; في السياسة الشرعية (الحلقة 19).. الحقوق السياسية للفرد في ظل الشريعة الإسلامية.. حق المشورة | مجلة المجتمع

العنوان في السياسة الشرعية (الحلقة 19).. الحقوق السياسية للفرد في ظل الشريعة الإسلامية.. حق المشورة

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-فبراير-1982

مشاهدات 65

نشر في العدد 560

نشر في الصفحة 13

الثلاثاء 09-فبراير-1982

 للفرد في ظل دولة الإسلام حقوق سياسية شرعية، ليس من حق أحد -كائنا من كان- أن يسلبه إياها، هذه الحقوق تنفرز من طبيعة العلاقة القائمة بين القيادة السياسية والفرد المسلم، فهي علاقة قائمة على الرضا والاختيار، ولا يجب أن يشوبها شيء من الإكراه أو الإجبار فالبيعة إما أن تكون عن رضا وقناعة وطواعية وإلا فلا تعتبر في الشرع، ومن حق الفرد المسلم أن يمتنع عن المبايعة وان يعلن ذلك، وليس من حق رئيس الدولة أو غيره ممن دونه في السلطة أن يضايق -عبر أي إجراء- من امتنع عن المبايعة.

 وها هو سعد بن عبادة الصحابي المجاهد بماله ونفسه والذي صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته ضد المشركين والكفار، يمتنع عن مبايعة أبي بكر رضي الله عنه في سقيفة بني ساعدة ، بعد أن بايع الناس أبا بكر ولم يتخذ ضده أي إجراء بوليسي، كالذي نعيشه اليوم «انظر موقف سعد بن عبادة وامتناعه عن مبايعة أبي بكر رضي الله عنه في ابن خلدون، ج ۲، ص ٨٥٣، ابن سعد، ج ۳، ص ۱۸۱ ، ابن الأثير، ج ۲، ص ۳۲٥، ابن كثير ج6، ص ٣٠١، المسعودي، ج ۱، ص ٥١٥» وها هم الخوارج يطوفون في أسواق المدينة المنورة يحرضون الناس على شتم وقتل الإمام علي- كرم الله وجهه- فما كان منه إلا أن وقف في المسجد وقال لهم: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم الفيء مادامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدؤنا . «الطبري، ج 6، ص ٤١».

هكذا يتبدى لنا أنه ليست في الإسلام قداسة لرئيس الدولة، لأنه إنما جاء بيعة الناس له لا يفضل ذاتي فيه، فهو مسئول أمام الناس وللناس الحق في الاجتراء عليه، ورفع الصوت في الحديث معه، وقد كان هذا شأن الجماعة الإسلامية الأولى مع الخلفاء الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي- رضي الله عنهم أجمعين- وحيث إن رئيس الدولة في الإسلام لا يكون شرعيا إلا باتفاق عموم المسلمين عليه، كما قال الفقهاء أمثال ابن تيمية وابن قدامة وإليك أقوالهم في هذا الشأن: «الإمامة «أي رياسة الدولة» تثبت بمبايعة الناس «لرئيس الدولة» لا بعهد السابق له» انظر: منهاج السنة، ابن تيمية، ج ۱، ص ١٤٢، وكذلك «من اتفق المسلمون على إقامته وبيعته ثبتت إمامته ووجبت معونته» انظر: المغني، ابن قدامة، ج ۸، ص ١٠٦، إذا كان الأمر كذلك في السياسة الشرعية فلابد أن يتمتع الفرد في ظل هذا النظام السياسي وفي إطار هذه الرؤيةالسياسية بحقوق سياسية جوهرية، فما هي هذه الحقوق السياسية المقررة في التشريع السياسي الإسلامي؟

الحق الثاني للأفراد في دولة الإسلام -بعد حق انتخاب رئيس الدولة هو حق المشاورة، وهو في الحقيقة امتداد لحق الأمة في انتخاب رئيس الدولة ومبايعته، فما دامت الأمة هي التي تختاره، وهو وكيلها في إدارة شؤونها، فمن حقها عليه أن يشاورها. وإذا كان الخطاب في آيات الشورى موجهًا إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم- على جلالة قدره وعظيم منزلته عند الله- فوجوب المشاورة على غيره من الحكام أوجب وألزم، وعلى ما قلناه تدل أقوال الفقهاءوالمفسرين:

1-«لا غنى لولي الأمر عن المشاورة فإن الله تعالى أمر بها نبيه صلى الله عليه وسلم» ابن تيمية، السياسية الشرعية. ص 157.

2-«إنما أمر الله نبيه بمشاورة أصحابه كما أمره بمشاورتهم فيه تعريفًا منه أمته ليقتدوا به في ذلك» تفسيرالطبري، ج 4، ص ٩٤.

3-يؤيده في ذلك تفسير القرطبي، ج 4، ص ٢٥٠

4-كذلك الرازي، ج ۹، ص ٦٦ يقول: «قال الحسن وسفيان بن عيينة: إنما أمر بذلك -أي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمشاورة- ليقتدي به غيره في المشاورة ويصير سنة في أمته».

ومما يؤكد حق المشاورة للأمة على حكامها أن النبي صلى الله عليه وسلم- على عظيم قدره ومنزلته وتأييده بالوحي- كان كثير المشاورة لأصحابه، شاورهم يوم بدر في الخروج للقتال، وشاورهم يوم أحد يبقى في المدينة أم يخرج للعدو، وأشار عليه الحباب بن المنذر يوم بدر بالنزول على الماء فقبل منه، واشار عليه السعدان: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة يوم الخندق بترك مصالحة العدو على بعض ثمار المدينة، فقبل منهما الرأي «الرازي، ج ۹، ص ٦٧». وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير المشاورة للجماعة الإسلامية حتى ذكر ابن تيمية أنه لم يكن أحد أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونظراً لثبوت حق الأمة في المشاورة ولزومه على رئيس الدولة صرح الفقهاء بأن ترك هذا الحق من طرف رئيس الدولة موجب لعزله في الإسلام. فقد جاء في تفسير القرطبي: «قال ابن عطية: والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب القرطبي، ج ٤ ص ٢٤٩، فلا بقاء إذن لحاكم مستبد في دولة تقام علىالإسلام.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل