العنوان الحصار الأمريكي لأوروبا.. عبر الناتو
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مارس-1997
مشاهدات 82
نشر في العدد 1240
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 04-مارس-1997
- الهيمنة الأمريكية على غرب أوروبا تعتبر مرتكزًا رئيسيًا للهيمنة الاقتصادية والمالية
ليس سهلًا القول إن الولايات المتحدة الأمريكية، الحليفة الكبرى للدول الأوروبية الغربية طوال حقبة الحرب الباردة، تسعى بصورة متصاعدة، عامًا بعد عام، لتجديد نشأة وضع دولي شبيه بما كان في ظل الحرب الباردة، مع ما يعنيه ذلك من تجدد الأخطار المهددة للأوروبيين على وجه التخصيص.. وتجد هذه «النظرية» المطروحة في بعض الأوساط الأوروبية حاليًا الاستغراب للوهلة الأولى، ولكن لا يكاد يمكن العثور على تفسير منطقي آخر للسياسة التي اتبعتها وتتبعها واشنطن على صعيد العلاقات الأمنية الأوروبية – الأطلسية – الروسية، منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، حتى الجولة الأولى لوزيرة الخارجية الأمريكية الجديدة أولبرايت في أوروبا وآسيا.
أشد المعترضين على توسعة حلف شمال الأطلسي من داخل الحلف كانت الولايات المتحدة الأمريكية قبل ثلاثة أعوام تقريبًا عندما طرحت ألمانيا في مؤتمر وزاري للحلف رسميًا، طلبها أن يتبنى الحلف جدولًا زمنيًا لتوسعة الحلف شرقًا، وعللت واشنطن معارضتها الرسمية آنذاك بضرورة مراعاة موسكو ومصالحها الأمنية في مثل تلك الخطوة.. وكان ممن حذر من نتائج هذا الموقف في حينه وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، في ندوة بحوث سياسية وأمنية عقدت في بون، فقال إن السياسة الأمريكية تشجع الاتحاد الروسي على ممارسة «حق الفيتو» داخل الحلف.
وأشد مواقف الإصرار الحالي على المضي في مخطط التوسعة الزمني، وإن استمر الاعتراض الروسي، موقف الولايات المتحدة الأمريكية كما عبرت عنه بوضوح وزيرة الخارجية الأمريكية أولبرايت أمام الصحفيين في لندن.. وكان ممن حذر من نتائج هذا الموقف، قبل وصول أولبرايت بأسبوعين تقريبًا، ريفكيند، وزير خارجية بريطانيا، التي كانت الحليف الأول لواشنطن على الأرض الأوروبية من قبل، عندما قال في حديث تليفزيوني، إن توسعة الحلف على النحو الراهن تنطوي على أخطار
جمة على الحلف نفسه، لا سيما الدول الأوروبية فيه.
مخطط أمريكي.. أم تطور عشوائي
وعند التأمل بين الموقفين الأمريكيين المتناقضين، وفي الظروف الدولية ذات العلاقة بهما، ثم في التطورات التي شهدتها السنوات الثلاث الفاصلة بينهما، نصل إلى ثلاث ملاحظات رئيسية تعزز النظرية المذكورة.
الملاحظة الأولى: أنه على قدر التبني الأمريكي لمراعاة المصالح الأمنية الروسية في توسعة الأطلسي شرقًا، كانت موسكو تتشدد بالفعل في موقفها الرافض للتوسعة، فيزداد إلحاح دول وسط أوروبا وشرقها على الانضمام ويزداد في الوقت نفسه اضطرار الدول الأوروبية التي تبنت توسعة الحلف من قبل، إلى درجة وصف ألمانيا من بينها بالمحامي عن مصالح تلك الدول داخل الحلف إلى الاستمرار على القيام بهذا الدور، رغم تزايد الإحساس بالقلق من ردود الفعل الروسية عليه ونتائجها، وهو ما انعكس على سبيل المثال في المقالة التي نشرتها صحيفة «إزفستيا» الروسية بقلم وزيري الخارجية الفرنسي والألماني دي شاريت وكينكل معًا، قبيل وصول أولبرايت إلى موسكو، وحاولا فيها طمأنة الزعامة الروسية.. فضلًا عن التعبير عن القلق على لسان ريفكيند كما سبقت الإشارة.
والملاحظة الثانية: أن الوضع الروسي الداخلي قبل ثلاث سنوات تقريبًا، كان يمثل ذروة ما وصل إليه الرئيس الروسي بوريس يلتسين من السيطرة على القرار السياسي، علاوة على الشعبية التي كان يتمتع بها إلى ذلك الحين تقريبًا، ولم تكن المعارضة الروسية من الشيوعيين القدماء والقوميين الجدد على قدر كافٍ من القوة لتعترض على قراره، فيما لو وصل مع الزعماء الغربيين إلى حل أمني مشترك يتضمن القبول بتوسعة الحلف شرقًا، ولكن في تلك الفترة بالذات كان الاعتراض الأمريكي على «تعجيل» التوسعة شديدًا، بينما تبدل الوضع الروسي الداخلي لأسباب عديدة، وأصبح من الطبيعي أن يؤدي كل تنازل رسمي في موسكو تجاه الحلف الغربي إلى ردة فعل داخلية شديدة لا يستطيع الزعماء الروس الحاليون تجاوزها، ولكن الآن بالذات وعلى وجه التحديد منذ إعادة انتخاب كلينتون، تبدلت اللهجة الأمريكية إلى التأكيد على توسعة الحلف شاعت موسكو أم أبت فكأنها تتعمد أن تتخذ من المواقف الاستفزازية ما يثير ردود الفعل الروسية المضادة.
والملاحظة الثالثة: أن واشنطن ساهمت إسهامًا كبيرًا في تجديد قدرة موسكو على استعادة موقع لها في ساحة القرار الأمني الدولي، عن طريق دعم هيمنتها في وسط آسيا، وتثبيت احتكار الإرث النووي السوفييتي لصالحها، وتمكينها من العودة إلى الأرض الأوروبية عبر ثغرة البلقان، ولكن دون أن يعني ذلك كله وصول الاتحاد الروسي إلى موقع قريب من موقع الاتحاد السوفييتي في صراعة القديم مع الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.. ولا يزال الاتحاد الروسي يمثل القوة النووية الأكبر على الساحة الأوروبية، ولكنه لايكاد يمثل خطرًا جادًا على الولايات المتحدة الأمريكية، بل تكاد الاتفاقات الروسية - الأمريكية على الحد من التسلح النووي تساهم في إيجاد هذا الوضع إسهامًا مباشرًا، فمعظم ما تم الاتفاق على إتلافه من أسلحة الدمار الشامل، كان في إطار الأسلحة البعيدة المدى عبر القارات، وليس في إطار الأسلحة المتوسطة المدى والقصيرة المدى، التي تشكل في حالة ثبات وضع «السلام البارد» على حد تعبير الرئيس الروسي، خطرًا على الأراضي الأوروبية في الدرجة الأولى.
ومن السذاجة السياسية بمكان القول إن هذه التطورات كانت تجري تلقائيًا دون تخطيط على ساحة العلاقات الأطلسية – الروسية، ولئن كانت توجد بالفعل عناصر عديدة لم يكن باستطاعة الزعامة الروسية ضبطها أو التحكم بمجراها ونتائجها، بسبب فترة التحول التاريخي الناتج عن انهيار الشيوعية، فلا يمكن القول بذلك عن أجهزة صناعة القرار الأمريكي، وما تسبقه من مقدمات وترافقه من دراسات، وما يتبعه من تقويم وتعديل على حسب المعطيات المستجدة أو تلك التي تسعى السياسة الأمريكية إلى إيجادها، ولا تشذ عن ذلك السياسة الأمريكية تجاه موسكو وأوروبا، لا سيما وأنه لم تنقطع أصوات التحذير من نتائجها في مختلف مراحلها المذكورة، فهي بمحتواها وأهدافها ونتائجها كالسياسة الأمريكية في ميادين أخرى، سياسة مقصودة، وإن كانت مرفوضة بما تسعى لتحقيقه من هيمنة، وما تخرقه من قيم وأخلاقيات، وما تتجاوزه من مصالح مشروعة للأطراف الأخرى.
بين التحالف.. والهيمنة
لم تكن العلاقات الأوروبية الغربية بالدولة الأمريكية في فترة الحرب الباردة تختلف اختلافًا كبيرًا عن العلاقات الأوروبية الشرقية بالدولة السوفييتية، إلا من حيث الإخراج والمسميات، فكانت هيمنة موسكو في الشرق هي التي تصنع القرار السياسي والأمني عبر حلف شمال الأطلسي في الدرجة الأولى، كما كانت هيمنة واشنطن في الغرب هي التي تصنع القرار السياسي والأمني عبر حلف شمال الأطلسي في الدرجة الأولى، ولئن جدت معطيات أخرى بانهيار الشيوعية وزوال الحرب الباردة، فإن المفهوم الأمريكي للتحالف الأمني لم يتبدل، إنما أصبح لا بد من إيجاد معطيات أخرى لاستمراريته.. وهذا ما يفسر السياسة الأمريكية على صعيد حلف شمال الأطلسي، والتعامل على هذا الصعيد مع موسكو من جهة والدول الأوروبية من جهة أخرى.
ولا خلاف بين الدول الغربية من حيث المبدأ على هدف التوسعة الأطلسية بحد ذاتها، ولكن الخلاف شديد من حيث التوقيت والكيفية والغاية، ولا يقتصر ذلك على جوانب شكلية وتفاصيل إجرائية، بل يشمل جوانب رئيسية تفصل ما بين هدف إيجاد شبكة أمنية مستقرة متوازنة، تحفظ المصالح الأمنية الذاتية لسائر الدول المعنية ما بين الصين الشعبية وسواحل كاليفورنيا، وبين إيجاد شبكة أمنية مضطربة على غرار ما كان في حقبة الحرب الباردة، يمكن أن تحول دون نشوب حرب، ولكنها تقوم على أساس «الحق للأقوى»، مع ما يعنيه ذلك من صناعة القرار السياسي والعسكري، ونتائجه على صعيد الهيمنة المالية والاقتصادية، مع فارق رئيسي أن واشنطن انفردت الآن في الميدان، بعد أن كانت المصالح الأوروبية منقسمة بين هيمنة قطبين متنازعين.
وفي مقدمة ما مكَّن الولايات المتحدة الأمريكية من توجيه التطورات الجارية في صالح تحقيق تصوراتها، صراع الزعامة بين الدول الأوروبية الغربية، وفي مقدمتها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، فالدعوة الألمانية إلى توسعة الحلف في الوقت المناسب، إذا صح التعبير، لم يجد الاعتراض الأمريكي فقط بل وجد جزئيًا على الأقل، المعارضة الفرنسية والبريطانية أيضًا، خشية ازدياد النفوذ الألماني وسط أوروبا، وسعت ألمانيا إلى تخفيف وطأة ذلك عبر سلسلة من المشاريع الأمنية المشتركة مع فرنسا لتشكيل نواة قوة عسكرية أوروبية مشتركة، ومع بولندا وفرنسا في إطار تعاون وثيق يمهد لانضمام بولندا إلى الحلف.
ولم تتحول بريطانيا إلى موقف أقرب إلى التصورات الفرنسية والألمانية القائلة بتوسعة الحلف دون الصدام مع موسكو، إلا في الآونة الأخيرة، بعد أن رصدت أن تحالفها التقليدي القديم مع الولايات المتحدة الأمريكية، لا يضمن لها موقعًا متميزًا على الخارطة الأوروبية كما كان في حقبة الحرب الباردة، ووجدت أن واشنطن أصبحت أقرب إلى المانيا سياسيًا وأمنيًا منها إلى بريطانيا، كذلك فإن ألمانيا كانت حريصة على عدم المضي مع فرنسا في تصوراتها الأمنية للتميز الأوروبي إلى نهاية المطاف، خشية من دعم الزعامة الفرنسية أوروبيًا من جهة، ولحاجتها إلى الدعم الأمريكي في العودة إلى ساحة صناعة القرار السياسي والأمني عالميًا.. ولا تزال إلى الآن تتأرجح بين باريس وواشنطن، وعلى قدر هذا التأرجح تتضخم أو تضمحل نقاط الخلاف الأمريكية – الألمانية، حتى أن اسم ألمانيا أصبح يرد سنويًا في تقارير واشنطن السنوية بصدد أوضاع حقوق الإنسان عالميًا وفق المقاييس.. أو وفق الاعتبارات المصلحية الأمريكية.
وكما تمكنت واشنطن من عرقلة التصورات الألمانية لتوسيع الحلف شرقًا قبل أعوام، واعتمدت في ذلك على بريطانيا وفرنسا، فقد تمكنت أيضًا من عرقلة التصورات الروسية والفرنسية بصدد دعم الصلاحيات الأمنية لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا على حساب حلف شمال الأطلسي، اعتمادًا على تأييد بريطانيا وألمانيا للموقف الأمريكي في الدرجة الأولى، نتيجة المخاوف من تأييد المواقف الروسية والفرنسية.
لقد كانت السياسة الأمريكية تتحرك على أرضية التنافس الأوروبي هذه بما يحقق ترسيخ الزعامة الأمريكية أولًا، وهو ما برز للعيان بصورة تطبيقية في التعامل مع حرب البلقان، كما أنه شمل فيما شمل تبني واشنطن في أعقاب الحرب الباردة موقف الدعم للتميز الأوروبي رسميًا، ولكن مع الحرص الشديد في الوقت نفسه على تقييد ذلك التميز بألا يتجاوز حدود حلف شمال الأطلسي، حتى أصبحت تسميه في الوقت الحاضر كما ورد على لسان أولبرايت مرارًا «الركن الأوروبي» في الحلف.. واعتمدت اعتمادًا رئيسيًا على ألمانيا في تضييق مجال الحركة على فرنسا أوروبيًا على الصعيد الأمني، إلى أن أيدت فرنسا الاستعداد للتعاون أمنيًا في إطار حلف شمال الأطلسي بشروط، وإذا بالموقف الأمريكي لا يرفض الشروط الفرنسية فقط، بل يعارض أيضًا ما مضت إليه ألمانيا في تعاونها العسكري مع فرنسا لتشكيل نواة عسكرية أوروبية جديدة.
وكانت الهيمنة الأمريكية في غرب أوروبا مرتكزًا رئيسيًا للهيمنة الاقتصادية والمالية، جنبًا إلى جنب مع الأرضية الغربية المشتركة للهيمنة العالمية والتنافس الدولي تجاه ما يسمى العالم الثالث.. وكان من نتائج تلك الهيمنة أوروبيًا أن ما يوصف بتيارات الأموال والثروات العالمية، قد سجل خلال عدة عقود من الحرب الباردة، حصيلة تقدر بأكثر من ألفي مليار دولار من أوروبا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، جنبًا إلى جنب مع حصيلة تقدر بمثل ذلك من البلدان النامية إلى الدول الأوروبية والأمريكية معًا، وأدى ذلك أوروبيًا إلى استمرار التفوق الأمريكي غربيًا، بينما أدى ذلك عالميًا إلى ما انتشر من فقر وتخلف في الجنوب، هذه الهيمنة هي جوهر ما تحرص عليه السياسة الأمريكية في الحقبة القائمة أيضًا، وتسعى لضمانه من خلال إيجاد معطيات أمنية وسياسية جديدة في أوروبا، تشابه ما كان في حقبة الحرب الباردة، وتجدد الإحساس الأوروبي بعدم القدرة على الاستغناء عن المظلة الواقية الأمريكية.. وكذلك من خلال إيجاد معطيات أمنية وسياسية جديدة عالميًا في كل منطقة إقليمية على حسب ظروفها المتميزة، ولكن بنتيجة واحدة، الحفاظ على الحاجة، أو الوهم بالحاجة إلى الارتباط بالهيمنة الأمريكية، سيان هل سمیت تعاونًا أم ضمانات أم علاقات ودية أو سوى ذلك من المسميات المخادعة.
الأمن الإقليمي.. والأمن الدولي
ولعل أقرب التصورات صحة إلى ما تستهدف السياسة الأمريكية الأمنية مستقبلًا، هو ما تردده بعض التحليلات الأوروبية في الوقت الحاضر تحت عنوان «الأمن الإقليمي» و«الأمن الدولي»، والمقصود بذلك العمل على إيجاد مناطق إقليمية متعددة، تتولى قوة إقليمية متفوقة في كل منها مهمة حل النزاعات وضبط التطورات والأحداث، وفق التصورات الغربية – الأمريكية بطبيعة الحال، ولكن في الإطار الإقليمي فقط ودون أن يبلغ ذلك مستوى يهدد الموقع الأمريكي المهيمن على صعيد الأمن الدولي الأوسع نطاقًا.
وإلى جانب ما سبق ذكره بشأن حلف شمال الأطلسي فإن هذا التصور الأمريكي المستقبلي يعني فيما يعنيه، مواصلة دعم الدور الروسي للهيمنة في وسط آسيا وما يرسخه ذلك من استمرار خطر المطامع الروسية باتجاه المياه الدافئة بين البحر العربي وشبه الجزيرة الهندية.. ولكن تبقى هذه المنطقة حكرًا للدور الأمريكي «الأمني» العالمي كما تؤكد شواهد عديدة لا حاجة إلى التفصيل فيها بصدد الوجود الأمريكي المكثف في المنطقة.
كما يعني التصور الأمريكي المستقبلي أيضًا مواصلة دعم الكيان الإسرائيلي في قلب المنطقة العربية والإسلامية وما يتضمنه ذلك من مساعٍ دائبة لضمان تفوقه النوعي العسكري، وهيمنته الاقتصادية والمالية.. باسم السلام والتطبيع والمشاريع «الشرق أوسطية»، ولكن دون أن يغيب الوجود الأمريكي المباشر في الخليج وفي شرقي البحر الأبيض المتوسط، وهذا بعض ما يفسر الرفض الأمريكي المطلق لتسليم قيادة الجناح الجنوبي الأطلسي للأوروبيين، كما ورد مجددًا على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية أولبرايت بصورة قاطعة - وفجة على حد تعبير بعض الوكالات – قبل جولتها الأولى في أوروبا وآسيا وأثناءها.
وفي الحالتين يبدو للعيان أن السياسة الأمريكية التي مارست أسلوب فرض طوق الحصار الأمني حول المعسكر الشرقي في فترة الحرب الباردة، عندما كان المعسكر الشرقي ساحة للتحدي بمنهجه الاقتصادي المتمرد على الرأسمالية الأمريكية، وهي في أوج انتشارها الاستعماري عالميًا تتبع الآن أسلوبًا مشابهًا لفرض الحصار الأمني حول المنطقة الأوروبية وقد أصبحت المصدر الأول لتحدي مواقع السيطرة المالية الاقتصادية والأمريكية عالميًا، ولفرض حصار أمني أشد حول المنطقة الإسلامية وقد أصبحت وحدها المرشحة لإيجاد بديل حضاري آخر عن منهج الهيمنة المالية والاقتصادية والتقنية الأمريكية في أوج فترة الترويج الراهن لها تحت عنوان «العولمة» أو عنوان نظام عالمي جديد.. أو عناوين عالمية حقوق الإنسان ومنظومة القيم الخلقية والعقدية والنظم الديمقراطية والاقتصادية والمالية، وفق صيغها الأمريكية فحسب.
ومن هنا لا بد من التأكيد أنه إذا وجدت مساعٍ جادة في المنطقة الإسلامية لتحويل «الصحوة الشعبية» إلى مد حضاري بمنهج تغيير سياسي واقتصادي وتقني شامل، فلا بد أن يقترن ذلك بخطوات جادة وواسعة النطاق على الصعيد الأمني أيضًا، يمكن أن تبدأ، أو يجب أن تبدأ، بنزع فتيل النزاعات المحلية والإقليمية التي باتت جميعها ثغرات لتحرك القوى الغربية بزعامتها الأمريكية، حيث تتفق المصالح على تحرك مشترك، أو لتحرك أمريكي منفرد في الميادين التي باتت تعكس عمق الخلافات القائمة بين حلفاء الأمس وأهدافهم عالميًا.. ثم لا بد على الصعيد الأمني من التلاقي على صيغ مشتركة تضبط حل الخلافات بين البلدان الإسلامية سلمًا، وتوجد المعطيات الأولية لتعاون وتكامل لا غنى عنه في عصر التكتلات الدولية الكبرى الراهنة.
ولا يمكن أن تصل «آمال» من هذا القبيل على الصعيد الأمني الإسلامي، دون أن توضع في وعاء متكامل بمختلف جوانبه، على صعيد القيم الذاتية والمناهج السياسية والاقتصادية، والمخططات العملية القابلة للتنفيذ.. وهو ما لا نحسب في إمكان بلادنا بشعوبها وحكامها وبمختلف تياراتها، أن تحققه دون أن تنطلق من الإسلام عقيدة وتاريخًا حضاريًا ومنهجًا شاملًا متكاملًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل