العنوان صـفحات من دفتــر الذكريـات (١٤): الحركة الإسلامية في ميـادين الكفاح الوطني
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 13-سبتمبر-1994
مشاهدات 74
نشر في العدد 1116
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 13-سبتمبر-1994
مذكرات
كانت الحركة الإسلامية سابقة على الاحتلال الأجنبي وكان هدفها الأول إصلاح مجتمعنا وتطهيره من عوامل التخلف والفساد السياسي والخلقي والعجز الاقتصادي والعسكري الذي شجع الاستعمار على مهاجمة أقطارنا ومكنه من احتلالها، ولذلك كانت بدايتها حركة إصلاحية داخلية في أهدافها وغاياتها، وما زالت بعض الحركات الإسلامية في أقطار معينة ترفع شعار الإصلاح الاجتماعي، كما في الكويت والإمارات، بل وفي الجزائر وتتميز بأنها تصر على أنها دعوة إسلامية وتتفادى صفة الحزب أو الحركة السياسية.
الحركة الإسلامية والإصلاح الاجتماعي:
الأصل إذن في الإصلاح الاجتماعي أنه هو المهمة الأولى للحركة الإسلامية في بلاد لها كيان سياسي مستقل يسمح للشعوب بالاعتماد على الدول القائمة في مواجهة الخطر الأجنبي والتهديد الاستعماري، وهذا الإصلاح يتركز حول تطهير العقيدة من الخرافات وعوامل الشعوذة والتخلف وأحسن نماذج هذا النوع هو الدعوة الوهابية بسبب تحالفها مع الدولة السعودية الذي يقضي بأن تترك لها العمل السياسي.
أما في البلاد التي واجهت الاحتلال الأجنبي أو السيطرة الاستعمارية فإننا نرى الحركة الإسلامية تتجه إلى الجهاد ضد العدو لمقاومة الغزو العسكري والسيطرة السياسية الأجنبية، لأن الجهاد في هذه الحالة يصبح فرض عين في شريعتنا، وأحسن نماذج هذا النوع من حركات الجهاد الإسلامي هو حركة المهدي في السودان، وعبد الكريم الخطابي في المغرب، وعبد القادر في الجزائر.
وهناك حركات بدأت صوفية إصلاحية ثم فرض عليها الاحتلال أن تمارس المقاومة المسلحة والجهاد لصد الغارة الأجنبية مثل الدعوة السنوسية التي كانت حركة الشهيد عمر المختار امتدادًا لها.
كل هذه الحركات كانت تعمل وحدها في الميدان، وكانت حركات جهاد إسلامي وكفاح وطني في نفس الوقت، ولم يكن هناك أحزاب أو حركات ترفع شعارات القومية أو الوطنية.
مواجهة الغزو الاستعماري:
ولكن نجاح القِوَى الأجنبية في تمزيق أقطارنا وفرض الحكم الاستعماري المباشر أو غير المباشر على كثير منها عقب الحرب العالمية الأولى، اضطر دعاة الإسلام إلى أن يواجهوا هذا الواقع باستراتيجية طويلة الأمد بإنشاء حركات إسلامية عصرية شاملة أولها حركة الإخوان المسلمين، وهدفها إعادة بناء جيل ومجتمع إسلامي قادر على قيادة الأمة نحو التحرير الكامل على مراحل متتالية أولها : مرحلة الكفاح الوطني التي يمارس فيها الإسلاميون دور التوجيه والتدعيم الذي لا يشغلها عن مهمتها الأساسية مهمة «التربية» لإصلاح المجتمع ولبناء هياكل وقيادة قادرة على مناهضة الغزو الفكري والتحدي الحضاري الذي كانت السيطرة العسكرية والسياسية والنفوذ الأجنبي في نظرها سلاحًا لتنفيذ أهدافه، وتظهر أهمية ذلك في المرحلة التالية بعد الاستقلال الوطني الذي تم في نطاق التجزئة القطرية التي فرضتها الدول الاستعمارية وقصدت منها أن تكون الدول القطرية عاجزة عن مواجهة الغزو الحضاري وأن تصبح فريسة للتبعية الاقتصادية والعسكرية والسياسية والثقافية.
تتميز الحركات الإسلامية العصرية بأنها تتمسك بمبدأ شمول الإسلام لجميع نواحي الحياة الاجتماعية والفردية، أول وأهم نماذج هذا النوع هو حركة الإخوان المسلمين التي وصفها مؤسسها بأنها دعوة عامة شاملة لجميع ميادين العمل الإسلامي في الإصلاح العقيدي والأخلاقي والاجتماعي فضلا عن التحرر الاقتصادي والسياسي الذي يبنى على أساس وحدة الأمة ومقوماتها التاريخية، وكان يصفها بأنها حركة وطنية كما أنها دعوة إصلاح اجتماعي واقتصادي وتحرر سياسي ووحدة شاملة.
الإخوان المسلمون:
إن حركة الإخوان كانت لا تقبل أن توصف بأنها حزب أو حركة وطنية مصرية أو قطرية لأن مهمتها تتجاوز نطاق الإقليم القطري وكانت تعتبر الكفاح الوطني فرعا من فروع العمل الإسلامي، وصورة من صور الجهاد ضد أعداء الإسلام، ومرحلة من مراحله تشارك فيه وتدعمه، وإذا كانت لا يمكن أن تحصر نشاطها في إطاره إلا أنها كانت تؤيد الحركات الوطنية وتدعمها، ولا يمكن أن تعطل كفاحها لمقاومة الاحتلال والسيطرة الاستعمارية بل تشارك فيه ما دام يعتمد الجهاد طريقًا له.
الخُطَّة التي سارت عليها جماعة الإخوان المسلمين هي أن الكفاح الوطني صورة من صور الجهاد الإسلامي في مرحلة معينة للقضاء على الاحتلال العسكري الأجنبي الذي يمكن أعداء الإسلام من تنفيذ مخططاتهم الاستيطانية لغرس مستوطنين أجانب في أقاليم عربية وإسلامية كما كان الأمر في الجزائر وفلسطين وليبيا أو تكوين طبقات مستغربة عميلة في مصر وغيرها من الأقطار تتولى تنفيذ مخططات القُوَى الأجنبية الرامية إلى فرص التبعية الاقتصادية والثقافية والسياسية والعسكرية على أمتنا بواسطة حكومات عميلة، لا تستطيع البقاء إلا في ظل هذه التبعية وتفرض عليها أن تمارس العَلمانية التي تسوقها نحو الانفصال عن التيار الشعبي الإسلامي، وتؤدي إلى تورطها في السير في طرق القمع والاضطهاد لرموز هذا التيار وقياداته الفكرية والهيئات والمنظمات التي تعبر عن هذا التيار الشعبي وتغذيه بروح المقاومة للنفوذ الأجنبي.
أسلوب العمل عند الإخوان:
من ناحية أخرى فإن قيادات الأحزاب والحكومات الوطنية المخلصة التي لم تشارك في عمليات القمع والاضطهاد ضد التيار الإسلامي قد التزمت بالحدود القطرية التي فرضها الاستعمار وبعضها اعتبرت حصولها على الاستقلال في إطار هذه الحدود نهاية لكفاحها «الوطني»، كما أنها شغلت بالأهداف السياسية عن البناء الاجتماعي والثقافي والاقتصادي المؤسس على المقومات التي أكسبتها هويتها والتي تغذي طاقة الجهاد والتضحية لدى أفرادها فكان ما فعلته حركة الإخوان وغيرها من الهيئات والحركات الإسلامية هو أنها اتجهت مباشرة إلى القواعد الشعبية لكي تتفادى مزاحمة الزعماء والحكام الوطنيين في عملهم السياسي القطري - بل كانت تؤيدهم – ما دام أنهم مستمرون في خُطَّة المجابهة مع العدو الأجنبي.
لكن الوضع قد تغير عندما تم في بعض الأقطار تصالح الأحزاب والحكومات الوطنية مع القُوَى الأجنبية، ووصل التصالح إلى درجة قيام بعضها بالتعاون مع تلك القوى الأجنبية ومساعدتها في تنفيذ مخططاتها بعد الاستقلال، مما يهدد بضياع مزايا الاستقلال في نظر شعوبنا، بل جعل بعض هذه الدول القطرية وحكوماتها عاجزة عن توفير أسباب الاكتفاء الذاتي في النواحي الاقتصادية والدفاعية وجعلها تستجدي المال والسلاح من القُوَى الأجنبية مقابل أن تسير في ركابها وتقبل ما فرضته عليها من التنكر لمقومات الأمة وأصالتها وعقيدتها ووحدتها ومقاومة دعاتها بحجة فصل الدين عن الدولة، أو رفع شعارات عَلمانية لا دينية تزعم أنه لا دين في السياسة، وتروج دعوات ترفع شعارات وحدوية قومية عنصرية تؤيدها بعض القُوَى الأجنبية مؤقتا لتكون وسيلة لصرف الشعوب عن وحدتها التاريخية الشاملة والاعتماد على أيديولوجيات مستوردة كالاشتراكية أو القومية أو الليبرالية، وتحظى لذلك بإشادة الأعداء باتجاهاتها العصرية التقدمية أو المعتدلة أو ما شابه ذلك.
اتجاه الحكومات إلى السير في فلك الأسفار:
هنا بدأت الحركة الإسلامية في الانفصال عن الحكومات الوطنية الحزبية أو الدكتاتورية التي انحرفت عن الأهداف الإسلامية الشاملة التي تؤمن بها القاعدة الشعبية، وعارضت الحكام الذين ساروا في طريق الدكتاتورية لفرض الشعارات المستوردة والاتجاهات اللا دينية أو العَلمانية أو القومية العنصرية كما فعل أتاتورك ومن سار على نهجه وهذه هي المرحلة الثانية مرحلة الانفصال بين الحكم الوطني الذي يتجه نحو العَلمانية القطرية والتيار الإسلامي الذي يدافع عن الأصالة والوحدة الإسلامية التاريخية الشاملة.
ويكفي أن نشير إلى بداية هذه المرحلة في تركيا، فقد كان المسلمون جميعا يؤيدون أتاتورك ويشيدون به عندما كان يقود الجيش التركي لإخراج القوات اليونانية والمتحالفة من الأراضي التركية، لكن الرأي العام والإسلاميين جميعا انفصلوا عنه وتصدوا له بالقول والدعوة لمعارضته ومقاومة سياسته اللا دينية، وعندما استعمل ضدهم العنف والقوة والحكم العسكري بدأت المرحلة الثالثة وهي مرحلة المجابهة والمقاومة الإسلامية لما يسمونه الكمالية وكل نظام يسير على منهاجها في تركيا وغيرها فيمَا بعد.
وقد أبدع أمير الشعراء أحمد شوقي في تصوير مشاعر الذين تضامنوا مع أتاتورك عندما كان وطنيا يقود دفاع الجيش التركي عن الأناضول، ولكنهم يلومونه ويعارضونه عندما دفعه غروره وسلطته الدكتاتورية إلى «الإلحاد» و«الإباحية» باسم العَلمانية واللا دينية وهذه مقتطفات من قصيدته المنشورة بعنوان «خلافة الإسلام (۱) :
أسـتـغـفـر الأخـلاق لست بجـاحـد *** من كـنـت أدفــع عــنـه وألاحــــي
مــــــا لي أطوقــــه المـلام وطالما *** قـلـدته المـأثور من أمــــداحي (۲)
أأقول من أحـيـا الجـمـاعة ملـحد ؟ *** وأقـول من رد الحـقـوق «إباحي»؟
أدوا إلى الغـازي النصيحة ينتصح *** إن الجـــواد يـثـــوب بـعــد جــمـاح
إن الغـرور سـقى الرئـيس براحـه *** كيف احتيالك في صريع الراح(۳)
هم أطلقـوا يده كـقـيـصـر فـيـهـمـو *** حــتــى تناول كل غــيــر مــبــــاح
غـرته طاعــات الجـمـوع، ودولة *** وجد السواد لما هوى المرتاح
من يراجع سجل الحكام الوطنيين في بعض الأقطار العربية سيجد أن كثيرين منهم يخدع الجماهير بتزعم المقاومة للاستعمار، ثم عندما يعترف لهم الاستعمار بالسلطة تجدهم يسيرون في الطريق الذي يحقق لهم أهدافهم، ويستعملون سلطتهم الدكتاتورية لفرض الإلحاد والإباحية بل وممارستها فعلا بحجة العصرية أو التقدمية التي تعني في نظرهم الهجوم على المقدسات التي تعتز بها جماهير شعوبهم مثل فريضة الصوم في (تونس)، والالتزام بالسنة النبوية في (ليبيا)، وإطلاق يد الهيئات التنصيرية في إندونيسيا)، وعلمانية التعليم ومناهجه في أقطار أخرى كثيرة.
بعض الحكومات تتورط في العمل ضد الإسلام:
ومن ناحية أخرى نجد بعض هؤلاء الحكام الوطنيين يتورطون في التآمر على دعاة الإسلام وتلفيق التهم للإسلاميين بقصد إعدام قادتهم ومفكريهم لفتح الطريق أمام المد الاشتراكي الماركسي ودعاة العَلمانية اللا دينية في بعض البلاد أو للتمكين للطائفية البعثية التي تتستر وراء القومية العربية كما حدث في بلاد أخرى، وإذا كان هؤلاء الحكام الوطنيون لم ينجحوا في أن يفرضوا ما فرضه أتاتورك على شعبه، فإن السبب في ذلك هو قدرة الإسلاميين والحركات الإسلامية العصرية على توجيه الجماهير في تلك البلاد للوقوف في وجه هذا التيار العلماني الإلحادي في حين أن أتاتورك نفذ خطته في غفلة من الزمان عندما لم يكن في تركيا في عهده تيار إسلامي عصري يتحداه ويحول دون طغيانه واستبداده.
إن من يتتبع كتابات الصحف والكتب التي صدرت في هذه الفترة في أوروبا وأمريكا يتبين له أن الثناء الذين كانوا يكيلونه للبورقيبيين والناصريين والبعثيين مرجعه في نظرهم أنهم كانوا يسيرون نحو الأهداف التي حققها أتاتورك في تركيا قبل وجود الحركات الإسلامية الحديثة وأنهم كانوا يأملون في أن يصلوا إلى ما وصل إليه نظام أتاتورك في تركيا وما زال كثيرون يعملون لذلك، ولكنهم يعتبرون أن العقبة الكبرى في طريقهم هي الحركات الإسلامية العصرية أو ما يسمونه الإسلام السياسي، لذلك يوجهون بعض النظم والحكومات والأحزاب لمقاومته والتشهير به وتنفيذ الخطط الأجنبية لتجفيف منابعه الفكرية والثقافية والتاريخية.
كثيرون كانوا متأثرين بما أصاب الإسلاميين في مصر وسوريا والعراق وتونس وأندونيسيتا ... إلخ، من قمع وتشريد وسجن واعتقال، وكان بعضهم يتساءلون لماذا كتب عليهم أن يقاسوا كل ما قاسوه من اضطهاد وأن يتحملوا كل ما تحملوه من تضحيات ويظنون أن ذلك كان دون فائدة، وينسون أن هذه التضحيات هي التي حطمت الهجمة اللا دينية العَلمانية التي قامت بها بعض النظم العلمانية القطرية الوطنية بتحريض من القُوَى الأجنبية والدوائر الاستعمارية عندما تم التصالح بين الطرفين بعد الاستقلال، بل إقدام بعضهم على قتل بعض الزعماء الإسلاميين مقابل اعتراف الدول الاستعمارية لهم بالاستقلال أو الاعتدال الذي يمكنهم من السلطة ويعطيهم مقاليد الحكم، ولكن في الحدود التي وضعتها القُوَى الأجنبية وأولها ابتعاد الحكم الوطني عن مبادئ الإسلام وشعاراته والإيقاع بينهم وبين التيار الإسلامي الذي يصر على الدفاع عن هذه المبادئ أو يحيي هذه الشعارات التي يخشاها الاستعمار.
الانحراف يبدأ بالخضوع للضغوط الأجنبية:
لا شكَّ أن الانتقال من مرحلة التضامن بين التيار الإسلامي والحركات التي ترفع شعارات وطنية صدقا أو كذبا إلى الانفصال بينهما ثم إلى المجابهة والتحدي بين بعض الحكومات الوطنية وشعوبها لمجرد أنها تؤيد الاتجاه الإسلامي - كما حدث في الجزائر لم يتم في يوم واحد، ولا في ظروف واحدة في جميع الأقطار، بل كان يختلف باختلاف ظروف كل قطر عن الآخر من حيث مدى تغلغل النفوذ أو السيطرة الأجنبية ومدى نضج الحركة الإسلامية وقوتها ومدى الانحراف الذي انساق إليه الحكام الوطنيون.
إن الانحراف يبدأ عادة بالخضوع لضغوط أجنبية وتهديدات استعمارية تجعل الحكم الوطني يظهر في أول الأمر معذورًا أو مضطرًا، ويقنع أتباعه بذلك لأنه لم يكن يعلن خضوعه لتلك الضغوط أو يعترف بها، بل يبرر مواقفه بأنه يسير نحو مجاراة تيار التحديث أو التقدم، بل يتهم من يعارضون العَلمانية بأنهم رجعيون، ويتحدى مشاعر الشعوب معتمدًا على استبداده بالسلطة وغروره بتزييف الإعلام وأكاذيبه، وبأسلحة القمع والإرهاب والدكتاتورية.
هذه الصورة الإعلامية المزورة كانت تخدع كثيرين وتؤدي إلى ظهور نزعات استسلاميه في الرأي العام بل بين من يسمون علماء أو يرفعون شعارات إسلامية، بل إن بعضهم يستند إلى فتاوى قديمة أو حديثة تبرر الخضوع للحكام والاستسلام لسلطانهم بحجة تفادي الفتن وحقن الدماء، أو بحجة الاجتهاد والتجديد ومسايرة العصر وما إلى ذلك.
وهنا يبدو أمام الناس كأن التيار الإسلامي يتعرض لانشقاقات بظهور طائفة من العقلاء والمعتدلين تنحاز للسلطة المستبدة وتبرر إرهابها وسياستها الانحرافية.
وأخطر من الانشقاقات ما تتعرض له بعض الحركات الإسلامية من انحراف حكام يرفعون شعاراتها أو يحظون بتأييدها أو مشاركتهم لها في السلطة، وعندما يستقرون في مقاعد الحكم يفتنون بها، بل قد يصبح قادتها أكثر حرصا على منافع السلطة ومزاياها من حرصهم على الاعتبارات الأصولية أو العقيدية أو التحررية، ويحاول بعضهم تزييفها بفتاوى ملفقة وتبريرات فقهية وكثيرون يشيرون في هذا الصدد إلى استسلام السنوسيين في ليبيا وتخليهم عن عمر المختار في مقاومته للاحتلال، وانحياز المهديين في السودان للإنجليز ضد الوحدة مع مصر وضد التيار الإسلامي الذي كانوا أبطاله في بداية حركتهم.
تطورات الحركة الإسلامية في شمال إفريقيَا:
ونحن لا نستطيع الآن أن نستعرض كل ما حدث في هذه الأقطار جميعا، بل نقصر بحثنا على تطورات الحركة الإسلامية في أفريقيا الشِّمالية.
ففي المرحلة الأولى كان الإخوان المسلمون يعملون في اتجاهين فهناك فرقة تعمل في إطار التعاون مع الحركة الوطنية وتؤيدها بكل حزم وقوة، وفريق آخر يقوم بالدعوة في القواعد الشعبية للإصلاح الديني والأخلاقي والاجتماعي الداخلي، وكان هذا الفريق في الجزائر يتعاون تعاونا كاملًا مع جمعية العلماء الجزائريين، وفي تونس التعاون مع علماء تونسيين كثيرين ولا سيما من كانوا من أنصار الدستور القديم مثل القليبي، في حين كانت الفرقة الأولى تتعاون مع حزب الشعب الجزائري ثم مع جبهة التحرير، بل ومع أمثالها من الأحزاب الوطنية في تونس والمغرب، ولا أنكر أنني كنت من هذا الفريق.
في عملنا مع الحركات الوطنية كنا على بينة من أن هذا ليس هو الأسلوب الوحيد للعمل، وأن العمل الشعبي في الدعوة إلى الإصلاح الداخلي والتربية الإسلامية لا يقل أهمية عن العمل السياسي الوطني، ذلك أننا نعتبر أن العمل في الدعوة والتربية هدفه إحياء روح الجهاد لدى الأفراد، ودعوة الشعوب للتشبث بولائها للإسلام عقيدة وشريعة ومنهجاً شاملاً كاملًا للحياة الفردية والاجتماعية، وأن من يربون على هذا الأسلوب هم الذين تعتمد عليهم الحركات الوطنية عندما تدخل في مرحلة المقاومة المسلحة أو عندما تضطر إلى ذلك فالدعوة والتربية كانت الاحتياطي الشعبي الضروري لنجاح الحركات الوطنية وإمدادها بقوة كافية عند المجابهة مع قوى الاستعمار الطاغية التي لا تتورع عن استخدام القتل والإرهاب والجيش والشرطة وغيرها من أدوات القمع، ولو راجعنا قائمة المجاهدين الذين استشهدوا في ميادين المقاومة الجزائرية أو التونسية (الفلاجة) والمغربية فسوف نجد أن في مقدمتهم الأبطال الإسلاميين الذين لا يعرفون إلا الجهاد والاستشهاد وإن كانت الزعامات الوطنية هي التي نالت ثمرة هذا الاستشهاد بعد ذلك في صورة مناصب ومنافع ومشاركة في الحكم في تلك الأقطار بعد أن دخلوا مرحلة المفاوضات والمساومات مع القُوَى الأجنبية وحصلوا على ما اعتبروه استقلالًا وطنيا.
هذا الاستقلال الوطني القطري هو الذي فرق بين الإسلاميين ومن سموا أنفسهم وطنيون صدقا أو كذبا.
الهوامش:
1- تراجع هذه القصيدة في ديوان الشرقيات. الجزء الأول - طبعة دار اليوسف سنة ١٩٨٧ م ص ۹۱ ويلاحظ هنا أنه يعترف بأنه مدحه عندما كان يقود المقاومة ضد اليونانيين، ولكنه الآن يقدم له النصح حتى يرجع عن السير في طريق الإلحاد والإباحية ويفيق من غروره بالسلطة المطلقة التي تشبه سلطة قيصر وهي الغرور الذي زين له الهجوم على مقدسات الأمة التي لا يباح تناولها اعتماداً على تأييد سواد الناس له عندما كان يقود المقاومة ضد الاحتلال الأجنبي.
2- يشير بذلك إلى قصيدة سابقة بعنوان انتصار الأتراك في الحرب والسياسة قال فيها يمدح مصطفى كمال، ويشبهه بخالد بن الوليد سيف الله المسلول:
الله أكبر كم في الفتح من عجب *** يا خالد الترك جدد خالد العرب
تحية أيها الغازي، وتهنئة *** بآية الفتح تبقى آية الحقب
أخرجت للناس من ذل، ومن فشل *** شعبا وراء الموالي غير منشعب
3- يشير هنا إلى ما عرف من إدمان أتاتورك على شرب الخمر.