العنوان الحركة الإسلامية في السودان بين الزاد والحصيلة
الكاتب محمد الغبشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1982
مشاهدات 90
نشر في العدد 595
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 16-نوفمبر-1982
• امتداد الحركة في الجماهير ثمرة تلقائية لعهد الصمود والاستبسال.
• تصور الحركة عن عملية التغيير الاجتماعي.
• المؤسسات الإسلامية أتت من خلال موجة عامة شملت السودان فيما شملت.
• لا بد من التعمق في التحليل لا الاكتفاء بالمظاهر السطحية.
الحلقة الثانية:
تصور حاكم:–
نوهنا في الحلقة السابقة بالتكوين الفكري والثقافي لقادة الحركة والمنتمين إليها، وجعلناه الإطار والموجه لمسيرتها مع الملابسات الظرفية المتجددة.
ومن موروثات ذلك التكوين التي مهدت السبيل للخط نحو المصالحة وما تلاها تصور غير دقيق فيما نحسب، مؤداه أن عملية التغيير في المجتمع نحو الإسلام مسألة تكتيكية تجريها الحركة وفقًا لمواهبها وقدراتها في المؤسسات المختلفة التي تسير الأمور، وأنه إذا أحكم الناس قبضتها فتحويل المجتمع إلى الإسلام شيء ميسور.
ثم جمعوا إلى ذلك حقيقة أخرى وثيقة الصلة بما سبق، خلاصتها أن مشكل النظام الحاكم في السودان كامن في بطانة نميري وحاشيته أكثر ما يكمن، وأنه في الإمكان إذا أحاط الإسلاميون بالرجل أن يؤثروا فيه ويعدلوا اتجاهه ومساره. ودعَّم قناعتهم تلك الشعارات الإسلامية التي كان النميري يرددها حينها، وأضافوا إلى ذلك تجاربه الشخصية مع مختلف الفئات التي سار معها من قبل، وأن رفعه للشعارات الإسلامية لم يأتِ إلا خلاصة لتجاربه تلك، وحيثيات أخرى شبيهة بهذا.
وعمت موجة من التفاؤل أوساط الإسلاميين في السودان، وأطلقوا لخيالهم العنان. ولم يصاحب ذلك- إلى حد كبير- بعد آخر للإبصار يكون كابحًا عن الاسترسال الشاطح.
وبدأت الدعوة لتقنين الشريعة الإسلامية، واستُدعي الخبراء لها من خارج السودان، وانطلقت البشريات بأن قوانيننا كلها ستصبح إسلامية في غضون زمان قليل! وكان هذا هو الظرف الذي ولدت فيه اجتهادات الدكتور الترابي حول الحدود الشرعية، والنظر في إخراجها بالروح المناسبة لمقتضى العصر وظرف المجتمع الخاص!!
واندفع الناس في حماس فائر للعمل من أجل المرحلة الجديدة التي كان شعارها «النهج الإسلامي.. لماذا؟» (مجموعة من الخواطر للرئيس النميري عن انعطافه نحو الإسلام وتجاربه مع غيره جمعت في كتاب)، ومما دعَّم مقولات المصالحين في ذلك الوقت إصدار قانون بنك فيصل الإسلامي، الذي اعتبروه باكورة لثمار لا تنقطع وفي مختلف الميادين.
وهكذا وجدت الحركة نفسها في بحر مائج من الآمال والأماني والأفكار والتصورات والملابسات المصاحبة لذلك كله، إضافة إلى أن المصالحة- وفقًا لما ازدحمت به من طموح غير واقعي- صنفت نصرًا كبيرًا في سجل الحركة وقيادتها على وجه الخصوص. وانبنت كل الحسابات والتقديرات وفقًا لذلك.
حوار حول الحصيلة:-
من حق الإسلام علينا أن نحاور أنفسنا فيما حققناه له في السودان كحركة طليعية تصدت لرفع لوائه والتبشير به. وحق أنفسنا أن نتعرف أيضًا على حجم ما حققناه ورصيدنا ومنتهاه، لا سيما في هذه الفترة التي راهن عليها الكثيرون في السودان. ونسأل الله عدم الميل عن القصد ونحن نلج باب التقييم للمصالحة ونواتجها من مشاركة أو محالفة.
إن فصل المشاركة والمحالفة لم يختم بعد حتى ترصد كل نتائجه وتقيم، ولكن معالمه واضحة على كل حال. ولست متجنيًا إن ذكَّرت ثانية بالحيثية التي دخل بها إخوة الحق في المصالحة الممتدة مع النظام. فهم قد دخلوا بحسبان أن الأمر محسوم بمؤهلاتهم وقدراتهم وخبراتهم، وأنه وكما أحكم الآخرون القبضة حول النظام وحققوا مكاسب معينة فالحال والظرف الإمكاني يحقق للإسلام ما تحقق لغيره. وأود في هذا المقام أن أتطرق لما لا يتطرق إليه الإسلاميون المصالحون وهم يتحدثون في تجربة المشاركة، فإن حماسهم الزائد لها يجعلهم يبالغون- نوعًا- في تضخيم محاسنها وإنجازاتها.
وهم عمومًا يرجحون إيجابياتها على سلبياتها، ولكنهم قلما ينكرون هذه السلبيات، بينما لا يغادر حديثهم عن «الإيجابيات» صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
ولا نود هنا أن نزج بأنفسنا في متاهات الإحصاء المقابل لتلك الإيجابيات، غير أني أود التوقف عند تلك الإيجابيات التي ينوه بها، ملقيًا من الضوء ما يعين على تحجيمها بالحجم الذي يجب أن تحتله.
ومن أوائل ما يذكره المتحمسون للرهان اتساع الحركة وانتشارها وتأكد وجودها السياسي، خاصة من خلال نتائج الانتخابات البرلمانية. وقد يلحقون بذلك أيضًا الاتساع والامتداد في الأوساط الطالبية.
وإذا بدأنا بمسألة الانتشار في الوسط الطالبي فإننا نحب أن نقول إن ذلك الامتداد امتداد تلقائي له جذوره وتاريخه الذي يمتد لأكثر من ثلاثة عقود من الزمان، والناسب له للمشاركة متجافٍ عن نهج التحليل الصائب. بل إن المتأمل في التكوين النفسي والمزاجي للشباب- والطلاب منهم- يوقن بأن نسبة هذا الامتداد لعهود الصمود والمقاومة أولى! ذلك لأن الشباب بطبعه تواق لمَثَل «البطولة»، وقد كان هذا المَثَل متحققًا بأوسع معانيه في تلك الفترة، فترة المعتقلات والسجون والاصطدامات التي لا تنقطع إلا لتتصل. فتلك الفترة هي التي كونت الرصيد الحقيقي للحركة، لا على صعيد الطلاب فحسب وإنما على كل الأصعدة، ولا مبالغة في هذا فالحركة قد كانت هي الوحيدة التي نجت من مثالب «المشاركة» للنظام والرضوخ له، مع نفر قليل من أفراد الساحة السودانية؛ فكانت محط الإعجاب والعطف بل كانت الأمل الوحيد لكثير من الناس كما كانوا يرددون في ذلك الوقت.
لذا فإن الترجيح لكفة عهد المقاومة والصمود في رفد الحركة بهذا الرصيد الضخم من الطلاب وغيرهم هو الصحيح. وانتصاراتها المتلاحقة عبر كثير من الاتحادات الطالبية بما قد يتفوق على ما بعد المشاركة ينهض دليلًا قويًّا على ما نقول. وثانية الأشياء التي يعزز بها المتحمسون للمشاركة قولهم مثول المؤسسات الإسلامية في الساحة السودانية مثل المصارف اللا ربوية ومنظمة الدعوة الإسلامية.
وليس جحودًا- والله- ولكن لا سبيل للتسليم بهذا القول على إطلاقه فإن في ذلك إجحافًا وظلمًا. فبدءًا ليست المؤسسات الإسلامية بغريبة على الساحة السودانية حتى تبرز بما يشبه المعجزات. ولم ينفرد السودان بمثل هذه المؤسسات حتى يكون صاحب المجد المفرد.
ولو كان هذا المقياس معيارًا صحيحًا للإنجاز الإسلامي المنشود فإن منطق النظم الماثلة في الساحة كلها صحيح، فلا تخلو منطقة من مناطق الإسلام من مثل هذه الإنجازات حتى الاتحاد السوفييتي والصين الشعبية!! فلدى هؤلاء أيضًا ما «يفتخرون» به من المؤسسات الإسلامية.
فهذا الأسلوب ليس حميدًا، فضلًا عن أنه يهدم نفسه بنفسه. وعودة فهذه المؤسسات قد يكون للحركة نصيب كبير في إبرازها- جزاها الله خيرًا- ولكن بتأمل عابر يجد الناظر- كما أسلفنا- أنها ليست بالشيء الفريد، فالمصارف اللا ربوية- مثلًا- ظهرت في مصر الساداتية دون أن تشارك الحركة الإسلامية هناك! وهي قد امتدت في كل الأنحاء حتى العالم الأوروبي الذي لا يجازف أحد بنسبته للإسلام بطروء هذه المصارف عليه! وإنما أتت هذه الأشكال من المصارف في ظرف اختمار لفكرة عريقة وجدت سبيلها للتطبيق، وشملت السودان فيما شملت فلا داعي للتهويل والتضخيم.
وأما منظمة الدعوة الإسلامية فهي إنجاز طيب وجهد مبارك، ولكن هل كان مستحيلًا أن توجد إلا بهذا الثمن الباهظ؟!
إن النظام الحاكم في السودان متمرس في ركوب الموجات التي تقربه إلى القلوب، ما دامت تحقق له كسبًا ودعمًا هو في حاجة متجددة له. فقد كسب قلوب الدهماء يومًا بمؤسسات للقمار المقنن المربوط بالرياضة وسميت «توتو كورة»، ولم يعجز فلاسفته يومها أن يعددوا من مآثرها.. إدخال الفرحة إلى القلوب!! وكان في ذلك الوقت نفسه يحتفل بمهرجان القرآن الكريم ويوزع الجوائز السخية على المقرئين مؤازرة وتشجيعًا. وتلك الحكمة والحنكة السياسية هي التي أملت للرئيس النميري أن يرفض قرارًا «ديمقراطيًّا» يمنع الخمر في مدينة أم درمان، ولا شك أن منطق المصلحة هو الذي علا. فذلك نظام لا يضيره أن يجمع بين هذه المتضادات لأنه يتحكم في مسارها ومجراها في النهاية!!
والمؤمن كيس فطن وأحسب أن الاغترار بهذه المظاهر مما ينفينا عن عالم الإيمان لو حكمنا هذا المعيار ونسأل الله السلامة.
وماذا عن الوجود السياسي العريض؟!
وهذا مما ينوه به كثيرًا وهو الطاغي على ما عداه. وقد سبق تأصيل النسبة للامتداد في عمومه. ونضيف هنا أن هذا الوجود الممتد عبر البرلمانات وغيرها من مؤسسات النظام حكمته ملابسات ليس في صالح النظر الحكيم إخفاؤها أو تجاهلها بأي حال.
فمن ناحية تكاد الساحة السياسية أن تكون خالية في الفترات التي خاضت فيها الحركة الانتخابات. فقد تحللت أغلب الكيانات السياسية التقليدية بينما احتفظت الحركة بحيويتها ونضارتها عبر تنظيمها العريق. وبقايا وفلول الأحزاب إمّا أنها لم تحكم خطتها كالمنتسبين «للختمية» أو قاطعت كليًّا أو جزئيًّا كحزب «الأمة». أو أصيبت بضربة قاضية كخصم الحركة التقليدي «الشيوعيون». وحتى نثبت ما نقول: فإن رموز هذه الفلول حين تحالفت في جامعة الخرطوم وفي الجامعة الإسلامية بأم درمان استطاعت إسقاط الحركة الإسلامية عن سدة القيادة وهذه أمثلة بنت ثلاث سنين أو أقل.
وللأرقام خداعها الذي لا يظهر، ففي إحدى الدوائر الكبرى في العاصمة كان عدد الذين شاركوا في التصويت أقل من ربع المسجلين الذين يحق لهم الانتخابات. ونال مرشح الحركة ما يناهز ٥٠% من أصوات هؤلاء!! وإخوة الحق الفضلاء يذكرون هذه الـ٥٠٪ وينسون أمها التي ولدتها. وثانية نسأل الله ألّا نحيد عن الصواب في التقييم.
والعبرة بالنتائج:
ثم قبل هذا وبعده فإن العبرة بالنتائج، فما هي حصيلة الإسلاميين في الدورة الأولى والثانية للبرلمان السوداني الذي شاركوا فيه وفي الدورة الثالثة الحالية؟
إننا نبيح لأنفسنا القول بلا غمط لحق أحد أن الحركة لم تستطع أن تحقق إلا شيئًا قليلًا في مضمار الإصلاح والاستئصال للفساد، وما تحقق لا يرقى لواحد في المائة مما ينبغي أن يمثل ويكون بلا أدنى تهويل!
ولا مبالغة إن قلنا إن الفساد قد زاد واستفحل في كثير من المواقع، وباضطراد منذ المصالحة! ولا نريد أن نستخدم منطق المصالحين- الذي ينسب كل خير للمصالحة- بطريق معكوس فنربط بين اضطراد الفساد ووجود الإسلاميين في الحكم والسلطة وهو وجود غير مؤثر- كلا فما ذلك بالصحيح، وإنما طبيعة نماء الفساد الأصيل الكامن في داخل النظام أتت أكلها، واتفق أن يكون ذلك وقت وجود الإسلاميين؛ مما يجعل الأمر مشتبهًا لدى السذج الذين يحكمون بظواهر الأمور فينسبونه إليهم!!
تقنين الشريعة الإسلامية:-
وأما أمل الحركة الضخم- تقنين الشريعة الإسلامية- فربك العليم بما آل إليه أمره. وقد لا يعدم المتحمسون أن يقولوا: إننا على أقل تقدير أثرينا فكرنا القانوني بما يمكن أن يكون رصيدًا وذخرًا لأي رجل دولة مسلم جاد. فإن سرَّهم التأمين على ذلك فنحن من المؤمِّنين!!
ترى هل نسينا شيئًا من المحاسن التي تذكر؟
نعم.. نسينا أمر الحرية للحركة. وكواحد من أبنائها تستفزه هذه المقولة في كل ما يردد.
ونود أن نشهد هنا بالحق ونقول: لم تكن عهود ما قبل المصالحة خلوًا من الحرية على الإطلاق، وصوت الحركة كان طليقًا عبر الندوات والمحاضرات خاصة في الساحات الطالبية «اتحادات ونشاط طالبي متنوع» وبلغت تلك الندوات حدًّا من السفور أن كانت إحداها بعنوان: «الإخوان المسلمون.. من هم؟ وماذا يريدون؟»، وما حاول النظام أن يمنعها مع عنواننا المستفز له! وكل ذلك إنما حكمته معادلته الأمنية التي لم تكن مختلة بتلك الممارسات.
ولعل المروجين لهذه «الحرية» يقصدون إطلاق سراح أفراد الحركة من السجون، وحرية تحركهم دخولًا وخروجًا وما إليه، أما هذا فصحيح وهو أمر رهين بظرفه أيضًا.
فقد كان هذا من بدهيات المصالحة، أم يجوز في العقول مصالحة من داخل السجن؟! وكما بينا من قبل للنظام معادلته التي تحكم تعامله في مختلف الأحوال، وتتفرع عنها معادلته الأمنية. وأمنه يقتضي تحرك الإسلاميين «بحرية» في هذا الظرف، واحتمال العكس قائم أيضًا إن انقضى الحال ذلك فحبذا الإضراب عن ذكر هذا الجانب.
مكاسب النظام:
وهذه منطقة لا يود المصالحون الخوض فيها، و بودنا أن نتطرق لها بشيء من الإيجاز، ومن أوائل ما يذكر في هذا أن المصالحة قد أنقذت النظام من موت محقق، فقد أتت في وقت كان النظام الحاكم على مشارف الهلاك. ولا شك أنها أراحته من هم ثقيل كان جاثمًا على صدره- المعارضة والمعارضون- ونفحته روحًا ووَقَتْهُ شرور الانهيار السريع المتوقع.
ولا تظن أن للأنظمة في العالم الإسلامي أجمع همًّا أكبر من هم الحفاظ على السلطة، فلو توفر لكل نظام «خدمة» بمستوى المصالحة السودانية لبذلوا في سبيلها كل مرتخص وغالٍ! ثم ما أتى من خلال ضمانة الاستمرار للنظام ومن تورط الحركة في المشاركة والمحالفة وما زامن ذلك من تدفق المزيد من السوء والفساد، فوجود الحركة مع سكوتها عن كثير مما لله فيه مقال أحدث لبسًا في أذهان المراقبين بأنها مقرة لما يدور، وأفاد النظام في إضفاء الشرعية على ممارساته وكأنه وظف الحركة وبقية المشاركين في الإقرار التلقائي لكل سوء!
وقد يلجأ النظام لإرضاء المصالحين ببعض الإنجاز الهامشي في سبيل الإصلاح، على ألّا يطال أركان الفساد وعُمَدَه الأولى. كما حدث في إحدى قضايا صغار المفسدين ممن لا ترتبط مصلحة النظام ببقائه؛ فقد ضحى به النظام إرضاء للإسلاميين الذين تبنوا قضيته، وامتصاصًا للنقمة التي بلغت أوجها في ذلك الوقت. ولكن إذا حلا السير للحركة في هذا الطريق فسرعان ما تملأ الشارات الحمراء الأمكنة وتسد عليها السبيل، وللناس ذكريات قريبة في هذا.
ولا ننسى أن نقول هنا إن الحركة كانت تستطيع التعبير عن رأيها بسفور ووضوح كاملين لم تستطع أن تمارسه بعد المشاركة- على وجه الخصوص- وفقًا للوشائج الجديدة؛ فهي قد صارت تطبق على نفسها رقابة ذاتية تجعلها تعرف حدود الحلال والحرام فيما يتعلق بتناول النظام، بل إن وهم خطبة وده تجعلها أكثر تحفظًا نحوه مما يفعل ذوو قرباه الأولون!
خسائر الحركة:
ولا يروق للمصالحين الحديث عن هذا الجانب أيضًا، ولكن إلقاء الضوء عليه مفيد لأفراد الحركة في المقام الأول؛ حتى لا تصدمهم الحقائق في انهيالها عليهم جملة فيما بعد وذلك لا بد كائن!
ومن أوائل ما يذكر في هذا مسألة انشقاق الصف والتفريط، واللفظ لرموز الحركة وتراثها من أهل الإباء والإخلاص من الرجال «صادق عبد الله والحبر يوسف وغيرهما»، وإن القلب لينزف دمًا حين الذكر لهذا، على أنا لا نريد أن نجعلها مناسبة للابتزاز العاطفي بأي قدر.
وندعو الله في هذا المقام أن يهيئ السبيل للالتقاء على سبيل الحق والصراط المستقيم.
وإنما نريد أن نركز قولنا في ظاهرة خطيرة بحق يمكننا الاصطلاح على تسميتها بـ: أغلال الولاء الجديد:
وخبر ذلك أن الإسلاميين المصالحين دخلوا دهاليز النظام الحاكم وهم في درجة عالية من الاقتدار الأخلاقي والمعنوي. وذلك الاقتدار جعلهم يبدأون حديثهم بنبرة عالية، ولكن شيئًا فشيئًا خفت تلك النبرة وألهتهم تعقيدات اللعبة السياسية ومفاجآتها عما كان متوقعًا توفرهم عليه، وهو الإصلاح والتنبيه إليه.
ثم إن تلك النبرة العالية- الأولى- بعد خفوتها وتلاشيها برزت في صورة جديدة ولكن بعد أن غيرت اتجاهها!! لتغدو شيئًا قريبًا مما يمارسه تنابلة السلطان، ونستمهل القارئ الكريم الذي تصدمه هذه العبارة بأن يتأنى ويصبر حتى يختبر معنا ذلك بنفسه. فقد كنا معشر الإسلاميين نتقزز من أسلوب التبرير والدفاع عن الأخطاء وفلسفتها، مما يباشره و يمارسه ذلك النفر المعلوم لدينا جيدًا. وكنا نستجير بالله من المتملقين. أمّا أن يتخذ بعض إخوتنا مواقع مجاورة لهؤلاء فهذا ما لم يخطر على البال إطلاقًا، ولكن سبحان من لا يتغير.
ولعل الشواهد المباشرة تعين على إيضاح الصورة كثيرًا وتبين الحقيقة بالمقدار المراد، وأمامي الآن نموذجان من كتابات الإسلاميين من المنتسبين لعالم الثقافة والفكر، أحدهما الأستاذ موسى يعقوب والثاني الأستاذ أبو بكر الشنقيطي، وسأجتزئ بالأول دون الثاني لسفوره الواضح وتجسيده لما نحن بصدده.
والأستاذ موسى يعقوب- حفظه الله- من جيل المخضرمين الذين عاصروا أغلب أدوار الحركة وتطوراتها، وممن ساهموا فيها بقدر مذكور، ومشهود له بالكفاءة الصحفية والقدرة الأدبية والتمرس السياسي نظرًا وتطبيقًا، فعمل في الأوساط الجماهيرية- الشبابية خصوصًا قبل ثورة مايو فيما كان معروفًا بمنظمة الشباب الوطني- كما عمل في القاعات البرلمانية.. خلاصة القول أنه عريق ومتمرس ومؤهل.
وقد استوقفني مقال كتبه الأستاذ يعقوب یرد به على كلمة عادية عابرة سطرها الأستاذ زهير الأيوبي رئيس تحرير مجلة «المسلمون»- التي توقفت عن الصدور مؤخرًا- وذلك في العدد ٢٥ وهو يقدم مقالًا للرئيس السوداني جعفر نميري في باب المجلة المعتاد «الإسلام لماذا؟». وقد «سمح» الأستاذ الأيوبي لنفسه أن يطرح بعض التساؤلات البريئة- أي والله- عما وصلت إليه وعود النميري فيما يتصل بتحقيق الإسلام. ولم ينسَ الأيوبي أن يتبرع بإيضاح الظروف «المحبطة» عن الإنجاز السريع «ملاحظة: دخل النميري عامه الرابع عشر!». ولكن مبدأ التساؤل نفسه- مهما كان بريئًا- يثير حساسية في أوساط المشاركين، كما ظهر ذلك من خلال مقال الأستاذ موسى يعقوب. إذ كاد يرمي المتسائل بسوء الظن، ولكنه التمس له المخارج الحسنة مع الإتيان بالمزيد من الحقائق التي تغيب عنه وعن أمثاله. ولو أردت الاكتفاء بعنوان المقال لكان ممكنًا؛ فإنه يقول فيه «رجل الدولة المسلم بين طموحات العقيدة والظروف المعاكسة» وتحسب موضوع هذا المقال عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه- لأول وهلة- فهو الذي قعد به ظرفه عن بلوغ مراده ومعتقده بحق، ولكنه عن حكامنا الطيبين أو كما يقول موسى يعقوب!
وأفاض الأستاذ يعقوب في الحديث عن هذه «الظروف» بما فتح الله عليه، حتى إن قلبك لينفطر شفقة ورثاء لحكامنا الطيبين المظلومين، هؤلاء الذين نقسو عليهم في الأحكام مع الإغفال لمثل هذه «الظروف المعاكسة»، وعلم الله أن هذه الظروف المعاكسة كانت من الحجج الثمينة الغائبة على حكامنا، وسنبصر وتبصرون فنون التصرف في هذه الحجة البليغة في قادم الأيام والأمر لله رب العالمين.
ثم بعد هذا تصدى الأستاذ يعقوب بتبيان الإنجازات الضخمة التي تمت عبر هذه الفترة، وذلك في الكلام المكرور عن المؤسسات الإسلامية وما إليه. ثم لم ينسَ أن ينوه بمساهمة النميري الفكرية في الصحوة الإسلامية ورفدها بمؤلفه «النهج الإسلامي.. لماذا؟!» وبشر بالمساهمة القادمة «النهج الإسلامي.. كيف؟».
هذا ما كان من أمر موسى، أما الأنموذج الثاني فقد كتبه أحد وجوه شباب الحركة، وهو من أبناء جيلنا ونشهد له بتعدد المواهب، وإنا لنربأ أن تكون مؤهلاته ومواهبه متوفرة على التبرير. وهذا شاب ينبغي أن ينمو إباؤه ونقاء ضميره وقوة قلمه لغير هذا. ولئن تقلب شباب الحركة في مثل هذا فقد تودع منها.
ومضمون مقاله أو رسالته الخبرية التي نشرت بهذه المجلة «المجتمع» يدور حول المعاني التي طرقها موسى يعقوب، وإن كانت أخف كثيرًا مما ساقه غير أنها خرجت من نفس الرحم أي رحم الولاء الجديد. واللهم إنا نبرأ إليك مما يصنع هؤلاء!
ماهية هذا الولاء:
إن الحركة- كما أسلفت- وجدت نفسها في دور الشريك. ووجدت نفسها مأسورة بالقانون النفسي المتولد من هذه الشراكة، وما كان لها أن تفلت من تطبيقات هذا القانون فإن الإنسان إنسان في النهاية، وقد وجدت الحركة نفسها محاصرة بمجموعة من التساؤلات الموضوعية عن كثير من المسائل التي تتصل بالمعاناة العامة لأهل السودان من جهة، وبحصيلة السعي المتصل بهدف الحركة الأساس «الإسلام».
فأما في الناحية الأولى فالإمساك بنا أولى لأنه ليس موضوعنا تمامًا وإن لم يكن منفصلًا في إطار تصورنا الإسلامي. والجانب الآخر أقل ما يقال عنه إنه حصيلة غير متناسبة أبدًا مع الثمن المبذول فيه.
ومن هنا وجدت الحركة نفسها مضطرة لتبرير بقائها الذي استنفد أغراضه- ثم إن جرثومة التبرير نمت حتى اتسعت للنظام نفسه وقليلًا قليلًا وجدت الحركة نفسها موالية للنظام- دون أن تشعر بمقتضى منطق المشاركة والمحالفة الذي جعلها وإياه في خندق واحد ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وأشياء أخرى:
وهناك أمور أخرى لا بد من الإلماح إليها، فمنها افتقاد الحركة لدورها السابق كنصير للمستضعفين، وقد كان ذلك من أكبر العوامل التي ساعدت على تقليص المد الشيوعي في السودان. فالحركة قد تصدت في سابق أيامها لهذا، وقد أظل الناس زمان كانوا يقلبون أبصارهم في كل الأنحاء فلا يجدون غير الإسلاميين، ومن أسف أن هذا الزمان قد ولى؛ فقد صار بعض الإسلاميين غمًّا على المستجيرين بهم، فبدلًا من التنفيس عليهم بالكلام الطيب- على أقل تقدير- انقلبوا إلى التبرير للأخطاء.
وإن أكبر خطر يتهدد الحركة من الشيوعية يتوقع إتيانه من هذه الثغرة؛ فقد خلا الجو وصاروا يستعيدون المساحات المفقودة، باستغلالهم لمعاناة الناس المتزايدة، وما لم يحدث تلافٍ سريع لهذا الأمر فستضيع جهود ثلاثة عقود من الزمان بددًا.
وهذا القدر يكفي في هذه الجوانب، وبقي أن ندور على إشارات أخرى تتصل بالمسار العام للحركة وتوجهها الفكري، وهذا هو موضوع مقالنا القادم بإذن الله.