; الحقائق وموسيقى الشعارات | مجلة المجتمع

العنوان الحقائق وموسيقى الشعارات

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1992

مشاهدات 73

نشر في العدد 1019

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 06-أكتوبر-1992

 

معالم على الطريق: وهم الشعارات وحقيقة الإيمان

خداع المسميات ووهْم الحضارة

كثيرًا ما تخدع المسميات عن الحقائق، والقشور عن اللباب، والظواهر عن الأعماق، فترى موسيقى الشعارات المنمقة تداعب أسماعك، وما هي إلا رياح السموم، وتسمع دوي المبادئ المبهرجة، وما هي في الحقيقة إلا خيالات تذروها الرياح، وتحسن تراتيل النظريات المروجة، وهي شطحات لا وجود لها في واقع الحياة. فنقول: عجيب أمر هذا الإنسان، يكذب على الناس ويكون أول المصدقين، ويخدع غيره ويكون أشد المخدوعين. فكم خدع أناس غيرهم بوهم الحضارة وانخدعوا بها، وكم ضللوهم بسراب التقدم وكانوا هم الضالين، وكم ضللوهم بأماني الإصلاح وهم في حاجة إلى من يأخذ بيدهم. وكم حدثوهم عن الأمانة والنزاهة والرجولة والوطنية، وكم عزفوا لهم لحون الوفاء والإخلاص والحب، وسيرهم وأفعالهم وطباعهم تتنافر مع ذلك كله وتأباه وتنفر منه. ولكنها الأوهام وأحلام اليقظة والخداع الذي ربما تطرق إلى نفس قائله، فيظن المفسد أنه مصلح، والكسول أنه منتج، والجاهل أنه المثقف العالم ببواطن الأمور، والجبان أنه عنترة، والمتخلف المسكين الذي لا حول له ولا قوة أنه في قمة الحضارة والريادة والتقدم والمدنية، وأنه سيقلب الدنيا رأسًا على عقب، وأنه فارس البر ومالك البحر ونسر الجو. وما هذا إلا لأن الأشياء عندنا ليس لها شواهد أو عليها أدلة، أو تتطلب حجة أو بينة. وإلا فبماذا تعلل صيحات الكثيرين في العالم الثالث وركوبهم صهوة الكلمة والأثير، وركوبهم لفقاقيع الحوادث وجَلِيلِها، وهم خيالات ودمى، لا يملكون حتى طعام يومهم فضلًا عن لقمة غدهم أو أسمال أجسادهم؟ وبماذا تعلل تلك العنتريات هنا أو هناك من جنرالات الخراب والجهل والخيال، وهم لا يستطيعون صنع مدفع أو بندقية أو حتى رصاصة؟

 

حقيقة القيم والتدريب العملي

يجب أن نتعلم ونحس ونشعر ونرى الأشياء على حقيقتها، وببيناتها وشواهدها، لأنه يستحيل أن يخرج الضياع تقدمًا، أو الجهل علمًا، أو العمى بصرًا، أو الجحود عرفانًا، أو الخنوع رجولة، أو الكسل غنى، أو الزندقة رحمة أو إصلاحًا. إن القيم لا بد أن تسكن الرجال أولًا، وتقوم النفوس ثانيًا، ويظهر ذلك في سلوكها ثالثًا. وقبل ذلك ومعه وبعده، لا بد أن يصحب ذلك هدف وغاية سامية تقود الإنسان وتملك عليه شعوره وحياته. وهذا لم يُعرَف من أجل معانيه وأرقاها إلا في أهل الإيمان وأرباب القلوب المؤمنة، الذين يعملون لغاية سامية وهدف نبيل. هم حضاريون بل زعماء الحضارة الحقة، الذين يعلمون البشر كيف تكون الحياة، وكيف يعيش الإنسان فيها ويرتقي وتعلو مشاعره، وتهذب شهواته، وترتقي غرائزه. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه، فقال: «امسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين». إن هذا التدريب العملي على الخير هو الطبيب النفسي للقلوب العليلة، والدواء الناجع للطبائع الملتوية. إن ممارسة الفضائل والتعود عليها والاحتساب فيها شيء، والكلام عنها بدون فعل أو عمل شيء آخر. ومعايشة الإحسان شيء، والحديث عنه أمر مختلف. وأكثرها تأثيرًا وأجداها تربية وأعظمها توجيهًا وأعلاها قدرًا، هو العكوف عليها وتطبيقها عملًا وسلوكًا.

 

رسالات السماء ومنهج بناء الأجيال

ولهذا نجد رسالات السماء تفعل في الأمم فعل السحر، لأنها التفتت إلى مداواة النفوس وإصلاحها وتوجيهها وتدريبها، وراقبت ذلك حتى في النيات والضمائر، وجعلت ميزان الأعمال بالنيات: «ولكل امرئ ما نوى»، فالأعمال لا ينفع فيها قول ليس عليه برهان من العمل. وبهذا كُوِّنَت رجالًا وبنت أجيالًا، رفعت الأوزار عن البشرية، ونحت عنها إصرها والأغلال التي كانت عليها، وعاشت أحلامها وآمالها وأمانيها في ظل نور إلهي كريم، وفطرة سماوية سامية، وقدوة طاهرة كريمة، رفعت قيمة الإنسان، وجعلته منارة في التاريخ، وانتشلته من جاهلية المذاهب والأخلاق والثقافات والأعراف والعادات، وجعلته رباني النزعة يسير في الحياة ملكًا بل ربما أعز من الملك. فهل نشتاق لذلك ونرجع إليه في دنيا الشعارات؟

تزكية النفس

 


 


 


الرابط المختصر :