهذا القدر ونرجئ الحديث حول المنهج الحركي.. وأوجه التشابه مع الخوارج.. والحكم على هذه الفئة وغيره إلى حلقة مقبلة إن شاء الله.