العنوان الحركة الإسلامية ومنهج التغيير
الكاتب راشد الغنوشي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أكتوبر-1999
مشاهدات 75
نشر في العدد 1371
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 12-أكتوبر-1999
مدة الصحوة الإسلامية يجب أن يصاحبه تصاعد مواز لتجديد العزم على التوحد ومضاعفة العمل من أجل ذلك.
" تيار الوسطية الإسلامية يشجب الانغلاق ومصادرة الحقوق والحريات... لكنه يرفض الانسياق وراء العواطف.. ويلتزم بالعفو والإحسان "
" الخلل ليس في الأمة.. وإنما في نخبها الفكرية والسياسية المتغربة. ويخشى أن يكون الخلل قد تسرب للنخبة الإسلامية أيضًا "
الحركة الإسلامية تيار واسع يعبر من جهة عن خيبة آمال الأمة في المشاريع النهضوية العلمانية القطرية التي لوحت لها وبشرتها بأحلام النهضة، كما يعبر من جهة أخرى عن عقد آمالها بالإسلام في الخروج بها من وهدة ومأزق الحاضر، وقيادتها إلى تحقيق الآمال المجهضة في العدل والكرامة والوحدة، واستعادة فلسطين السليبة.
فليس عجبًا، مع اتساع التيار وتباين أحوال البلاد الإسلامية واختلاف المصادر الثانوية لتكوين النخبة الإسلامية، أن تختلف رؤاهم للواقع المحلي والدولي ومشاريعهم البديلة، وبحسب ذلك تعددت مناهجهم التغييرية، ومع الإقرار بهذه الواقعة، فمما لا يمكن إنكاره أن التيار العام هو تيار الوسطية الإسلامية، الذي يكاد يجمع - إن لم يجمع فعلًا - على الالتزام بالنهج السلمي في التغيير، وإعمال كل مساحة للحرية والعمل على توسيعها وصونها، على اعتبار الحرية المناخ الأمثل لعمل الدعوة الإسلامية التي تعتبر الاستبداد عدوها الأول، مرددة نداء النبي - عليه الصلاة والسلام - إلى قومه: «خلوا بيني وبين الناس»، حريصة على الاندراج بسائر مجالات نشاطها في إطار القانون والعلنية، بعيدًا عن أجواء السرية الخانقة ما وجدت إلى ذلك سبيلًا.
وتيار الوسطية الإسلامية ولئن شجب انغلاق بعض الأنظمة ومصادرتها للحقوق والحريات وارتكابها شتى المظالم وحظرها لحرية الدعوة إلى الله وانتهاكها لحرمات الله وتعطيلها للشرائع وصمها الآذان عن سماع كل نصح، من شأنه أن يقدم المسوغات الشرعية لاستخدام القوة كرد فعل حسبما تدل عليه ظواهر بعض النصوص والفتاوى، فهو.. أي هذا التيار مع ذلك كله يرفض الانسياق وراء العواطف والاندفاعات، ويعتصم برد أحد ابني آدم على عدوان أخيه: ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ «المائدة: 28»، ويصر على الالتزام الكامل بأساليب الجهاد السلمي وحسب في معالجة ما ينجم من مظالم وينشب من خلافات داخل المجتمع الإسلامي مهما عظمت.
إنه جهاد الكلمة، الجهاد الكبير الذي حرضت عليه الآية: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ «الفرقان: 52»، وجاء التنبيه به على لسان صاحب الدعوة - صلى الله عليه وسلم- مقدمًا إياه على كل أنواع الجهاد الأخرى في التعامل مع الاختلافات داخل المجتمع الإسلامي: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر". وهذه النصوص وأمثالها المنوهة بالجهاد السلمي، بقوة الكلمة، وبقوة ضغط الرأي العام الذي يبدأ بالكلمة الفردية يصدع بها عالم في وجه طاغية قد تتطور وتتراكم وتتكاثف لتصنع تيارًا عريضًا عبر العرائض الاحتجاجية، والاعتصامات، والمسيرات، وعبر الإضراب عن العمل ومقاطعة المؤسسات الفاسدة والامتناع عن دفع الضرائب، مما يشكل منهجًا كاملًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد السلمي المعبر عنه في لغة غاندي بـ"استراتيجية اللاعنف"، تلك التي قهر بها غاندي أعتى إمبراطورية استعمارية في عهده.
غير المسلمين لم يطوروا هذا النهج في الجهاد السلمي الذي دلت عليه ونوهت به العديد من النصوص. وحصر التعامل مع ظلم الحكام بين الخروج عليهم بالسيف وبين الخضوع لهم حذر الوقوع في الفتنة: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ﴾ «البقرة: 191»، مع أن الخيارات أوسع مما ضيقوا.
لقد انتهت تجربة علماء الإسلام إلى أن الاستبداد مصدر كل شر، والنقيض من كل وجه المقصد من مقاصد النبوة: توحيد الله والكفر بالطاغوت أو إقامة العدل واجتثاث الظلم. لقد أفرغت الشورى من محتواها الحقيقي باعتبارها عنوانًا ومصدرًا لسلطة الأمة في إطار الشريعة. لقد فشل المسلمون في استنباط آليات للشورى تنقلها من كونها مجرد مبدأ وقيمة يعظ بها عالم جريء إلى كونها نظامًا لكل العلاقات البشرية، بما فيها علاقات الحكم وإدارة الاختلاف بما يجعل الحكم للأمة حقيقة باعتبارها المستخلفة من طرف الله سبحانه، وإنها صاحبة السلطة الحقيقية في الأرض، وإن الحاكم ليس إلا وكيلًا عندها مستخدمًا في شأنها.
بين الشورى والديمقراطية:
ومقابل هذا الفشل الذريع، ربما بسبب غلبة المواريث القبلية وغلبة الروح الإمبراطورية التي كانت سائدة في العالم يوم ظهور الإسلام وامتد الإسلام على أرضها، أمكن للغرب الذي ورث المدنية الإسلامية أن يحقق نجاحات باهرة في تنظيم الشورى وتحويلها فعلًا إلى أنظمة للإدارة والحكم، جسدت سلطة الشعب وحددت آليات للتعبير عنها بما نقل السلطة فعلًا للشعب وحقق لأول مرة في التاريخ بعد التجربة القصيرة للخلافة الراشدة تداول السلطة سلميًا عبر الشورى.
وأسوأ ما في الأمر أن المسلمين - أو قل طائفة منهم - بدل أن يحمدوا هذا التطوير المهم الذي أنجزه الغرب في موضوع الشورى بما نقله من مستوى المبدأ النظري والموعظة الخلقية إلى أنظمة للحكم والإدارة، بدل أن يحمدوا ذلك معلنين: "هذه بضاعتنا ردت إلينا"، كما فعلوا مع أشياء أخرى طورها الغرب في الطب والزراعة والنقل والتصنيع، تراهم قد استوحشوا تلك الآليات المنظمة للشورى، معلنين الحرب على الديمقراطية.
إنه شكل حديث لرفع المصاحف في وجه دعوة الحق والتحرر واستعادة إرادة أمتنا السليبة، وليس إلى ذلك من سبيل غير الاقتران الصميم في ثقافة أمتنا ودعاة الإسلام منهم خاصة بين توحيد الله والكفر بالطاغوت، وبين توحيد الله ومطلب العدل والشورى، وممارسة ذلك في علاقاتنا الأسرية، وفي أبسط أشكال عملنا الجماعي. ذلك هو الطريق للارتفاع بالخلافات بين جماعتنا وبين أقطارنا من مستوى خلاف البلاء والنقمة السائق اليوم أو غدًا إلى التفرق والتناقض وحتى إلى التحارب.
وما حصل في أفغانستان والجزائر وغيرهما، فضلًا عما هو حاصل بين أقطارنا من مصائب الاختلاف المذهب لأبسط أشكال التضامن، ومقتضيات الجوار والدين والتاريخ مؤذنة بتفاقم الكوارث في أمتنا جراء غياب منهج رشيد لإدارة الخلاف فيما بين جماعاتنا وأقطارنا، أي الشورى المنظمة أو «الديمقراطية».
قضية التجزئة وأمل الوحدة:
صحيح أن مصيبة هذه التجزئة قد فرضت على أمتنا بقوة النار والأساطيل، فرضها علينا ميزان قوة دولي قد مال منذ مائتي سنة لصالح أعداء أمتنا فتمزقنا شر ممزق في كيانات قطرية.
وقد نشأت الحركة الإسلامية في إطار هذه الكيانات، وكان مفهومًا أن تتأثر كما تأثرت الحركات ذات التوجه القومي، على الرغم من التصادم الصميم بين هذه الكيانات الضيقة وبين ثقافة أمتنا وإرثها التوحيدي ومصالحها الاستراتيجية في الوحدة. ولكن صدقت فيهم مقولة «الإنسان ابن بيئته»، وهي اليوم بيئة مؤطرة تأطيرًا قويًا جدًا بما تملكه الدولة القطرية الحديثة من قدرات هائلة للدمج والاحتواء والتهميش لمن يستعصي.
ولكن لأن بعض هذه الكيانات لا تملك عمقًا تاريخيًا وثقافيًا كما هو شأن الكيانات القطرية الغربية التي نسجنا على منوالها، ولأن عجزها عن تحقيق أي معنى من معاني عزتنا ومصالحنا يتأكد أكثر فأكثر يومًا بعد يوم، ولا سيما أن الأقوام الذين صدروا إلينا هذه البضاعة المسمومة وفرضوها هم أنفسهم قد قطعوا شوطًا بعيدًا في التخلي عنها وتجاوزها نحو كيانات عظمى، فإن المأمول أن ينمو ويتصاعد إحساسنا بالخجل من العكوف على هذه الأصنام البالية التي زهد فيها حتى صناعها الأصليون، نخجل ونحن نسمع فيها هذا النداء العلوي: ﴿مَا هَٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيٓ أنتم لَهَا عَٰكِفُونَ﴾ «الأنبياء: 52». (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ) «الصافات: 95» نحتها لكم غيركم بل أعداؤكم؟
الثقافة القطرية وثقافة الوحدة الإسلامية:
فالحق أن الخشية حقيقية من أن الثقافة القطرية قد تكون بلغت من التمكن حدًا يهدد جوهر المشروع الإسلامي في الوحدة، ولو في أدنى درجاتها كالجامعة العربية، ولا سيما أن مشاريع أخرى مضادة لدمج منطقتنا في بوتقتها تطرق أبوابنا بالليل والنهار، كالمشروع الشرق أوسطي، أو مشروع الأمن المتوسطي الأوروبي، أو اتفاقات الشراكة مع أوروبا أو مع الولايات المتحدة، فضلًا عن اتفاقات الدفاع المشتركة بين دول في الحلف الأطلسي ودول عربية، وكل ذلك على أنقاض ما هو قائم على الورق بين أقطارنا من أشكال واتفاقات، وحدوية بلغت حدًا من الوهن جعل الأطالسة يتحكمون، لا في قراراتها فحسب، بل حتى في قرار مجرد انعقادها، مستفيدين من حماقات البعض وتصرفاتهم الطائشة بما جعل العلاقة، وحتى خطوط الاتصال عندما تكون مفتوحة، تمر عبر طرف ثالث أجنبي، وبما جعل مهمة الجيوش والأمن والتسليح ليس لها من غرض سوى التوقي من الشقيق لا من الأجنبي، بل ندفع في تأمين أنفسنا من الشقيق أثمانًا باهظة جدًا للأجنبي.
هناك خشية حقيقية أن نكون نحن الإسلاميين الذين تربينا على احتقار هذه الكيانات القطرية ونذرنا حياتنا لتحقيق عقيدتنا وحلمنا في الوحدة أن تكون الثقافة القطرية قد بلغت من العمق - لا سيما مع المنازعات والحروب التي لا مبرر لها - حدًا يصبح معه الحديث عن الوحدة على أساس الدين المشترك والتاريخ المشترك والمصالح الثابتة لأمتنا في الوحدة ضربًا من الخيال، إن لم يكن من النفاق.
الخشية حقيقية ألا يصاحب تصاعد مد الصحوة الإسلامية - وهو أمر ثابت - تصاعد مواز لتجديد عزمنا على التوحد، ومضاعفة عملنا من أجله، بدل أن نكون قد ابتلعنا الطعم المسموم، طعم القطرية المر، ورضينا لا بما ارتضاه لنا ربنا من توحيد ووحدة، بل بما ارتضاه لنا وفرضه علينا بقوة الأساطيل والصواعق أعداء أمتنا التاريخيون لمصلحتهم وتأييدًا لتخلفنا وهوان ديننا وأمتنا.
الخشية حقيقية أنه كما رأينا قطريين يقفون على جانبي الحدود يتربصون ببعضهم الدوائر ورأينا قوميين يفعلون ذلك، الخشية مع تصاعد المد الإسلامي، واقترابه إلى الحكم مشاركة أو استقلالًا في ظل الدولة القطرية، أن نرى على الجانبين إسلاميين في حالة مواجهة عسكرية.
إنه ليس من غرض لمثل هذه التساؤلات إلا أن تنبهنا لخطر ما نحن فيه لنتوب من قريب ونستدرك ولو بعض ما جنته علينا مصيبة وكارثة التجزئة التي فرضت علينا بالحديد والنار - ولا تزال - غير أن جيوشنا ونخبنا على اختلافها وشطرًا من شعوبنا ما تلبثت أن انتهت إلى الانخراط في الذود عنها، والتعامل معها لا على أنها شر فرض علينا وإنما خير عظيم نتيه به فخرًا ونحرق له الشموع أناء الليل وأطراف النهار.
الخلل ليس في الأمة وإنما في نخبها والخشية أن يكون قد تسرب إلى نخبنا الإسلامية نفسها ما سماه المصطفى صلى الله عليه وسلم بداء الأمم التفرق، وأفدح أشكالها المعاصرة: الدولة القطرية التي ينبغي أن تنصب جهودنا لحملها على انفتاح بعضها على بعض بدل الانفتاح والتواصل مع الأمم المعادية.