; الحقوق الخاصة للزوجة على زوجها (١-٣) | مجلة المجتمع

العنوان الحقوق الخاصة للزوجة على زوجها (١-٣)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 16-أكتوبر-2010

مشاهدات 86

نشر في العدد 1923

نشر في الصفحة 58

السبت 16-أكتوبر-2010

المهر من آثار العقد وليس ركنا فيه ولا شرطا لصحته... ولهذا يصح الزواج بدون النص عليه في العقد

.. والحكمة من وجوبه هي إظهار مكانة هذا العقد وإعزاز المرأة وإكرامها وتقديم الدليل على الرغبة في بناء حياة زوجية كريمة معها

اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل

بعد هيمنة الغرب على المؤسسات الدولية، وتصاعد موجات «التغريب»، واجتياح «العولمة» للخصوصيات الثقافية لشعوب العالم خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين، شرع الغرب في اقتحام حرمات الأسرة المسلمة، وانتهاك منظومة قيمها التي حددها الإسلام، وصاغتها المرجعية الإسلامية.. وبدأ الغزو.

الفكري الغربي في صياغة منظومة قيمه في مواثيق ومعاهدات أخذ في عولمتها تحت ستار «الأمم المتحدة» والمنظمات التابعة لها من خلال «مؤتمرات السكان» الدولية سعيا لإحلالها محل منظومة القيم الإسلامية ولاسيما في ميدان الأسرة الأمر الذي فرض على المؤسسات الإسلامية صياغة بديل في هذا المجال، وقد تحقق هذا في «ميثاق الأسرة في الإسلام».

يستعرض هذا الجزء حقوق الزوجة على زوجها، معتمداً على حديث رسول الله ﷺ: «وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا » (حديث صحيح، رواه أحمد والبخاري).. ويبدأ بالحديث عن الالتزام بتكاليف الزواج، وذلك من خلال مادة واحدة.

. مادة (٦٨)

الالتزام بتكاليف الزواج

تفرض الشريعة الإسلامية على الزوج وحده نفقات الزواج ومهر زوجته وتأثيث بيت الزوجية، ولا تتكلف الزوجة شيئا من ذلك إلا برضائها وطيب نفسها

ومع حفظ حقها فيما تساهم به». تبين هذه المادة ما هو واجب على الزوج وحده من واجبات مالية تجاه زوجته، وهي: - نفقات الزواج من إجراءات العقد وتوثيقه، وإقامة العرس من وليمة ونحوها، ولا تتكلف الزوجة شيئا من ذلك إلا برضائها ولو كان امتثالا لعرف سائد فإذا رفضت المساهمة في هذه النفقات. وجود العُرف فلا يجوز إجبارها ؛ لأن العرف المخالف للقواعد الشرعية هو عُرف فاسد لا يُعتد به شرعاً، وقد ثبت أن رسول الله كان هو القائم بنفقات زواجه ويأمر به

غيره.

مع

- مهر الزوجة المهر هو المال الذي تستحقه الزوجة على زوجها بالعقد عليها أو بالدخول بها حقيقة وهو واجب على الرجل دون المرأة، ويجب بأحد أمرين: أولهما: مجرد العقد الصحيح، وقد يسقط كله أو بعضه ما لم يتأكد بالدخول أو الموت.

وثانيهما: الدخول الحقيقي، كما في حالة الوطء بشبهة أو في الزواج الفاسد، ولا يسقط حينئذ إلا بالأداء أو الإبراء. قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مَنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هنيئًا مَرِيئًا (النساء:٤)، أي: عطية، وقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أجُورَهُنَّ فَرِيضَة (النساء:٢٤)، وقال تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (النساء:٢٥). ودليل وجوبه على الزوج قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ  (الأحزاب:٥٠)، والأمر بالإيتاء في جميع الآيات السابقة موجه للرجال.

وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ -رضي الله عنه- رَانَهُ قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ ﷺ فَقَالَتْ: «إِنِّي وَهَبْتُ مِنْ نَفْسِي» فَقَامَتْ طوِيلًا، فَقَالَ رَجُلٍ: «زَوِّجُنِيهَا نْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ»، قَالَ: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ ، تُصْدِقُهَا؟»، قَالَ: «مَا عِنْدِي إِلا إِزَارِي»، فَقَالَ: «إِنَّ أَعْطَيْتَهَا إِيَّاهُ جَلَسْتَ لَا إِزَارَ لكَ فَالْتَمِسُ شَيْئًا، فَقَالَ: «مَا أَجِدُ شَيْئًا، فَقَالَ: «الْتَمِسُ وَلَوْ خَاتَمَا مِنْ حَدِيدٍ، فَلَمْ يَجِد، فَقَالَ: «أَمَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ؟»، قَالَ: «نَعَمْ سُورَةُ كَذَا وَسُوَرَةٌ كَذَا لِسُوَرٍ سَمَّاهَا، فَقَالَ: «قَدْ زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ» (حديث صحيح، رواه مالك في موطئه، وأحمد في مسنده، والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي).

المهر عطية ونخلة

والمهر ليس عوضا في مقابلة الاستمتاع بالمرأة، ولكنه عطاء لازم بدون عوض؛ لأن القرآن الكريم قد سمّاه نحلة أي عطية بدون عوض ؛ ولأنه يجب نصف المهر إذا طلقها قبل الدخول بقوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْل أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ (البقرة:۲۳۷)، فلو كان المهر عوضاً عن الاستمتاع بها لما فرض نصف المهر إذا طلقها قبل الدخول ولم يحصل الاستمتاع. والحكمة من وجوب المهر : هو إظهار خطر هذا العقد ومكانته، وإعزاز المرأة وإكرامها وتقديم الدليل على الرغبة في بناء حياة زوجية كريمة معها، وتوفير النية على قصد معاشرتها بالمعروف ودوام الزواج، وفيه تمكين المرأة من التهيؤ للزواج بما يلزم لها من لباس ونفقة بها.

وكون المهر واجباً على الرجل دون المرأة ينسجم مع المبدأ التشريعي في أن المرأة لا تكلف بشيء من واجبات النفقة، سواء أكانت أماً أم بنتاً أم زوجة، وإنما يُكَلَّف الرجل بالإنفاق؛ لأن الرجل أقدر على الكسب والسعي في الرزق، وقد وضع القرآن مبدأ توزيع المسؤوليات المالية بين الرجل والمرأة، فقال سبحانه: ﴿الرَّجَالَ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبَمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ (النساء:٣٤).

طبيعة المهر

المهر يُعد أثراً من آثار العقد وليس ركناً فيه ولا شرطا من شروط صحته، ولهذا يصح عقد الزواج بدون النص عليه في العقد، بل ينعقد الزواج ويلزم المهر، حتى ولو اتَّفق الزوجان على أن لا مهر، ويجب لها مهر المثل ويُعدّ دَينا على الزوج بمجرد العقد الصحيح النافذ، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طلقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَسُوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً (البقرة:٢٣٦)، فالآية تدل على نفي الجناح عند تطليق النساء قبل الدخول وقبل فرض المهر، والطلاق لا يكون إلا بعد الزواج الصحيح؛ وهو ما يدل على أن المهر ليس ركنا ولا شرطا فيه.

حد المهر

لا حد لأقل المهر ولا لأكثره، فكل ما صح عليه اسم المال، أو كان مقوما بمال، جاز أن يكون مهراً، قليلاً كان أو كثيراً، عيناً أو ديناً، أو منفعة .. وقد استقر العُرف حديثا على تقديره نقداً، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم (النساء:٢٤)، فإنه أطلق المال، ولم يقدره بحد حد معين وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ (حديث صحيح، رواه البخاري ومسلم)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتَبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجِ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا(النساء۲۰)، فقد أباح أن يقدم الزوج لزوجته قنطاراً، والقنطار المال الكثير فدل على أنه لا حد للمهر في الكثرة.

ويُستحب شرعاً عدم الغلو في المهر، فعن عمر رضي الله عنه قال: «ألا لا تَعْلُوا صُدُقَ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَانَ أَوْلاكُم بِهِ النَّبِيُّ ، مَا أَصَدَقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَلَا أَصْدِقَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةٌ» (أثر صحيح، رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه)(۱).

تأثيث بيت الزوجية

هذا هو الأمر الثالث الذي فرضه الشرع على الزوج لزوجته، فالزوج هو المكلف شرعاً بإعداد جهاز الزوجة، ولا يلزم الزوجة إعداد شيء من ذلك من مالها الخاص؛ لا من مهرها الذي تسلمته، ولا من غيره مما تملكه من أموال؛ لأن مهرها حق خالص لها استحقته بموجب عقد الزواج، فلا تجبر على إنفاق شيء منه لجهازها ولوازم بيتها ولا لنفقتها؛ ولأن الله قد أوجب على الزوج النفقة، قال الله

تعالى: ﴿أَسْكُنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُوهُنَّ لَتُضَيَقُوا عَلَيْهِنَّ (الطلاق:٦) فالنصّ قد أوجب على الزوج سكني الزوجة وعدم إضرارها بهذا السكن، وهذا يتطلب تجهيز البيت بالمتاع والأثاث ولوازم البيت بما يتناسب مع . حاله ولا يضر بالزوجة. وحينما يقوم الزوج بتجهيز البيت من ماله الخاص يكون الجهاز ملكا خالصا للزوج؛ حيث إنه قد أعطاها مهرها مستقلا ولم تشارك هي في إعداد الجهاز، وللزوجة حق الانتفاع به ما دامت الزوجية قائمة لتوافر إذنه بذلك، هذا هو مذهب الحنفية والحنابلة والشافعية وهو المعمول به قضاءً في مصر (۲).

ومساهمة الزوجة في تجهيز بيت الزوجية يكون على حسب عُرف الناس وظروف كل بيت وبيئة أو بالاتفاق بين الأطراف هذا إذا قبضت المرأة المهر، وقد يحدث اتفاق على غير ذلك خاصة في الأوقات الحالية، والمعول عليه أن يكون هناك اتفاق وتراض بين الطرفين على ما يودان فعله في أمر الجهاز.

وهذه المساهمة تكون على وجه التبرّع والاختيار المحض، وليس على سبيل الإلزام والوجوب عليها، وتبقى هذه الأشياء مملوكة لها، وإنما ينتفع بها الزوج ويستعملها بإذن الزوجة ورضاها إن لم يكن صراحة فدلالة. والواقع أن من العادات الشائعة في كثير من بلاد المسلمين أن أهل الزوجة يساعدونها في إعداد الجهاز وشرائه لها، وذلك بدافع الحب لابنتهم والحرص على إظهارها بمظهر حسن أمام الناس، فعَنْ عَلِيٌّ رَضِ النَهُ قَالَ : جَهَّزَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَاطِمَةً فِي خَمِيلِ وَقِرْبَةِ وَوَسَادَةِ حَشْوُهَا إِذْخِر. (حديث صحيح، رواه أحمد والنسائي وابن ماجه)، والخميل: هو القطيفة وهي كل ثوب له وَبَر، والقطيفة معروفة لدى الناس، والإِذْخِر نَبت طيب تحشى به الوسائد والتجهيز بهذا الشكل مجرد عرف وقد يختلف من مكان لآخر أو من زمان لآخر.

وهنا تثبت للزوجة ملكيتها لهذا الجهاز أيضاً وخاصة إذا كان الأب هو الذي قام بشراء الجهاز لها إلا أن يشترط أبوها أو أهلها أن الجهاز عاريّة للمرأة يستردّها متى شاء فلا تثبت ملكيتها لهذا الجهاز ولا للزوج من باب أولى.

وقد يشترط أهل المخطوبة في بعض البلاد أن يعتبروا جهاز البيت جزءا من مهر المرأة، ويُثبتون ذلك في ورقة إثبات تُسَمَّى «القائمة»، والقواعد الفقهية تنص على: «أن المسلمين على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً، وأن كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وأن أحق الشروط أن يُوَفِّى به ما استحللتم به الفروج».

وليس في هذا الشرط مخالفة لكتاب الله أو تحريم لحلال أو تحليل لحرام، فدخل في إطار المشروعية طالما أن هذا قد تعضّد برضا الزوج، وبهذا تثبت ملكية جهاز البيت للمرأة، حتى وإن كان المشتري هو الزوج اعتبارا واعتمادا على الشرط المبرم بينهما.

الهامشان

(1)                انظر: محمد أبو زهرة، الأحوال الشخصية، ص۱۷۲.

(2)                المرجع السابق، ص۲۲۸.

 

الرابط المختصر :