; الحركة الإسلامية.. حقائق ومواقف | مجلة المجتمع

العنوان الحركة الإسلامية.. حقائق ومواقف

الكاتب محمد عبدالله الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-2000

مشاهدات 33

نشر في العدد 1396

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 18-أبريل-2000

■ المصلحة من التعويق المستمر لحركة تؤمن بالحوار وتتصف بالوسطية وتصبر على الابتلاء؟

التعويق المستمر للحركة الإسلامية لا يفيد أحدًا، بل يضر بالأمة كلها، لأن الحركة الإسلامية هي طليعة الأمة وروحها وكيانها والتعبير الصادق عن وجدانها، وهي الامتداد الطبيعي في الزمان والمكان لعقل الأمة وقلبها، وهي جزء من نسيج هذه الأمة، ومنذ أن بدأت مسيرتها المباركة من سبعين عامًا لم تخاصم أحدًا، بل دافعت عن الجميع، فلماذا يخاصمها البعض؟ وما السبب في هذا الخصام ولماذا تلفق لها التهم وتصب عليها صبًا ولماذا تخوض بعض الأقلام- الجاهلة، والموتورة والحاقدة، هذه الحملات عليها.. بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير؟

إن أبناء الحركة الإسلامية حملة رسالة، وأمناء أمة، ودعاة حق، وعلامات بارزة على طريق الخير والنور والاستقامة هم أقوياء وأغنياء بالله وحده متوكلون عليه مكافحون في سبيله، يحملون رسالة الحق، وهي سلام يملأ الدنيا عدلاً، ويخلص البلاد والعباد من العبودية لغير الله: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف:١١٠).

وهم يحرصون دائمًا على أن يؤمنوا الطريق إلى مرضاة الله إلى الدرجات العلا، وهم جزء حي من نسيج هذه الأمة، بل هم الجزء الحيوي الذي يحمل همومها، ويتعب في سبيل راحتها واستقرارها، ولذلك فهم في تاريخهم الطويل يواجهون التحديات التي تواجه أمة الإسلام ويحرصون على النهوض بها، وهم حركة تحرر وطني، يقفون أمام أطماع الصهيونية والاستعمار في جميع أشكاله، ولقد تصدت فعلاً الحركة الإسلامية مبكرًا للصهيونية ونازلتها، وطاردت الاستعمار البريطاني في مصر وقاتلته، ورفضت الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي، وكشفت أبعاد الشيوعية والإلحاد، وخطر العلمانيين والدهريين على الأمة.

الإيمان بالحوار 

والحركة الإسلامية في تاريخها الطويل تؤمن بالحوار، وتعتقد أن الكلمة الطيبة الهادفة البناءة إذا قصد بها وجه الله، فهي كالشجرة الطيبة ثابتة لا تزعزها الرياح، ولا تقوى عليها معاول الباطل، وهي مثمرة لا ينقطع ثمرها، لأن بذورها نبتت في القلوب والفطرة السليمة تتجاوب معها، وتتحرك بها: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ (إبراهيم: ٢٤). 

كما يعتقدون أن العمل الخبيث والكلمة الخبيثة، والتوجيه الفاسد كالشجرة الخبيثة، قد تهيج وتتعالى وتتشابك لكنها تظل هشة بلا جذور بعد قليل تذهب وتختفي من فوق الأرض ما لها من قرار ولا بقاء ولا استمرار، هكذا تعلمنا من الوحي قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ (إبراهيم: ٢٦) .

وإذا كان الحق لا يموت فإن الباطل لا يعيش إن الخير خير، وإن الشر شر، ومن هنا وجب على كل مسلم عامل لدينه، ألا يتعرض أبدًا لنوبات اليأس بل هو في أشد الحاجة إلى الثبات واليقين: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ﴾ (الأنبياء: ۱۸)، فقد ييأس المشتغل بالسياسة ويصاب بالقنوط ويستبطئ النصر، وقد ييأس العالم من الوصول إلى نتيجة من وراء أبحاثه، وقد يقعد جميع البشر الذين يحترفون مهنة أو حرفة معينة وهم معرضون لليأس دائمًا وهم في حاجة إلى التشجيع الدائم، وبعث روح الهمة فيهم، وحثهم على المنهج الإسلامي، أما الدعاة إلى الله، أما حملة القرآن الكريم، أما أتباع رسل الله، وورثة أنبيائه، فليسوا أبدًا كغيرهم من البشر، إنهم منارات الهدى والقدوات على الدرب الطويل والأمل الوحيد لغيرهم يعينونهم على الارتفاع عن اليأس، والبعد عن القنوط والقعود، وما أحوج المسلمين اليوم إلى هذه النماذج. 

وإن الآخرين الذين ينظرون إلى حملة الدعوة وهي عزيزة عليهم غالية عندهم، يضحون في سبيلها، سيدرك هؤلاء قيمتها من صبر أهلها على البلاء، إنهم عندئذ سيقولون في أنفسهم لو لم يكن ما عند هؤلاء من العقيدة والإيمان خيرًا مما يبتلون به وأكبر، ما قبلوا هذا البلاء، ولا صبروا عليه وعندئذ يتحول هؤلاء للعقيدة باحثين عنها، مقدرين لها، وعندها يجيء نصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم.

الوسطية

أعلنت الحركة الإسلامية الملتزمة بالإسلام قولاً وعملاً وتطبيقًا، أن الإسلام دين الوسطية والاعتدال، وأن الغلو والتطرف والانحراف نزعات مرفوضة، وأمراض خطيرة، والشرع الحنيف يحرم هذه الاتجاهات مهما كانت الأسباب والمسوغات وهي ليست من الإسلام في شيء، إن وسطية هذه الأمة هي حقيقتها في هذا الكون، وهي وظيفتها على هذه الأرض، وهي دورها الأساسي في حياة الناس أمة تقيم العدل والقسط وتضع الموازين والقيم والوسط هنا بمعنى الحسن والفضل والاعتدال والقصد، وهي وسط في المكان والزمان ووسط في التصور والاعتقاد، فلا إفراط ولا تفريط وشعارها الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها أخذها، ولقد قال الحق تبارك وتعالى لنا: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ﴾ (البقرة: ١٤٣)

الابتلاء

خاطب الله المؤمنين ووجههم إل ى تاريخ من سبقهم من الأجيال المؤمنة، وعرفهم بسنته في الدعوات، وفي إعداد عباده المختارين الذين يستحقون نصره ويصلحون الحمل رايته، وتبليغ دعوته، فقال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: ٢١٤). 

وهذا الخطاب عام لكل من يندب نفسه لهذا الدور العظيم، فإن طريق الدعوات مليء بالآفات والعقبات فلا بد من التحلي بالثبات والصبر، وإن السؤال من رسول الله ﷺ والذين آمنوا معه ﴿مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ﴾ (البقرة:٢١٤) ليجسد مدى الشدائد التي نزلت بهذه القلوب المؤمنة، فهي محن فوق الوصف تلقي بثقلها على هذه القمم الإيمانية الموصولة بالله، فتهرع إلى ربها تطرق أبوابه، وتلح في الدعاء حتى يتم نور الله. 

يقول الصحابي الجليل عتبة بن غزوان.. «ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا ورق الشجر، حتى تقرحت أشداقنا، ولقد أخذت بردة فشققتها نصفين، فاتزرت بنصفها، واتزر سعد بن مالك بنصفها» «الدين الخالص».

إن شدة البلاء والمحن، ثم الصبر الجميل عليها، يهب النفوس قوة، ويطهر القلوب، فترق وتصفو وتضيء ويربو فيها الإيمان، ويرتفع أصحابها على كل قوى الأرض وشرورها، وفتنها. وهنا يحلق أصحاب الدعوات في مجالهم الصالح الكريم، ويتخلصون من أسر الحرص، ومن الدعة والراحة، وهذا المستوى كسب للبشرية، وارتقاء بالإنسانية. إن الوصول لهذه الدرجة كسب يرجح جميع الآلام وجميع صور البأساء والضراء التي يعانيها المؤمنون، وهذا هو الطريق إيمان وصبر ومجاهدة ومرابطة، ويقين وثبات، وتوجه إلى الله وحده وتوكل عليه سبحانه، قال تعالى: ﴿۞لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (آل عمران: ١٨٦).

الصبر.. والتقوى

التعلم أن الصبر هو زاد الطريق في هذه الدعوة الصبر على شهوات النفس، ورغباتها، وأطماعها وضعفها ونقصها، وتسرعها وعجلتها والصبر على استهتار الباطل وانتفاشه ووقاحته والصبر على قلة الناصر، وضعف المعين، وطول الطريق، ووساوس الشيطان والصبر على مفارقة الأهل والولد، ثم المصابرة وهي تعني الاستمرار فلا ينقد هذا الزاد بل يظل المؤمنون أصبر من أعدائهم ولا بد من المرابطة، فلا غفلة ولا نوم، إلى آخر لحظة في الحياة، ويصاحب ذلك كله التقوى، فهي الحارس الأمين. 

جاءت الآثار الصحاح في معنى «المتقين» فقالابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله تعالى: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: ٢): «هم المؤمنون الذين يتقون الشرك بي ويعملون بطاعتي»، وقال الحسن البصري اتقوا ما حرم الله عليهم، وأدوا ما افترض عليهم، وفي الحديث: لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به، حذرًا مما به بأس، وقال عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- لأبي بن كعب: ما التقوى فقال له أما سلكت طريقًا ذا شوك قال بلى قال: فما عملت قال شمرت واجتهدت، قال: فذلك التقوى «ابن كثير جد١».

والتقوى: «حساسية في الضمير، وشفافية في الشعور، وخشية مستمرة، وحذر دائم، وتوق لأشواك الطريق طريق الحياة، الذي تتجاذبه أشواك الرغائب والشهوات وأشواك المطامع والمطامح وأشواك المخاوف والهواجس، وأشواك الرجاء الكاذب فيمن لا يملك إجابة رجاء، والخوف الكاذب ممن لا يملك نفعًا ولا ضرًا، «في ظلال القرآن».

ينادي الحق تبارك وتعالى عباده المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ٢٠٠).

فهل نلبي نداء الله، ونعتصم به، ونلجأ إليه وحده، ونصبر ونصابر ونرابط ونجاهد فيه سبحانه؟

الرابط المختصر :