العنوان الحضارة بين الاقتباس والتقليد
الكاتب أبو الحسن علي الحسني الندوي
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أغسطس-1981
مشاهدات 62
نشر في العدد 538
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 11-أغسطس-1981
إن قضية الاقتباس من حضارة سابقة أو معاصرة، والاستفادة منها
ليست قضية طريفة ولا قضية غير طبيعية، فهناك حضارات في كل زمان تقوم وتزدهر وتتوسع
وترق، تسنح لأمم وشعوب فرصة لتوجيه المجتمع، وتنظيم الحياة، وتذليل عقباتها،
وترفيه معيشتها، ثم تأتي أمم ومجتمعات فتستفيد من هذه التجارب، وتقتبس من هذه
المنجزات والمعطيات للعلم البشري، وهذه قصة الروم، وقصة فارس، وقصة العرب
المسلمين، فليس في ذلك محظور شرعي، وشيء غير منطقي.
وقد كان هذا موقف الجيل العربي الإسلامي الذي فتح المستعمرات
الرومية والإيرانية ومراكز حضارتها وثقافتهما، وكان عليه أن يحكم هذه الدول
الكبيرة والبلاد الواسعة التي بلغت فيها المدنية شأوًا بعيدًا، وينظم الحياة
والإدارة فيها.
إنه كان موقف اقتباس حر كريم، واختيار رجل قوي معتز بدينه
وشخصيته، معتد برسالته ودينه الذي كان يحمل حضارة خاصة ونمطًا للحياة
متميزًا، عملًا بالوصية النبوية الكريمة: "الحكمة ضالة المؤمن من
حيث وجدها فهو أحق بها"، وبالحكمة العربية: «خذ ما صفا ودع ما كدر».
إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الذي لقب بالفاروق، والذي كان
من أشد الناس غيرة على الدين وأكثرهم احتفاظًا بروحه وطابعه- قد بدأ بالتقويم
الإسلامي الذي يقوم على الحساب الهلالي، ويبتدئ من الهجرة؛ لأنه كان لابد من تقويم
للمسلمين، وقد كان لكل دولة وبلاد ودين تقويم، واتخذ بيت المال ولم يكن قبله(1)، وهو أول من اتخذ الديوان،
قال أبوهلال العسكري في كتاب الأوائل، قال الفيرزان (الإيراني): «إن العجم يدونون
ديوانًا يكتبون فيه ما لواحد واحد»، وأشار عليه بالديوان فعمله
(2).
وهو أول من مسح السواد وفارس، وقد سأل الدهاقين وهم رؤساء الأقاليم في فارس
عما كانت ملوك فارس تعمله في جباية الخراج، فأخبروه بطريقهم فاستفاد منها في وضع
الخراج وجباية أهل الذمة(3).
ووضع معاوية البريد في زمنه، وأحكم عبدالملك أمره، وكان
طريقًا متبعًا عند العجم(4)، وكان عبدالملك أول من ضرب الدنانير
والدراهم في الإسلام، وكانوا يتعاملون بالعملة الرومية والفارسية، ووضع
الأوزان(5)، واتخذ خالد بن برمك الدفاتر للحساب في الديوان(6)، ولم
يستنكر شيئًا من ذلك أحد من علماء المسلمين وفقهائهم وعبّادهم الحريصين على اتباع
السلف، الكارهين اتباع سبيل غير المسلمين.
ولكن هذا الاقتباس الكريم يحتاج إلى عناصر، وإلى دعائم
وركائز، وبدونها يتحول هذا الاقتباس سريعًا إلى موقف التقليد الخانع،
والتطبيق المطبق الذي سنتكلم عنه.
المحافظة على الشخصية المستقلة المتميزة
من أهم هذه العناصر أو الركائز الاعتزاز بالدين والرسالة التي
يحملها هذا الفرد المقتبس أو المجتمع المقتبس، والاعتداد بالشخصية والثقة بها، وأن
يكون هذا المقتبس فخورًا بها، عاضًا عليها بالنواجذ لا يعدل برسالته رسالة، ولا
بشخصيته شخصية، وإذا رجعنا إلى تاريخ الإسلام الأول، وإلى تاريخ الفتوح الإسلامية
واحتكاك العرب المسلمين بالشعوب المعاصرة والحضارات المجاورة رأينا بوضوح أن الجيل
العربي المسلم كان معتزًا بدينه، معتدًا بشخصيته الإسلامية العربية، معتزًا
بكرامته، بعيدًا كل البعد عما يسميه علماء النفس اليوم بمركب النقص «INFERIORITY
«COMPLEX والإنسان الدارس للتاريخ يقف
خاشعًا مجلًا مقدرًا أمام هذا الاعتزاز الذي كان يملأ الجوانح، ويسيطر على
المشاعر.
وقبل أن نضرب لذلك أمثلة، ونعرض نماذج تصور هذا الاعتزاز، لابد
أن نتصور أولًا -لنعرف قيمة هذا الاعتزاز- الشقة الشاسعة أو الفجوة
الواسعة بين مدنية العرب وبين الحياة التي كانوا يعيشونها في الجزيرة العربية،
وبين المدنية التي قد بلغت القمة، وبلغت أوجها في الرقة والدقة، واللطف والاتساع،
والتفنن والابتداع في الإمبراطورية الرومية والإمبراطورية الإيرانية، ونستطيع أن
نتصورها بنتف وطرائف ذكرها المؤرخون العرب الأمناء استطرادًا، ونقيس بها المساحة
الواسعة التي كانت بين المدينتين.
منها: أن العرب لما خرجوا من جزيرتهم العربية في الفتوح
الإسلامية ورأوا لأول مرة أرغفة رقاقًا، كانت شائعة على موائد الإيرانيين- ظنوها
مناديل، وكادوا يمسحون بها أيديهم(7)، وجزى الله المؤرخين العرب أنهم لم
يخجلوا من تسجيل هذه الحكاية التي تدل على إمعان إخوانهم في البداوة، وينكرون أنهم
لما رأوا الكافور ظنوه ملحًا، وربما استعمله بعضهم في العجين(8).
ونكتفي بهذا، والمتقصي لهذا الجانب في التاريخ يجد فيضًا من هذه
الطرائف.
أما المدنية الفارسية فقد ضربت الرقم القياسي -على التعبير
العصري الصحافي- في الرقة والدقة، والسمو والتفنن، والظرف والأناقة، ويكفي لذلك
مثال واحد، وهو أن يزدجرد آخر ملوك الفرس لما خرج من عاصمته المدائن أخذ معه ألف
طاهٍ (طباخ)، وألف مغنٍ، وألف قيم للنمور، وألف قيم للبزاة وأخرى(9)، وذلك في حالة الطوارئ، في
حالة ينسى الإنسان فيها نفسه، وينهل عن العطش والجوع، ولكنه ما نسي أن يأخذ معه
هذا الجيش من طباخين، ومغنين، ومسلين، وكأن لقائل يقول: ما شأن الصقور يا جلالة
الملك؟ وما حاجة المغنين وأنت هارب، لا تعرف مصيرك، ولا تعرف إلى أين تأوي وتؤوي
هذا الجيش وتمونه؟ ثم يقول المؤرخ الأوربي المختص في تاريخ إيران، إن الملك كان
يقول: يا حسرتى: ماذا سأصنع بهذا العدد القليل من الطباخين والمغنيين
والقيمين للطيور، ويذكر المؤرخون أنه لما أوى إلى بيت عجوز، وقدمت هذه العجوز
المسكينة وجبة عشاء ووضعها بين يديه، وقد أخذ الجوع منه كل ما مأخذ -هل تعرفون
ماذا قال؟ إنه كف يده وقال: لا أستطيع أن آكل إلا على غناء وموسيقى، وقد تخلف
عنه المغنون، ونجوا بأنفسهم، وفارقوه.
كذلك تقرأون في كتب التاريخ أن الهرمزان ملك الأهواز لما جيء به
إلى المدينة، ودخل على أمير المؤمنين عمر طلب ماء فأتى به في قدح غليظ، فقال: لو
مت عطشًا لم أستطع أن أشرب في مثل هذا، فأتى به في إناء يرضاه(10).
إلى هنا بلغت المدنية عند الفرس، وإذا قاس الإنسان بين ما كان
يعيش فيه العرب من طور بدائي للمدنية، وتقشف في الحياة، وقلة موارد وفقر وفاقة-
وبين ما كانت تزخر به المدنية الإيرانية من أساليب المدنية الراقية ومظاهر البذخ
الخيالية، وتوافر لأسباب الترف والتوسع في المطاعم والمشارب، والزينات والزخارف،
ثم نظر إلى موقف هؤلاء العرب من هذه المدنية التي هي أقرب إلى الخيال منها إلى
الحقيقة التي كانت تكفي لتبهر الألباب، وتعشي العيون، وتخرس الألسنة، ورأى تقيمهم
لهذه المدنية، وحكمهم على من ابتلوا بها، وقف أمام هذا الإيمان، وأمام هذا
الاعتزاز بالدين الذي أكرمهم الله به، وهذا الاعتداد بالشخصية،
خاشعًا مبهورًا.
ويمثله خير تمثيل ما جاء في قصة ربعي
بن عامر، الذي أرسله سعد بن أبي وقاص قائد المسلمين إلى رستم قائد قواد المملكة
الإيرانية الكبيرة أو وزير الدفاع -على التعبير العصري- في المملكة، قال
له رستم: ما الذي جاء بكم؟ فأجابه بقوله: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من
عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل
الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه (11).
إن ربعي بن عامر عنى في كلامه أن رستم وقومه في قفص، والقفص قفص
وإن كان من ذهب؛ إنه يعني أنكم تعيشون عيالًا على خدمكم وحشمكم، مرتبطين
بالأدوات المنبثة حولكم، والعادات التي نشأتم عليها، عيالًا على هذه الحضارة
المصطنعة، والحياة المترفة لا تستطيعون أن تعيشوا بغيرها، وأن تتحرروا من ربقتها،
أنتم سجناء الدار، أنتم سجناء الحضارة، أنتم سجناء العادات، أنتم سجناء
الأغراض والشهوات، أما قرأتم في التاريخ أن الذي كان ينتطق من الأمراء
والأغنياء في إيران أيام الدولة الساسانية الأخيرة منطقة قيمتها دون خمسين
ألفًا، ويلبس قلنسوة قيمتها دون مائة ألف كان يعير، وينظر إليه باحتقار.
إن مدنية تفرض هذه القيود والأعراف مدنية مصطنعة، مدنية أضيق من
السجن، إنما ساقنا إليكم الرثاء لكم والرحمة عليكم، فقد رأيناكم مدة طويلة تعيشون
في هذا السجن الذي صنعتموه، فخرجنا لنخلصكم من هذا الأسير، ونخرجكم من هذا القفص
الذهبي، ونعرفكم برحاب العقيدة الصحيحة الواسعة، وأجواء الحياة الطبيعية الفسيحة،
حرية الإنسان اللذيذة العزيزة التي أنعم الله بها علينا عن طريق الدين الذي جاء به
محمد -صلى الله عليه وسلم- والكتاب الذي أنزله عليه، والرسالة التي أكرمه
الله بها.
بالله يا سيدي ربعي بن عامر اشرح لي هذه الكلمة؛ أي ضيق رأيته
في إيران، وأي سعة جربتها في صحراء العرب؟ إنه لا ينطق ربعي بن عامر، إنه ينطق
الإيمان على لسانه، الإيمان الذي غرسه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في
أعماق نفسه، هل لأحد من رؤساء الجمهوريات ولقادة الشعوب والأمم الذين قد بلغوا
القمة في المدنية أن يتكلموا بهذا الكلام في مجلس من العظماء والأدباء في أميركا
وأوروبا؟ إنهم يذوبون كالشمعة أمام شمس المدنية الأوربية، ويحتقرون نفوسهم
وحضارتهم وشخصيتهم، إن الإسلام الحقيقي هو الذي أثار في ربعي بن عامر العربي
الأعرابي الثقة والاعتداد، وأشعل فيه مواهبه، وأجرى على لسانه الحق الصريح،
والكلمة الجريئة، وأعطاه ميزانًا يزن فيه المدنيات الزائفة، ويزن فيه القيم
والمثل، إنه وأمثاله كانوا يستطيعون تقييم المدنيات، وكانوا مطلعين على
عوراتها ومواضع ضعفها.
والمثال الثاني الذي أريد أن أعرضه عليكم وهو قريب
النسب بهذه المدينة الذي نجتمع فيها، هو ما فعله سيدنا عمر بن
الخطاب -رضى الله عنه- لما خرج يتسلم مفاتيح القدس، حتى إذا دنا من أيلة
(ساحل البحر الأحمر) تنحى عن الطريق وأتبعه غلامه، فنزل وأعطى غلامه مركبه، فلما
تلقاه أوائل الناس قالوا: أين أمير المؤمنين؟ قال أمامكم: يعني نفسه،
فذهبوا الى أمامهم فجاوزوه حتى انتهى هو إلى أيلة(12)، فكان غلامه
راكبًا وسيدنا عمر راجلًا! أراد الله كذلك، وليس من المصادفات، بل هو تقدير
العزيز العليم ليفتح به عيوننا، بل قلوبنا، ويرينا مواضع الكرامة الحقيقة في النفس
الإنسانية، إذا أكرمها الله بالإيمان، ولما دنا عمر إلى القدس، وقال له الجلوس،
وهو رأس القوم: أنت ملك للعرب، وهذه بلاد لا تصلح بها الإبل، فلو لبست شيئًا
غير هذا، وركبت برذونًا لكان ذلك أعظم في أعين الروم، فقال: نحن قوم
أعزنا الله بالإسلام فلا نطلب لغير الله بديلًا(13).
(١) كتاب الأوائل لأبي هلال العسكري ص/ 1123.
(2) أيضًا ص/ ١٣٤
(3) كتاب الأوائل لأبي هلال العسكري ص/ ٣٦– ١٣٥.
(4) أيضًا ص/ ١٥١، قيل أول من رتب ديوانه الملك دارا بن بهمن من
ملوك الفرس، والصحيح أن البريد كان معروفًا عند الصينيين منذ ثلاثة آلاف عام، ثم
عرفه الآشوريون، والبابليون، والرومانيون (دائرة معارف القرن العشرين لفريد وجدي
ج/ ٢ص ١١).
(5) أيضًا ص/ ٢٠٥.
(6) الإسلام والحضارة العربية تأليف محمد كرد علي، ج ۱، ص/ ١٥٥ نقلًا عن ابن
خلدون.
(7) البداية والنهاية ج/ ۷، ص/١٧.
(8) إيران في عهد الساسانيين، لأرتهر كريستن سين ص/ ٦٨١.
(9) الطبري ج / ٤، ص/ ١٦١ وفتوح البلدان ص/ ٣٧.
(10) البداية والنهاية لابن كثير ج ۷، ص ۳۹.
(11) تاريخ الطبري ج/ ٤ ص/ ٦.
(12) البداية والنهاية لابن كثير ج/7. ص/29
(13) تاريخ الطبري ج/4 – ص/6
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل