العنوان الحريات الكاذبة والأفراح الحزينة
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 23-فبراير-2008
مشاهدات 66
نشر في العدد 1790
نشر في الصفحة 43
السبت 23-فبراير-2008
من حق الناس أن
يفرحوا ويبتهجوا لنجاح تحقق، ولفوز
تحصل، والريادة توصل إليها ونالها فريق ينتمي إليهم، ويعظم الفرح ويكبر
السرور بقدر النصر أو النجاح، وبما يؤديه من نفع وتقدم وسعادة، أما إذا لم يتحقق
ذلك فإنه يكون فرحًا كاذبًا، ووهما مخادعًا.. والأمور بمآلاتها ونتائجها ومردوداتها،
ومن يفرح مما لا ينفع، يكون لمن يضحك بدون مضحك، ويسعد مما لا سعادة فيه، ويكون
هذا دلالة على البله والعبط -كما يقولون– والأمم التي تتعود الضحك والفرح من فراغ
يختلط عندها الجد بالهزل، والطيب بالخبيث، ويخف وزنها في ميادين متعددة، وقد ينشأ
هذا من الفراغ الذي تعيش فيه الأمم، ومن فقدان الغايات التي تؤدي إلى النشوة
الحقيقية، والفرحة الصادقة.
وأمامنا اليوم في
الأجواء على الأقل حدثان، الأول: الفوز في كرة القدم الإفريقية، وهذا في الحقيقة
شيء مفرح يدل على أن من جد وجد، ومن زرع حصد، وأن هناك في الشباب قوى مذخورة
يستطيع الشباب بشيء من الجد والتنظيم البلوغ بها إلى الغايات الكبار، والأهداف
العظام، فلم لم يستغل هذا في شتى الاتجاهات، وعلى كل الأصعدة، ما دمنا قد عرفنا أن
الجد يورث الفوز والفرح، كما أن فرح الشعب بهذا الفوز يدل على أن الشعب محتاج أن
يفرح، وأن يعرف أن فرحه في هذا الأمر يقتضي منه أن يفرح في شيء آخر وهو رفعة أمته
وتقدمها وفوزها على الأمم في الميدان العلمي التكنولوجي، وفرحها بطائرة صنعت وبعربة درجت، وبمدفعية لردع الأعداء شنت وبصناعات تكف
الأمة عن التسول قامت يومها تكون فرحة الأمة غامرة مشجعة وحقيقية، ونكون قد اقتدينا فعلًا بفريق كرة
القدم الذي جد واجتهد وجاء بالبطولة.. إننا أمة تحتاج إلى تجميع الطاقات وحشدها في
ميدان السباق العلمي والتكنولوجي، نحتاج إلى فرحة في إنتاجنا للقمح الذي يملأ
البطون، ويكف الناس عن المسألة والتسول، ويغنينا عن الخوف من منع الطعام عنا
ومحاصرتنا، ونحن أمة زراعية وعندنا من الإمكانات ما يكفينا ويزيد على حاجتنا لقد
كان لنا في الزمن الغابر عيد للقمح يتغنى به الناس، وكانت الأمة تخرج كلها لطيار
قاد طائرته من بلدان بعيدة ووصل إلى مصر، وخرجت الأمة عن بكرة أبيها تحيي هذا
الطيار البطل الذي استشهد في سبيل ذلك.
وكان يقام عيد للعلم،
ويلقي فيه الشعراء والخطباء القصائد والكلمات الطوال، فهل نسيت هذه الأمة مجدها
وضلت طريقها؟ أو تراها تعطي للعاطلين من المواهب الأسباب التي يلهو بها الناس
ويضحكون على ذقونهم ليطول أمد الباطل ويعم الفساد ويطم.
كما أننا رأينا
الملايين التي تقارب المليارات تنفق على اللاعبين، وهذا شيء لا بأس به ويدل على أن
الأمة يمكنها أن تتبرع للجد كما تبرعت للكرة، تتبرع لغزة الجائعة المحاصرة، التي
تقوم بملاحم بطولية على أرض فلسطين وساحات المسجد الأقصى المبارك، تتبرع للمجاهد
الذي يجاهد بصدره بغير سلاح ولا عتاد، وببطن خاوية وثياب ممزقة.
في الأمة خير كثير،
ورجال كرام يحتاجون إلى توجيه نحو الخير، والمعالي والأهداف الكبار.
أما الحدث الثاني
الذي عاصرناه هذه الأيام فهو استقلال «كوسوفا».. وما ينتج عنه من فرحة عارمة، وهو
شيء جميل لأنه أزاح استعمارًا بغيضًا عن هذه البلاد وحررها من العبودية والاستغلال
والاستذلال، وردها إلى حكم بنيها وشعبها العظيم، ولكن في كثير من الأمم استبدل
بالاستعمار، استعمار أشد وأنكى، وأقذر وأخطر وأعظم.. استعمار وطني بغيض، وقذر
متخصص في الدكتاتوريات والقهر والهلاك، فهل يا ترى هذه الأفراح ستعود بالسرور أم
بالقهر والبغي والعدوان، وتخلي البلاد من استعمار واحد إلى استعمار دول متعددة تصدر
عميلا وتحكم من ورائه، ولا تجعل الشعب يتنفس أو يجنح نحو الحرية والتقدم، وهذا
نراه في دول العالم الثالث بدون استثناء تزوير وقهر، وفقد لحقوق الإنسان ومحاكمات
للشرفاء، واستشراء المخابرات والفساد هنا وهناك.
خذ باكستان وكينيا
ومصر -كمثال– فقد دخلت باكستان في دوامة العنف ولعب بها الجنرالات والحزازات
والعنصريات المدبرة من الغرب، وظلت في صراع إلى اليوم بخلاف الهند الهندوسية التي
تتمتع بالديمقراطية، وتحاول أن تنطلق صناعيا وتكنولوجيا. كل هذا المحاولة إقلاق
البلد الإسلامي المستقل، ومازالت القلاقل تزداد والتشبث بالسلطة يقوى ويشتد .. وفي
كينيا هذه الأيام الانشقاق والتحارب الذي أودى بحياة الآلاف من البشر بغير رحمة
دون أن ترحل الدكتاتورية اللعينة التي تحكم البلاد باسم الشعب.. وفي مصر تحاول
السلطات أن تقضي على العدالة، وأن تبيد معارضيها بكل سبيل بدون رحمة أو كرامة،
محاولة استعباد الشعب المغلوب على أمره، وكل صوت حر قد بح، وكل مؤسسة حقوقية بح
صوتها، ولكن لا سمع ولا كرامة لأحد من الناس.
وهذا ما جعل الناس
يترحمون على أزمنة الاستعمار الأجنبي، نسأل الله التوفيق والسلامة.. آمين.