العنوان الحركة الإسلامية في مواجهة الطغيان الإعلامي (۱ من ۲)
الكاتب محمد أحمد نصر
تاريخ النشر السبت 11-يناير-2003
مشاهدات 64
نشر في العدد 1534
نشر في الصفحة 66
السبت 11-يناير-2003
قلت يومًا لمسؤول إعلامي مصري كبير إنكم تأمرون الصحف الرسمية وجهازي الإذاعة والتلفاز ألا ينشروا ولا يذيعوا أخبارًا أو موضوعات بعينها، في الوقت الذي يستطيع القارئ أو المستمع والمشاهد قراءة أو معرفة ما تحجبونه لو اشترى صحف المعارضة، أو لجأ إلى الإذاعات ومحطات التلفاز الأجنبية، فرد الرجل المهم وابتسامة ساخرة تملأ وجهه قائلًا: إن الذين يشترون صحف المعارضة أو يستمعون إلى الإذاعات الأجنبية ليسوا سوى أعداد قليلة من أصحاب الياقات البيضاء، أما الغالبية الغالبة من الناس فليس لديها لا الوقت ولا الرغبة في تلك الرفاهية.
لم أكن حتى تلك اللحظة من عام ١٩٧٧ أدرك أن النظام السياسي (آنذاك) قد حسب الأمر بهذه الصورة، وأصابني كدر، فقد كنت أتصور لقلة خبرتي الإعلامية آنذاك، إن صحف المعارضة الوليدة يمكن أن تسهم في استنقاذ الجماهير من تأثير عمليات غسل المخ المتصلة من لدن عهد عبد الناصر.
وتأكد لي أن رهان النظام على امتلاك وتوجيه وسائل الإعلام أمر لا يقبل الجدل أو المناقشة، وتأكد ذلك أكثر عندما بدأ السادات مشوار كامب ديفيد في نهاية عام ۱۹۷۷، فقد كتبت رموز وشخصيات مصرية كثيرة في صحف المعارضة والصحف العربية المهاجرة في لندن وغيرها كثيرًا ضد ما سمي مبادرة السلام، وضد مفاوضات كامب ديفيد والمعاهدة.
والتطبيع دونما تأثير كبير، في حين نجحت حملات الإعلام الحكومي في غسل أدمغة كثير من المصريين، لدرجة أن شبابًا بالمئات ذهبوا بعد ذلك بسنوات قليلة لفلسطين المحتلة، وتأكد أن رجال أعمال مصريين غير قليلين تاجروا مع العدو، وأن بعض علماء ومثقفين تحمسوا للتطبيع، ومارسوه علانية بلا حياء منذ أواخر السبعينيات وإلى وقت قريب بعيد اندلاع انتفاضة الأقصى المباركة في سبتمبر ۲۰۰۰.
بين ضعف تأثير الميديا وقوة الاتصال المباشر على أنه في تطبيق آخر استخدم النظامالمصري جهاز الإعلام بكافة وسائله المقروءة والمسموعة والمرئية لمحاولة وقف أو عرقلة التمدد والانتشار المستمر للحركة الإسلامية- الإخوانية وغير الإخوانية- عند قطاعات الشباب خصوصًا، وتوالت الحملات وتنوعت فنونها وأساليبها منذ قبلنهاية عصر السادات في عام ۱۹۸۱ وإلى الآن، وزاد النظام على تجنيده كافة أجهزة الإعلام المسماة بالقومية، والصحف شبه المستقلة القليلة ضد الحركة الإسلامية المعتدلة، تجنيد عناصر معينة داخل وسائل الإعلام العربية التي تصدر، أو تبث من لندن وباريس وروما كي تشارك بطريقة أو أخرى في هذه المواجهة المستمرة للظاهرة.
ولعب الإعلام الغربي من جهته وبإمكاناته المهنية والتقنية الهائلة -ولا يزال- في نفس ملعب النظام، عبر المراسلين الأجانب المتغلغلين حاليًا في بلادنا، ويكفي في الكلام عن هؤلاء في هذا المقام أن نشير بسرعة إلى مبالغات متعمدة في تغطيات بعضهم بهدف التخويف من الإسلاميين، أو التحريض عليهم صراحة في المقابلات الصحفية التي يجرونها مع الرؤساء والمسؤولين العرب، والمعروف أن لدى السلطات أجهزة رسمية متعددة لرصد ما يكتبه أو يبثه الإعلام الغربي، ويتم تقديم تقارير فورية ربما كل ساعة لكبار المسؤولين بهذا الشأن.
ويبدو الأمر وكأنه نوع من تلاقي المصلحة بين هذه الأطراف جميعًا، ومن ثم نشأ تحالف غير مكتوب بينهم لتشويه الظاهرة الإسلامية أو التعتيم على إيجابياتها، أو التحريض عليها، ولا يكاد يمر أسبوع دون أن تنشر أو تذاع مواد تصب في تحقيق هذا الهدف الإستراتيجي، وغني عن القول إن الإعلام الرسمي والعربي والأجنبي لا يلعب في هذه الساحة بمفرده، وإنما تشترك في أداء هذه المهمة الإستراتيجية -في مصر على وجه الخصوص- أجهزة تنفيذية عديدة على رأسها الشرطة والنيابة والمحاكمات العسكرية والبيروقراطية الحكومية (عبر توظيف آليات معينة كالتشتيت الإداري والاضطهاد والملاحقات والتضييق على الأعمال والمشروعات التجارية والتعليمية والخيرية).
لسنا الآن بصدد تفصيل وسائل الحرب على الظاهرة الإسلامية الحركية عمومًا، ولنعد إلى ظاهرة الفشل الإعلامي الرسمي في مواجهة الانتشار والتمدد الحركي الإسلامي المعتدل على الساحات السياسية والاجتماعية والنقابية وغيرها (يتصرف النظام المصري عن قناعة مؤكدة لديه أن تغلغل الإخوان تحديدًا في المجتمع بلغ درجة كبيرة قد تمكنهم من تحقيق الفوز في أي انتخابات حرة نزيهة تجرى في البلاد، ويستوي في ذلك انتخابات الجمعيات الأهلية والنوادي مع المحليات والنقابات واتحادات الطلاب وعمادة الكليات الجامعية فضلًا عن البرلمان).
والسؤال الذي نطرحه ونجيب عنه بعد قليل هو: لماذا نجحت السلطة المصرية على وجه التحديد في استخدام الإعلام فيما يتعلق بكامب ديفيد وما تلاها من ترويج للتطبيع، ولم تنجح في منع انتشار أو تحجيم الحركة الإسلامية بالمجتمع؟
تحضرني هنا خلاصة مقال نشره أحد الإعلاميين القوميين وهو العميد السابق لكلية الإعلام بجامعة القاهرة، إذ كتب يقول ما خلاصته أن أسلوب الاتصال المباشر الذي يستخدمه الإخوان والإسلاميون عمومًا هو السر.
والحقيقة التي أصاب هذا الخبير الأكاديمي كبدها هي أن هذا الأسلوب خصيصة لصيقة بالإسلام ووسائل الدعوة المؤثرة التي علمها للأمة القرآن الكريم وسنة النبي محمدصلى الله عليه وسلم.
إن الدعوة الإسلامية لم تصل ولم تقبل من أهل السند والهند وإفريقيا وغيرها من أصقاع الأرض عبر الخطب والكلمات الرنانة، ولكنها وصلت للناس عبر المعاملة الطيبة والانخراط المتفاعل مع الناس والقدوة والأخلاق الحميدة التي تأسر الكائن البشري، مهما كانت ملته أو عقيدته الدينية أوالأرضية.
إن ما يفعله كل حركي إسلامي واع ليس سوى الاجتهاد، ربما أكثر من غيره، في الالتزام بأخلاق وأوامر ونواهي الدين في حياته اليومية وسط الناس، وتزداد فاعلية وتأثير هذه الطريقة في ظل الواقع الكتيب والمأزوم الذي يعيشه الفرد والمجتمع تحت وابل حملات التغريب والعلمنة والتشويه الثقافي.
إن التزام الحركيين الإسلاميين الواعين بالأخلاق والتقاليد الإسلامية كصلة الأرحام، والإحسان إلى الجار، وعيادة المريض، وتفقد أحوال الناس، وإغاثة الملهوف، وإماطة الأذى عن الطريق، ومساعدة المحتاج، ومواجهة الظلم بالحكمة والموعظة الحسنة- كلها أمور تساعدهم وستظل تساعدهم على الانتشار، وتجلب حب الناس لهم برغم حملات الظلم والتشويه الإعلامي التي لا تنقطع.
هذه الأساليب الدعوية البسيطة لا يمكن لأي قوة على وجه الأرض أن تمنعها أو تحد من تأثيرها الإيجابي المتمثل في حب الناسعامة للقائمين بها.