العنوان الحركة الإسلامية وحرب الخليج الثالثة
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 14-يونيو-2003
مشاهدات 61
نشر في العدد 1555
نشر في الصفحة 40
السبت 14-يونيو-2003
خلال ربع قرن تعرضت الحركة الإسلامية لثلاثة مواقف حاسمة بسبب ثلاثة حروب مدمرة في الخليج: العراق وإيران، العراق وغزو الكويت ثم العدوان الأمريكي على العراق، وكان لهذه الحروب المدمرة آثار بالغة الأهمية في مسيرة الإسلاميين وفي تطور خطابهم السياسي ومواقفهم العملية، بل وفي إحداث توترات وانقسامات أو بروز حركات جديدة.
في حرب الخليج الأولى: اتخذ الإخوان المسلمون «كبرى الحركات الإسلامية» موقف الحياد بين العراق وإيران، والمطالبة بإنهاء الحرب فورًا، والسعي لدىٰ الطرفين لوقف إطلاق النار، وتحرير الأسرىٰ، وحل الخلافات الحدودية بالطرق السلمية، ورفض مرشد الإخوان الراحل عمر التلمساني زيارة أي من البلدين إلا بشرط التباحث حول سبل وقف إطلاق النار، وكان للتيارات الأخرى مواقف أخرى، فقد تبنى تيار سلفي الهجوم الشديد على إيران وساهم بعض الحكومات في دعم طباعة كتب عدة شنت حملة تكفير على الشيعة تحذر من خطر «المجوس» -كما سمتهم- فيما تدفقت أموال لدعم المجهود الحربي العراقي، كما نشأت بسبب الحرب تيارات جديدة على النقيض تبنت الفكر الشيعي الحركي أو المذهبي، وتسببت الحرب في خروج حزب الدعوة العراقي إلى المنفىٰ، فيما برز «حزب الله» في لبنان عام ۱۹۸۲م بخروج عباس الموسوي وآخرين من حركة «أمل»، وكذلك تأثر الشهيد «فتحي الشقاقي»، طالب الطب الفلسطيني الذي كان يدرس آنذاك بمصر، وكتب رسالته الصغيرة «الخميني: الحل الإسلامي البديل»، وتبنى رؤية للعمل في فلسطين أثمرت في النهاية عن تأسيس «حركة الجهاد الإسلامي»، التي تطورت لتصبح رقمًا مهمًا في الساحة الفلسطينية وارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالثورة الإيرانية
ثم جاءت كارثة غزو العراق للكويت كثمرة سياسية للحرب الأولى وإحدى أهم تداعياتها.
وتميز موقف الإخوان كذلك خلال الحرب الثانية باستقلاليته: فقد أدان الغزو العراقي فور وقوعه وحذر من تداعياته وآثاره الخطيرة، وعندما تدفقت الحشود العسكرية الغربية على الخليج دان الإخوان الاستعانة بهذه الحشود وحذروا من بقائها إلى أمد غير معلوم وأن ذلك عودة الاحتلال العسكري من جديد.
شكلت قيادة الإخوان وفدًا من الحركات الإسلامية في العالم لزيارة أطراف النزاع تطبيقًا للأمر الإلهي ﴿ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ﴾(الحجرات: ٩) وتسبب منع السلطات المصرية للمرشد ونائبه من رئاسة الوفد أن برز نجم بعض أعضائه وتسببت تصريحاتهم في ارتباك شديد المهمة الوفد التي كانت محددة وواضحة من البداية في المطالبة الصريحة الواضحة بسحب القوات العراقية فورًا ودون شروط من الكويت لقطع الطريق على بقاء القوات الأجنبية واستقرارها في المنطقة.
أثمرت حرب الخليج الثانية إرهاصات تشكيل فكري جديد لمجموعة المجاهدين العرب في أفغانستان خاصًّة هؤلاء الذين وفدوا من الخليج، وبدأ تأثير مجموعات المصريين خاصة «الجهاد» -بقيادة الدكتور سيد إمام ثم د. أيمن الظواهري والجماعة الإسلامية- يظهر في فكر وحركة أسامة بن لادن، وكان لهؤلاء قضية واضحة تتمثل في تغيير نظم الحكم في بلادهم (مصر والجزائر... إلخ) وبدأ تشكيل مجموعات حول هذا الفكر انتهت في منتصف التسعينيات بتبلور «تنظيم قاعدة الجهاد»، أو «الجبهة العالمية لمقاتلة اليهود والصليبيين».
وحدث بسبب ذلك ارتباك شديد داخل التيارات الإسلامية أمام هذا التطور الجديد.
فرض الأمريكيون حصارًا طويلًا مرهقًا على العراق، وأبقوا على نظام صدام حسين، وتخلوا عن الانتفاضة الشعبية في شمال وجنوب العراق، وتركوا الآلاف يقتلون بسلاح الجيش العراقي، ولم يساندوا الشعب العراقي لتحقيق حريته، وتغيير نظام حكمه بإرادته الحرة عبر انتفاضته الشعبية لغرض في نفس يعقوب ظهر بعد عشر سنوات وهو أن: أمريكا تريد أن تسقط الثمرة ناضجة في يدها هي لا في يد إيران أو تركيا.
وتكرس وضع حزب الله وحركة الجهاد الإسلامي في لبنان وفلسطين، وكانت «حماس» قد ظهرت لأسباب موضوعية في فلسطين كذراع سياسي وعسكري بعد ذلك للإخوان في فلسطين رفعت راية التحرر الوطني، والجهاد من أجل التحرير، والسعي إلى استقلال حقيقي على الأرض في مواجهة الانهيار الكبير الذي أصاب منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت ومازالت أبرز الخاسرين في زلزال الخليج الثاني فدخلت نفق المفاوضات السرية المظلم.
ومع التصدع الكبير الذي أصاب الفكر الاشتراكي بانهيار الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية، والشرخ الكبير الذي أصاب الفكر القومي عقب غزو الكويت، وانضمام سورية إلى معسكر التحالف ضد العراق بعد أن كانت شكلت محورًا مع إيران في الحرب الأولى، والانهيار الضخم الذي أصاب منظمة التحرير الفلسطينية وما لحق نتيجة ذلك القضية القومية الأولى والمركزية على يد الاتجاه القومي بدءًا من حروب عبد الناصر وانكساره في ١٩٦٧ ثم تصدع البعث وصراع بغداد – دمشق، ثم «أوسلو»، وتداعياته، كل ذلك جعل الحركة الإسلامية بؤرة النضال الفلسطيني، واستقطبت تأييد نسبة وافرة من الشارع الفلسطيني منافسة في ذلك منظمة «فتح» أقوى المنظمات القومية الفلسطينية، بل جذبتها إلى مربع الكفاح المسلح من جديد ببروز شهداء الأقصى كجناح عسكري لها.
إذن كان من نتيجة حرب الخليج الثانية بروز الإسلام كقوة عالمية وإقليمية ملموسة.
وظل الإخوان على منهجهم السلمي المتدرج الإصلاحي وطريقتهم المستقلة المتميزة، وظل حزب الله والجهاد في فلسطين ولبنان على ولاءاتهم وانتمائهم الذي يمزج الوطنية بالمحور الإقليمي السوري – الإيراني، بينما ظلت حماس على استقلالها المتميز وبرزت القاعدة، لتشكل تهديدًا مباشرًا للوجود الأمريكي، ثم تطورت إلى تهديد القلب الأمريكي في حادثة ۱۱ سبتمبر الغامضة والتي لم يتم كشف أسرارها حتى الآن، وكانت فاصلًا مهمًا في تعامل الحركات الإسلامية مع الشؤون الدولية، فقد تم عزل «القاعدة» عن بقية الحركات الإسلامية التي أدانت حادث ۱۱ سبتمبر كشف أسرارها حتى بدرجات متفاوتة.
ولما كان الـ ٢٠ من مارس ۲۰۰۳ وبدأ القصف على العراق ظهر التمايز أيضًا في مواقف الحركات الإسلامية.
كان موقف الإخوان الثابت هو إدانة التهديدات الأمريكية ثم إدانة العدوان والمطالبة بوقف الحرب واتخاذ إجراءات عاجلة من الحكومات العربية والإسلامية والمؤسسات الدولية لإنقاذ الشعب العراقي، والتحذير من تداعيات الحرب على المنطقة كلها وعلى العقيدة والثقافة الإسلامية.
وفي بيانات ونداءات الإخوان ظهرت الرؤية التالية:
۱-أي عدوان على شعب مسلم مرفوض تجب مقاومته أيا كان المعتدي.
٢-الدفاع عن العراق لا يعني الدفاع عن النظام الذي كان يحكمه.
٣-وحدة الشعب العراقي ووحدة أراضيه أمران لا يجوز المساس بهما .
٤-الشعب العراقي وحده صاحب الحق في تغيير نظامه واختيار طريقة الحكم.
٥-نصرة الشعب العراقي فرض واجب، مع ضرورة التشاور مع أبناء العراق أنفسهم.
٦-مع التأكيد على دور الشعوب إلا أننا نطالب بتفعيل دور الأنظمة العربية، كما لا يجب إغفال دور المؤسسات الإقليمية والدولية.
٧-التعاون مع قوى العالم التي تقف ضد الحرب وتناهض العولمة أمر مطلوب، والقواسم المشتركة بين الأمة الإسلامية وهذه القوى متعددة. ۸-لابد من مقاومة الاحتلال في إطار تعاون بين أهل العراق جميعًا أيًا كانت أفكارهم أو مذاهبهم أو طوائفهم.
۹-يجب درء أي فتنة تقع بسبب الفوضى التي تصاحب أو تلاحق العدوان، وحماية أهل العراق من النهب والسلب والعمل على ضبط النظام العام بالتعاون بين كل الأطراف.
كانت أهداف الحملة الأمريكية واضحة في أذهان الإخوان، فهي لا تقتصر على العراق بل تتعداه إلى المنطقة وثرواتها بل وعقيدتها وثقافتها بل الهيمنة على العالم كله والانفراد بقيادته وتعويق نمو القوى المنافسة.
وفي مواجهة ذلك كانت أهداف الإخوان ومنطلقاتهم واضحة:
۱-أداء الواجب الشرعي.
٢-بث روح المقاومة والتضحية والثبات والإعداد الجهاد طويل ضد الاحتلال.
٣-طرح المشروع الإسلامي والرؤية الإسلامية ضد المشروع الأمريكي. وحكمت موقف الإخوان ضوابط واضحة:
۱-تبني خطاب حكيم يفتح للناس جميعًا إمكانية التعاون ضد العدوان والهيمنة.
٢-تجنب الصراعات الجانبية وطرح المشاركة مع الآخر لمواجهة خطر يهدد المصير ويهدد الجميع.
٣-التحرك على المستوى الدولي لإزالة التشويهات التي لحقت بالإسلام بعد أحداث سبتمبر.
٤-ربط العدوان على العراق بتصفية قضية فلسطين.
ونتيجة لذلك كان خطاب الإخوان ورسالتهم «نحن ندافع عن الشعب العراقي وعن العراق ووحدة أراضيه وعن ثرواته وكل مقدراته وليس عن النظام العراقي ضد الإدارة الأمريكية، ولسنا ضد الشعب الأمريكي خاصة الرافضين منه المنطق الهيمنة والتفرد بقيادة العالم».
كتب الصديقان د. وحيد عبد المجيد ومنتصر الزيات في جريدة الحياة اللندنية «۸ أبريل» حول انکشاف أزمة الفكر المصري وبروز ظاهرة عدم التمايز باستثناء الحزب الحاكم وبعض الإسلاميين حيث يقول وحيد:
«لم يخرج عن هذا السياق، في مصر إلا فريقان يقفان على طرفي نقيض، أو يفصل بينهما بحر واسع من الخلافات الحزب الحاكم وبعض نشطاء الإخوان المسلمين تميز قليل من كتاب الإخوان المسلمين بأنهم ظلوا منتبهين إلى الفرق بين الوقوف مع العراق الوطن والشعب، وبين تبرئة نظام صدام حسين من أفعاله».
ويخلص وحيد -كعادته مؤخرًا- إلى ضرورة أن يظهر الإخوان قدرًا من الاستقلال عن اتجاهات سياسية أخرى «الاتجاه القومي» بدا أنه في حالة تداخل معها في السنوات الأخيرة وهذا التداخل –من وجهة نظره– لا يفيد التيار الإسلامي بل يلحق به الضرر، خصوصًا إذا كان راغبًا في طرح مشروع حقيقي للمستقبل؛ محذرًا في النهاية من أن إدراك الإخوان لأخطار هذا المسار ضعيفة وهامشية.
بينما كتب الزيات راصدًا أحد أهم إفرازات الأزمة وهي -من وجهة نظره– «في إطار سعي الإدارة الأمريكية لزعزعة استقرار بعض الأنظمة العربية ستسعى إلى تخفيف الاحتقان في علاقتها مع الشعوب ربما من خلال دعم بعض الحركات الإسلامية التي توصف بالمعتدلة وإقامة علاقات وثيقة معها» ضاربًا المثال بالتجربة التركية ورصد أيضًا كنتيجة للقراءة العاجلة لهذا التوجه:
«ويبدو لهذا السبب أن الحكومة المصرية كانت أسرع فوثقت في الآونة الأخيرة صلتها بالإخوان المسلمين وسمحت للإخوان بتنظيم المسيرات الرافضة للحرب على العراق، في وقت حجبت فيه آخرين عن تنظيم تلك المسيرات».
ولا يبدو أننا في عجلة القراءة ما أفرزته الحرب، لكني أود أن أقول للصديقين اللذين أعرف مقدار ما يكنانه من تقدير واحترام وود للإخوان:
«نحن أمام خطر داهم يقتضي تفاعل كل القوى لدرء هذا الخطر، وعندما تكون الأوطان والعقائد والثقافات أمام تهديد جدي فإن نسيان الخلافات الجانبية يصبح واجبًا وفرضًا، ويصبح البحث عن القواسم المشتركة ضرورة، وتفعيل التعاون مع الحوار المستمر لتهذيب الخلافات وتطويقها لازمًا».
والإخوان كانوا ولا يزالون دعاة تصالح وطني لا يستثني أحدًا، ودعاة إصلاح شامل يشترك فيه الجميع.
ونتساءل في النهاية:
هل تنشأ حركة مقاومة إسلامية في العراق؟ وما مكوناتها؟ وما القوى التي ستدعمها؟ وما مستقبلها؟
هل سنشهد ولادة «حماس» عراقية؟
هل ستنجح خطط الإخوان في تبني خطاب جديد ضد الهيمنة والاستعمار الجديد يستوعب كل المعارضين للاحتلال من اتجاهات وطنية شتىٰ تحت مظلة إسلامية واسعة؟
هل ستنجح الحرب في فرض مشروع إسلامي عالمي جديد يدعو إلى التعاون مع كل الرافضين للعولمة والهيمنة والعسكرة في العالم؟