العنوان الحركة الإسلامية والدور الجديد (٢ من ٦): الدور المنشود للجماهير والأمة
الكاتب خالد الطراولي
تاريخ النشر السبت 30-أغسطس-2003
مشاهدات 73
نشر في العدد 1566
نشر في الصفحة 66
السبت 30-أغسطس-2003
على نقيض الطرح السابق يرفض فريق آخر، تحزب الإسلام أو الحركة الإسلامية، في مقابل السماح بالتحزب لأطرافها، وكان من أبرزهم الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي الذي عبر عن استيائه من زيغ الحركة الإسلامية عن الدعوة والإرشاد وانجرافها في المستنقع السياسي وما يجره من فتنة ومنازلة وانهيار القدسية الدين وظهره، وما يتطلبه كذلك من تكتل ومنافسة وندية للآخرين، فتفقد الحركة هذا القاسم المشترك وتنعزل وتسقط حيث يجب الاختلاط والنهوض[1].
إن النقد الموجه لهذه الأطروحة يدور غالبًا حول خطورة استبعاد الدين من المعترك السياسي، والفصل انتهاء بين الدين والسياسة، وهو ما وصل إليه بعضهم لما دفع هذا التعليل إلى منتهاه، كما ينذر هذا الطرح بالرجوع إلى حالة الغيبة السياسية للإسلام التي سبقت ظهور الحركة الإسلامية الحديثة، والتي مثل ظهورها ملئًا لهذا الفراغ واسترجاعًا لدور مفقود.
إن اللافت للنظر أن كلا الأطروحتين تجتمعان على الدور المنشود للجماهير وللامة، وأن نجاح التغيير يتم إما عن طريق تجميع الأمة تحت غطاء الحركة الإسلامية السياسية، وهي اجتهادات حسن البنا وجماعة الإخوان المسلمين أو عبر حفظ هذه الجماهير في نطاق واحد بعيدًا عن الإسلام السياسي الذي لا مبرر لوجوده لأنه أصبح عنصر تشتيت وتفريق للأمة، وهي افتراضات الطرف المقابل.
من خلال هذا الاعتبار للأمة يتجلى لنا المدخل الأساسي لما نطرحه، فالمشروع السياسي كان يفتقد ولا شك إلى هذا المرتع الخصب وإلى هذه الملاءة الشعبية التي يمثل رجوع الجماهير إلى رحاب الدين، ينبوعها وصمام أمانها، وذلك عبر ما تثمره منهجية التدين من نتائج وتحولات فقد تُغَيِّر النفوس وتشبعها عبادة وسموًا أخلاقيًا وروحيًا، وهي محطة أساسية وأولية في مسار التغيير كما عنيناه في مقال سابق[2]، ليصبح الإسلام السياسي المحطة الأخيرة فيه، ففي هذا الإطار وعلى خلاف أصحاب الطرح الأول، لن يتحمل الإسلام السياسي مهمة التغيير النفسي كما يبدو لهم، ولكن يتركه الحالة التدين الاجتماعي، ولن يمثل بالتالي كل حلقات التغيير وفي مقابل أصحاب الرؤية الثانية لا تسحب الحركة الإسلامية عن الركب ولا تضمحل كما يرون، ولكن تظل تؤدي وظيفتها حزبيًا وسياسيًا، مع اختلاف تدخلها في المسار التغييري.
إن إمكانية وصول الحركة الإسلامية إلى التمكين لا تزال صعبة المثال في ظل الخارج الرافض والداخل المرتاب أو المناهض، نظرًا لحملها مشروعًا نقيضًا ومغايرًا للمطروح، يصعب تبنيه ومساندته دون محطات تقشف ومراحل تنزيل صعبة ومكلفة للبلاد والعباد والتي يمكن أن تتعدى الجيل والجيلين لذا فإن حمل هذا المشروع لن يكون طائفيًا تجتمع عليه فئة وحسب، بل وجب أن يكون حامله هو نفسه المنزل عليه حتى يتبناه ويعيش على إنجاحه طوعًا دون إكراه، ويرتضي فترات التقشف المضني والزهد التي تتطلب جهدًا وصبرًا ومصابرةً، ولعلها تكون الغالية، خاصة في بداية التمكين والتحدي، ولا نرى غير الأمة في امتدادها قادرة على ذلك فمشروع الحركة الإسلامية هو مشروع تبني أكثر منه مشروع انتماء يتجاوز الإطار الأني ليجمع الدنيا والآخرة، فتتعدى نتائجه والمكافأة المرجوة منه البعد المادي البحث، فمن لا أجر له هنا، له كل الأجر هناك.
قد تتراوح أشكال التغيير وأصنافه ومنهجياته بين تربية النفس وتهذيبها، وتشكيل العقول وتوعيتها وتنظيم الاقتصاد وتخليقه، وتبديل الحكم وآلياته وهي محطات لا نخال أن للإسلام السياسي دورًا مجديًا في اجتماعها تحت مظلته في كل المراحل وإلا وقع في منازلة ومواجهة مع أطراف المجتمع، سلطة ومعارضة وحتى جمهورًا، فكان الصراع مع السلطة صراعا للأقطاب ونزالًا حتى الموت الخلوص السلطات القائمة في استنتاجاتها إلى أن المواجهة غير مضمونة العواقب بدون استعمال العضلات، لأن الإسلام السياسي قد جمع كل حلقات الفضاء الإنساني وخاصة الجانب النفسي والثقافي والشعوري والوجداني، معتمدًا في ذلك على هوية الجماهير وموروثها ومرجعيتها التي لم يتزعزع بنيانها الإسلامي رغم الهزات والضربات من الداخل والخارج.
وهي مواجهة مع أحزاب المجتمع المدني الذين خلصوا أيضًا إلى أن المنازلة مع الإسلام السياسي لا يملكون كل أوراقها، وأنها قضية منهزومون فيها لا محالة وما النداء باستبعاد الدين عن السياسة إلا محاولة سياسية من هؤلاء لهدم هذا الرباط بين السياسي والإسلام المدني حتى تفقد الحركة الإسلامية إطارها وزخمها وفاعليتها.
وهي في بعض الأحيان مواجهة مع الجمهور نفسه عندما ينال البعض منهم تحت تأثير ظروف وحالات ووقائع داخلية أو خارجية الخوف والريبة من أن يتضخم الإسلام السياسي فيأكل الحابل والنابل وينفرد بالساحة حيث لا رقيب ولا مراجع، فيصبح النقد عداء والمراجعة كفرًا بواحًا.
[1] محمد سعيد رمضان البوطي الجهاد في الإسلام كيف تفهمه كيف تمارسه، دار الفكر المعاصر بيروت ۱۹۹۳.
[2] خالد الطراولي «التدين كمنهجية للتغيير الاجتماعي والدور المنشود للأمة» بحث غير منشور.