العنوان الحرية والاستبداد.. دراسة في الشورى (184)
الكاتب الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يناير-1974
مشاهدات 96
نشر في العدد 184
نشر في الصفحة 13
الثلاثاء 22-يناير-1974
مجالات الشورى اختيار الإمام أو الخليفة
· نموذج رائع في التفكير والتعبير من كلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
· خطبة سياسية لعمر يوم جمعة رواها البخاري.
· الإمام مسئول أمام الله ومسئول أمام الأمة.
· الشورى هي القاعدة الشرعية لاختيار الحاكم والحالات الاستثنائية لا يقاس عليها.
· اجتهاد الإمام ضرورة شرعية وعملية
ثالثا: اختيار الإمام أو الخليفة
الأسماء الثلاثة السابقة أطلقها المسلمون على من يتولى شؤونهم. وسر اختيار هذه الأسماء ليس غامضًا، ولا بعيدًا، فالأمير بمعنى الآمر وقد اختار هذه التسمية عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما قيل له: يا خليفة خليفة رسول الله فقال: أنتم المؤمنون، وأنا أميركم. فسمي أمير المؤمنين، وأما الخليفة فهو من يأتي بعد سابق له، وقد سمي بذلك أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لأنه خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في القيام بشؤون المسلمين، وتوحيدهم، والدعوة إلى الإسلام وقتال المخالفين، وإقامة شرع الله في الأرض.
· وأما الإمام فهو المقدم في الأمر ويطلق على من يتقدم للصلاة بالناس وقد أطلق على الأمير والخليفة الإمام لأنه المقدم في أمور المسلمين عامة، وفي الصلاة خاصة، والمقتدى برأيه.
والحاصل أن الحاكم في الإسلام يطلق عليه الخليفة لأنه يخلف من سبقه في القيام بشؤون المسلمين ويطلق عليه الأمير والإمام.
· وهذا المنصب منصب عظيم خطير لأن المسؤولية فيه مزدوجة فالإمام في الإسلام مسؤول عن أعماله أمام الله تبارك وتعالى، ومسؤول أمام الأمة أيضًا فهو ليس حاكمًا مطلقًا لا يسأل عما يفعل، بل يسأل ويراجع ويناقش لقوله تبارك وتعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (النساء: 59).
فبعد أن أمر تبارك وتعالى بطاعة أولي الأمر أخبر أنه قد يحصل التنازع في أمر ما وعند ذلك يجب رد ما تنوزع فيه إلى حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم، ومعنى هذا إقرار الله لمبدأ اختلاف وجهة نظر الناس مع وجهة نظر ولي الأمر، ولم يقل سبحانه وتعالى مثلًا: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ولا تنازعوهم في شيء، بل اسمعوا لهم وأطيعوا مطلقًا، وذلك أن أولياء الأمور ليسوا بمعصومين ولا بمنجاة من الخطأ بل هم معرضون لذلك، وقد يوفق إلى الصواب غيرهم، وهنا كانت القاعدة الربانية للوصول إلى الحق في أمور الاختلاف وهي رد ما تنوزع فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
· ولذلك أعلن الصديق أبو بكر من أول يوم تولى فيه خلافة المسلمين هذا المبدأ «أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم». وأعلنه عمر بن الخطاب أيضًا رضي الله عنه حيث قال: «إذا أحسنت فأعينوني وإذا أسأت فقوموني».
· وأما المسؤولية أمام الله تبارك وتعالى فقد نص عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله المشهور: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته» الحديث.
· ومهمة الحاكم في الإسلام مهمة شاقة عسيرة لأنها ذات طرفين: الطرف الأول القيام بشؤون الدين تطبيقًا وتحكيمًا، والطرف الثاني القيام بشؤون الدنيا، ورعاية مصالح الأمة في هذه الدار، وأما الحاكم في غير النظام الإسلامي فمهمته دنيوية خالصة ولا يضيره عند قومه أن يكون جاهلًا بالدين غير عالم به.
· وإذا كانت مهمة الأمير في الإسلام ذات شقين وميدانين، فإن من مقتضيات هذا أن يكون الأمير عالمًا بالدين مجتهدًا فيه، عالمًا بالدنيا ذا رأي وسياسة وحكمة في معرفة شؤونها. وليس هذا بالطبع أمرًا سهلًا ميسورًا، فدراسة الدين دراسة واسعة عظيمة تحتاج إلى اجتهاد وانقطاع وتوفر زمن ليس قصيرًا ودراسة الدنيا تحتاج إلى معرفة بأنواع الناس، وعوائدهم، وأفكارهم، وعقائدهم وبسياسات الحرب والسلم، وعلم بالتاريخ ومجاري الأمور وكل هذه الآن علوم عظيمة مستقلة، لا بد من الإلمام بشيء كثير منها لمن يتصدى لمثل هذه الأمور، ومن الجهل والغباء الظن بأن الصحابة والخلفاء رضي الله عنهم قد ساسوا الدنيا وفتحوها ولم يكونوا على علم بهذه الأمور. وليس المجال الآن مجال بيان المدى الذي وصله الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من علم ودراية بهذه الأمور الدنيوية ومكان هذا كتب التاريخ والرجال.
· هذا المنصب الخطير العظيم، الإمامة العامة للمسلمين ليس هناك من طريق سليم شرعي للوصول إليه إلا طريق الشورى، فالشورى هي النظام الإسلامي الوحيد الذي يأتي عن طريقه الإمام، أو الحاكم، أو الأمير، أو الخليفة كما يحلو لنا أن نسميه.
· وقد يكون هذا مخالفًا لما دونه علماء السياسة من المسلمين الذين جعلوا من طرق الوصول إلى حكم التغلب العام «الغلبة» وحيازة الشوكة (والشوكة هي القوة الضابطة للنظام والأمن) وأعطوا الشرعية ووجوب الطاعة لمن توصلوا إلى الحكم والخلافة على هذا النحو.
إلا أن كلامهم هذا ليس في حقيقته إقرارًا لهذا المبدأ، ولكن رضوخًا له في ظروفه الاستثنائية، وهو كما يقولون من باب (ارتكاب أخف الضررين) فالخروج على طاعة الإمام والخليفة الذي جاء إلى الحكم تسلطًا وقهرًا وحاز الشوكة والغلبة أكثر ضررًا من الرضوخ له، وإقراره، وهذا ما جعل بعض كتاب الغرب يتهم الإسلام بمساندة الظلم، وإقرار التسلط. واتهامهم هذا في حقيقته قصور نظر، وعدم إدراك. وليس هذا مجال الرد على هذه الشبهة.
· فالمهم هنا إثبات أن المبدأ الأساسي في الظروف الطبيعية الآمنة لاختيار الحاكم هو الشورى، وليس هناك طريق غير ذلك، وإن كان يتجاوز عن هذا المبدأ إذا وصل الحاكم المسلم المنفذ لشرع الله للحكم عن طريق الغلبة وفرض السلطان ويفتي بطاعته ويحرم الخروج عليه، وليس هذا إقرار لطريقة وصوله إلى الحكم- فالتسلط وفرض السلطان بالقوة مرفوض شرعًا، ولكن حقنًا للدماء وارتكابًا لأخف الضررين.
· وإذا كانت الشورى هي المبدأ الأساسي لوصول الحاكم إلى الحكم فالواجب ألا يجعل الواقع التاريخي دليلًا شرعيًا يتبع ويقاس عليه، وذلك أن الواقع التاريخي خاضع تمامًا للظروف والملابسات التي تأخذ مجراها، وتفرض نفسها.
خلافة أبي بكر
فخلافة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه كانت خيرًا وبركة على الإسلام والمسلمين، ولم يكن لأبي بكر في الصحابة شبيه أو نظير أو مكافئ في الفضل والسبق والمكانة، والمنزلة، ومع ذلك فالصورة التي اختير بها هذا الصحابي الجليل كانت صورة استثنائية تحفظ لا يقاس عليها لأنها كانت ذات ظرف خاص وملابسات معينة حتمت هذه الصورة للاختيار. وحتى أقدم الدليل على كلامي هذا سأثبت للقارئ الكريم تفسير عمر بن الخطاب رضي الله عنه لهذا الظرف وهذه الملابسات وهذا التفسير لعمر يتضمنه أصح كتاب بعد كتاب الله تبارك وتعالى وهو صحيح البخاري وقد آثرت أن أنقل هذا الأثر بطوله لما فيه من الفوائد العظيمة التي تتعلق بموضوعنا هذا وبموضوعات أخرى لن تصرفنا عن موضوعنا الأساسي وسنستفيد منها فائدة بليغة إن شاء الله تعالى:
تعالوا نقرأ حديث البخاري
روى البخاري بإسناده إلى ابن عباس قال: «كنت أقرئ رجالًا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها إذ رجع إلى عبد الرحمن فقال: لو رأيت رجلًا أتى أمير المؤمنين اليوم فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلانًا، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت.
فغضب عمر ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم، قال عبد الرحمن: فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فنقول مقالة يطيرها عنك كل مطير، وألا يعوها وألا يضعوها على مواضعها فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت متمكنًا، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعوها على مواقعها فقال عمر: أما والله -إن شاء الله- لا أقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة.
قال ابن عباس: فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح حين زاغت الشمس حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسًا إلى ركن المنبر فجلست حوله، تمس ركبتي ركبته، فلم أنشب أن خرج عمر بن الخطاب علما رأيته مقبلًا قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بم ثقيل: ليقولن العشية مقالة لم يقلها منذ استخلف، فأنكر علي وقال: ما عسيت أن يقول ما لم يقل قبله! فجلس عمر على المنبر فلما سكت المؤذنون قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال:
«إني قائل لكم مقالة قدر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت، ومن خشي ألا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب عليّ:
إن الله بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجمنا بعده فأخشى أن طال بالناس زمان أن يقول قائل، والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله؛ فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف.
· ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله ألا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو: إن كفرًا بكم أن ترغبوا عن آبائكم. ألا ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تطروني كما أُطري عيسى بن مريم، وقولوا: عبد الله ورسوله، ثم إنه بلغني أن قائلًا منكم يقول: والله لو قد مات عمر بايعت فلانًا، فلا يغترن امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، إلا وإنها قد كانت كذلك، ولكن وقى الله شرها، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرّة أن يُقتلا، وإنه قد كان من خيرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن الأنصار خالفونا، واجتمعوا وخالف عنا علي والزبير، ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر، انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء الأنصار، فانطلقنا نريدهم بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، فلما دنونا منهم لقيَنا منهم رجلان صالحان فذكرا ما تمالأ عليه القوم فقالا: أین تريدون یا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم ألا تقربوهم اقضوا أمركم. فقلت: والله لنأتينهم. فانطلقنا حتى أتينا في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم، فقلت من هذا؟ فقالوا: هذا سعد بن عبادة فقلت ما له؟ قالوا يوعك. فلما جلسنا قليلًا تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفَّت دافَّة من قومكم فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر. فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحد فلما أردت أن أتكلم قال أبوبكر: على رسلك. فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت، فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول إلي نفسي عند الموت شيًئا لا أجده الآن، فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب. منا أمير ومنكم أمير يا معشر المهاجرين، فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، فبايعته، وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، فقلت: قتل الله سعد بن عبادة.
قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم، ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما أن نخالفهم فيكون فسادًا، فمن بايع رجلًا على غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو والذي بایعه تغرة أن يقتلا.
· وهذا الأثر العظيم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وتلك الخطبة التاريخية فيها كثير من الفوائد والأصول لسنا بصدد التعرض لها الآن ولكننا سنناقش فقط مكان الشاهد من هذه الخطبة على ما نحن بصدده ألا وهو اختيار الحاكم؛ فعمر يعلن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى منبره، أن أمر بيعة الحاكم يجب أن تسبقها الشورى، وأن من تعجل البيعة قبل الشورى فإنه لا يتابع في بيعته، لا الذي بايع ولا من بويع ويقول هذا الكلام بالنص الصريح الواضح: «من بايع رجلًا عن غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو والذي بايعه تغرة أن يقتلا» وقد كرر هذه المقالة في خطبته مرتين: مرة في بداية ذكره لمسألة البيعة ومرة في نهاية خطبته، وهذه الخطبة ليست خطبة مرتجلة بنت تفكير سريع، واستثارة، وإنما هي وليدة تفكير طويل، وإعداد استمر أكثر من أسبوع، فقد عزم عمر على بيان أمر بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بموسم الحج وكانت آخر حجة له، ولكن عبد الرحمن بن عوف نصحه بالعدول عن هذا لأن الموسم يجمع غوغاء الناس الذين سيفهم قسم منهم هذه الخطبة على غير وجهها ويطيرها في كل مكان. ولذلك انتظر حتى أتى المدينة ثم خطب بها.
· ثم يعلل عمر رضي الله عنه النهي عن متابعة البيعة لمن بايع إمامًا بغير مشورة بقوله "تغرة أن يقتلا"، والمعنى كما قال ابن حجر والقسطلاني أن من فعل ذلك فقد غرر بنفسه وبصاحبه، وعرضهما للقتل. وذلك لمخالفة جماعة المسلمين وجمهورهم، وانفرادهما واستعجالهما بالأمر دون المشورة العامة في المسلمين.
· ثم علل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقوع بيعة أبي بكر الصديق على هذا الأمر الذي ينهى عنه بأن ظروف تلك البيعة كانت ملجئة وقاهرة فقد اجتمع الأنصار لمبايعة أمير منهم ولو تم ذلك ما كان للمهاجرين أن يخالفوهم وإلا حدث شر كبير، وما كانت لتجتمع العرب بأسرها على رجل من أهل المدينة الذين كانت لهم ثارات وحروب قديمة مع بعضهم البعض، فالأوسي لا يرضى عن الخزرجي وكذلك العكس فكيف بسائر العرب، وكانت لقريش منزلة خاصة عند سائر العرب حيث كانت تحترم وتقدم في الجاهلية وتقول العرب أهل بيت الله فلا نؤذيهم ولا نتعرض لهم. ولذلك قال أبو بكر للأنصار في خطبة السقيفة: "ما ذكرتم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش"، ويعني بالأمر الخلافة.
· ولخشية عمر من مبايعة الأنصار رجلًا منهم تعجل أبي بكر ولم تكن عن مشورة كاملة ثم أخبر بأن أبابكر ليس في المسلمين مثله سابقة وعلمًا ودراية بالسياسة والدين ولين جانب وقوة في الحق، ولذلك اجتمعت عليه القلوب سريعًا ولم ينازعه في الأمر أحد إلا ما كان من غضب سعد بن عبادة الخزرجي لنفسه، وتأخر بيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه ثم لحوقه المسلمين في ذلك، وإعلان هذا على الملأ.
ولذلك قال عمر: «إنا والله ما وجدنا فيما حضرنا أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم، ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا؛ فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما أن نخالفهم فيكون فسادًا».
وقال أيضًا في شأن أبي بكر: «وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر» ومعنى هذا أنه بلغ في السبق والمنزلة بحيث إن من أراد أن يلحقه تقطع عنقه من النظر والمتابعة ولا يستطيع ذلك، ومعنى هذا أن بيعة أبي بكر الصديق حالة فريدة تحفظ ولا يقاس عليها غيرها.
· وقد مهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه لهذا الأصل الذي أعلنه أمام جمهور الصحابة وأعني أصل المشاورة لاختيار الحاكم بأن هناك من القرآن ما هو منسوخ تلاوة لا حكمًا ودلل على ذلك بآية الرجم وآية النهي عن الانتساب إلى غير الآباء التي يقول فيها الرسول صلى الله عليه وسلم «من انتسب إلى غير أبيه وهو يعلمه إلا كفر»، وكذلك هناك من السنة والقواعد الدينية ما قد لا نجد النص الصريح المفرد عليه وقد يكون هذا الأمر من الظهور والوضوح بحيث لا يحتاج إلى نص فكون الإمام في الإسلام يجب أن يكون عن شورى عامة هو من القواعد الجلية الواضحة، والمسلمات البديهية التي لا تحتاج إلى نصوص مفردة لإثباتها.
ولولا الخوف من أن يطول مقام الشرح لهذا الأمر لأوردت عشرات من الآيات والأحاديث التي تدل على هذا بما يفهم منها وما يستنبط لا بالنص الظاهر، ولذلك وافق الصحابة جميعهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما قاله ولم يعترض عليه معترض واحد، وهو الذي كان يسمح للمرأة بأن تعترض عليه، أقول لم يعترض عليه معترض واحد من الصحابة وفيهم الفرسان والشجعان وهو يكرر هذه العبارة مرتين «من بايع رجلًا عن غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو والذي بايعه تغرة أن يقتلا» ولم يقل له أحد: أثبت ما لم يثبت الشرع، وزدت في الدين ما ليس منه، وخالفت سنة رسول الله، وتزيدت على القرآن بل جميعهم رضي الله عنهم أقروه فيما قال، وفهموا عنه تعليله لوقوع بيعة أبي بكر الصديق على ما وقعت عليه.
وليس هناك إجماع أبلغ من هذا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل