العنوان الحركة الإسلامية في البحرين وتحديات العصر
الكاتب بدر علي قمبر
تاريخ النشر السبت 26-أكتوبر-2002
مشاهدات 64
نشر في العدد 1524
نشر في الصفحة 42
السبت 26-أكتوبر-2002
التجديد سمة أساسية في ملامح الحركة الإسلامية الوسطية
الشيخ القرضاوي: يجب ألا تتقوقع... بل عليها أن تكون طليعة إسلامية قادرة على قيادة المجتمع المعاصر
د. محمد عمارة: الاختلافات بين الإسلاميين مزية وليست نقيصة
بعد الانفتاح السياسي الذي أحدثه ملك البحرين الشيخ حمد بن عيسى بن سلمان آل خليفة، برز التيار الإسلامي، أو ما يسمى «بالحركة الإسلامية» بروزًا متميزًا فرض كيانه ووجوده، وذلك بعد أن كان مغضوبًا عليه عند البعض من قبل برغم وضوح برامجه ونجاح أنشطته بشكل كبير.
وقد أصبح التيار الإسلامي – بعد هذا الانفتاح الكبير– يشق طريقه نحو التطوير والتحديث ليسير جنبًا إلى جنب مع معطيات التغيير الحياتية في البحرين التي تعيش هذه الأيام مناخ الانتخابات البرلمانية.
ماذا نعني بالحركة الإسلامية؟
ولربما التبس الأمر عند فتات ليست بقليلة في رسم تعريفها الواضح للحركة الإسلامية والتيار الإسلامي، وبخاصة فئات الشباب التي نحسبها تعيش في إطار تضاربات فكرية بين ذلك التيار وذاك، الأمر الذي يدعونا للوقوف أمام مصطلح الحركة بكل ما يعنيه من معانٍ تصب في الأخير في إطار المصلحة العامة.
الشيخ يوسف القرضاوي يقول: أريد بالحركة الإسلامية ذلك العمل الشعبي الجماعي المنظم للعودة بالإسلام إلى قيادة المجتمع، وتوجيه الحياة، كل الحياة، فهي قبل كل شيء عمل، وعمل دائب متواصل، وليس مجرد كلام يقال أو خطب ومحاضرات أو كتب ومقالات، وإن كان هذا كله مطلوبًا، ولكنه جزء من الحركة وليس هو الحركة.
كما أنها عمل شعبي يقوم أساسًا على الانبعاث الذاتي والافتتاح الشخصي إيمانًا واحتسابًا، وابتغاء ما عند الله لا ما عند الناس.
والأصل في هذا الانبعاث هو التوتر الذي يحس به المسلم حين تدركه الصحوة، وتمور في أعماقه، ونتيجة التناقض بين إيمانه من جهة، وواقع أمته من جهة أخرى، فينطلق من حبه لدينه، ونصحه لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولكتابه ولأمته، وشعوره بالتقصير وتقصير الجماعة من حوله، وحرصه على أداء الواجب واستكمال النقص، والإسهام في إحياء الفرائض المعطلة.
واجب الحركة الإسلامية
ومن منطلق الأمانة الملقاة على كامل هذه الحركة بكل تياراتها وأفكارها، فإن الأمر يتطلب التفكير الجدي في القيام بواجب العمل والدعوة إلى الله تعالى داخل أوساط المجتمعات المسلمة، بدون تشدد منفر، ولا تساهل مفرط، ولا حتى التقوقع داخل محاريب المساجد وترك عموم الناس يتيهون في دوامة الحياة بلا مرشد ولا موجه للخير، من هنا فإن الإحساس بحجم الواجب الملقى على أعضاء هذه الحركة يفرض على الحركة القيام بواجب «التجديد» في قيادة الحياة، بمعنى مراعاة التغير الحياتي الذي يعد في الغالب أسلوبًا جوهريًا في قيادة تيار الإخوان المسلمين، وهو الأسلوب الذي بدأ من خلاله التيار السلفي أيضًا يتواءم معه ومع نظرياته سعيًا لكسب أكبر قاعدة شعبية من الناس، وبخاصة في ظل التغيرات السياسية التي تشهدها مملكتنا سواء في تجربة الانتخابات البلدية التي أفرزت الاحترام الشديد الذي يكنه الناس للتيار الإسلامي الذي حقق منتسبوه فوزًا كبيرًا في الانتخابات الأخيرة، الأمر الذي جعل الساحة ساخنة اليوم لمعترك الانتخابات البرلمانية التي من المنتظر أن تكتشف النقاب عن مفاجآت أخرى.
من يجدد هذا الدين؟
روى أبو داود والحاكم وبإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»، ومع مفهوم التجديد - الذي يعد في الغالب ذلك التوافق الكلي مع معطيات العصر دون المساس بثوابت الإسلام وشرائعه السامية - لا بد من الوعي التام بأهمية الجماعة المجددة، وبخاصة في عصر تتسارع فيه الأحداث وتتجدد فيه الظروف، وليس شرطًا أن يكون المجدد شخصًا بعينه بقدر ما تكون جماعة حملت على عاتقها مهمة التجديد الحياتي والإصلاح في جميع نواحي الحياة، فهي إن أحسنت تجديد أجهزتها لتتواءم مع متطلبات الحياة ومتغيرات المستقبل استطاعت بلا شك الإسهام وبشكل فعال في صناعة مستقبل الأمة، لأن الأمة بحاجة ماسة إلى جماعات إصلاحية يهمها في المقام الأول الوقوف جنبًا إلى جنب مع القائمين على شؤون الحكم في بلادنا الإسلامية، وتشد من أزرها في سبيل رسم دلائل النهضة الإسلامية المطلوبة، وإتاحة فرص العيش الكريم للشعوب الإسلامية لتؤدي دورها الكامل في توثيق وزيادة تماسك اللحمة الوطنية التي نحن في أمس الحاجة إليها.
بم يكون التجديد؟
الشيخ يوسف القرضاوي يتحدث عن أسس التجديد التي تتجسد في الجوانب التالية:
1 - تكوين طليعة إسلامية قادرة – بالتكامل والتعاون – على قيادة المجتمع المعاصر بالإسلام دون تقوقع ولا تحلل، وعلى علاج أدواء المسلمين من صيدلية الإسلام نفسه، يجتمع بين أفرادها:
الإيمان العميق، والفقه الدقيق، والترابط الوثيق.
2 - تكوين رأي عام إسلامي يمثل القاعدة الجماهيرية العريضة التي تقف وراء الدعاة إلى الإسلام، تحبهم وتساندهم، وتشد أزرهم، بعد أن وعت مجمل أهدافهم، ووثقت بإخلاصهم وقدرتهم.
3 - تهيئة مناخ عام عالمي يتقبل وجود الأمة الإسلامية حين يتفهم حقيقة الرسالة والحضارة الإسلاميتين.
صوت الحركة الإسلامية
إن المتتبع للمناخ العام الذي تعيشه الحركة الإسلامية بكل تياراتها في البحرين، يدرك أشد الإدراك الحضور القوي والمؤثر على الساحة بما جعل الناس يسعون لانتخاب الصوت الإسلامي المتميز، الأمر الذي يدفع القائمين على هذه الحركة للالتفات وبشكل كامل للحالة الاجتماعية وإمدادها بكل مقومات الحياة والتماسك من أجل تحقيق غاية الدعوة إلى الله تعالى التي غابت عن أنظار كثير من الناس بين الأزقة والطرقات ردحًا من الزمن إن جاز التعبير! لذلك فإن الوصول إلى كل شرائح المجتمع بأساليب الدعوة إلى الله تعالى يعطينا مؤشرات واضحة لتغذية شريان الحياة في أي مجتمع.
لا تتصوروهم مثل الملائكة
يقول المفكر الإسلامي محمد عمارة بشأن الإسلاميين الذين يخاطبون الناس بخطابات متنوعة ومتعددة وأحيانًا متعارضة بما يجعل الناس يفقدون الثقة فيهم جميعًا: لا بد أن ننظر إلى الإسلاميين باعتبارهم بشرًا يعيشون في مجتمعات مليئة بالسلبيات، إن الناس يتصورون أن الحركات الإسلامية حركات مثالية كالملائكة، لا أنهم بشر من البشر، ويعيشون في مجتمعات مليئة بالسلبيات التي تنعكس عليهم في التربية في البيوت، وفي المدارس والثقافة، فهم ثمرة للمجتمعات التي تعيش فيها وجزء منها، كذلك فإن الاختلافات بين الإسلاميين مزية وليست نقيصة، والكارثة إذا كان لدينا رأي واحد واجتهاد واحد، فالحركات الإسلامية حركات تشتغل بمشاريع حضارية وسياسية لتغيير المجتمع وتطويره، أي أنها تشتغل في الفروع ولا تشتغل في أصول الدين.
مستقبل الحركة الإسلامية
لا يخفى على القارئ تلك النظرة الثاقبة للرسول صلى الله عليه وسلم لمستقبل الإسلام ورجالاته التي علم بها عليه الصلاة والسلام منذ ذلك الوقت ليعطينا جرعة من جرعات الخير لنسير على خطى الإسلام بثبات وإخلاص، فقد كان صلى الله عليه وسلم يرنو بصره للمستقبل المنشود، ويدعونا إلى الصبر على الطريق وعدم التعجل وعدم الاستعجال على قطف الثمار قبل نموها، لأن الله تعالى جعل من سنن العيش أن تتوالى الأجيال المسلمة لتحمل راية الدعوة من بعد أناس ورثوها خير الإسلام وعلموها أمارات الطريق، وأرشدوها إلى ومضات الهدى.
وما إيمان الحركة الإسلامية بنصر الله تعالى عاجلًا أم آجلًا إلا وهو مؤشر على سيرها في طريق يلازمه الصواب، وقد ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في ذلك عندما كان يطمئن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - وهما في الغار بقوله: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟»، هذا اليقين وهذه الثقة بالله هي أسلوب فريد يجب أن تخطه الحركة الإسلامية في مسارها إلى ما شاء الله.