العنوان لماذا رفض ابن عثيمين منصب القضاء؟
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-2001
مشاهدات 158
نشر في العدد 1436
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 30-يناير-2001
إن المصيبة التي ألمت بالعالم الإسلامي بوفاة العالم الجليل الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين يشعر بها كل من عرف نشاط هذا الشيخ في مجال الدعوة إلى الله وإنارة طريق الحق بما يقدمه في فتاويه ومؤلفاته.
لقد كان الشيخ مع أستاذه الشيخ عبد العزيز بن باز علمين بارزين يضيئان للأمة الإسلامية الطريق، ويبددان الظلمة التي شبها الجهل بالدين وبالعقيدة الإسلامية الصحيحة، أوضحا للمسلمين في كتبهما وفتاويهما ما يحب على كل مسلم معرفته من دينه وعبادة ربه، وما يبعده عن عقيدته من البدع والخرافات التي أدخلت على المسلمين المعتقدات والفلسفات، وما كان من بقايا الوثنيات في الجاهلية الأولى.
كانا -يرحمهما الله- يقولان كلمة الحق في كل ما يعرض عليهما، لا يداهنان ولا يجاملان ولا يخافان، وكأنا يسيران على نهج السلف الصالح، ويتبعان خطوات الشيخ محمد بن عبد الوهاب -يرحمه الله- في محاربته للبدع والخرافات والتزامه بالكتاب والسنة، وقد كان الشيخ ابن عثيمين من العلماء العاملين أهل الورع التقوى والصلاح المتصفين بالأخلاق الفاضلة، وعندما يفقد المسلمون هذا النوع من العلماء المتصفين بالتواضع والإخلاص وحسن المعاملة مع الناس تعظم المصيبة، وعندما تخلو الساحة من أهل العلم والفضل الذين يحرصون على رضاء الله تتضاعف مشكلات المسلمين، فهؤلاء هم الأمل في الخلاص لأنهم يضعون نصب أعينهم قول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (سورة القصص: 83) وإذا كان لأحد مأخذ على الشيخ فهو من أجل رفضه لتولى القضاء، وبذلك حرم الجهاز القضائي من كفاءته وعطائه، وقد كان لا يريد أن يبتلى بالقضاء؛ لأن مسؤولية وظيفة القضاء خطيرة في الدنيا والآخرة، ولا بد أنه تذكر ما جاء في الحديث الشريف «من تولى القضاء فقد ذبح بغير سكين» وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة، قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاض قضى بجهل فهو في النار، قاض عرف الحق فجار فهو في النار» فابتعاده -يرحمه الله- عن القضاء على الرغم من إلحاح فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم عليه يدل على زهده وورعه، ولكن الشيخ محمد رئيس القضاء رأى أن من مسؤوليته أن يتولى الأكفاء والنزهاء، وأن من واجبهم المشاركة في المسؤولية، وقد قال العلماء السابقون -رضى الله عنهم- إن القضاء تلو النبوة وخلق الله وكلفهم بالشرائع، وابتعث رسله صلوات الله وسلامه عليهم قضاة ليحكموا بينهم قال -تعالى-: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾ (سورة البقرة: ۲۱3)، وقال -تعالى- لرسوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (سورة المائدة: ١٩) وقال -عليه السلام-: «سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل» إلا ظله وذكر منهم إمامًا عادلًا، وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: «لأن أجلس قاضيًا بين الناس بحق واجب أحب إليَّ من عبادة سبعين سنة».
فهناك أحاديث ترغيب وأحاديث ترهيب، وقال العلماء وإن المرغب فيها محمول على الصالح للقضاء المطبق لحمل عبئه، والقيام بواجبه، والمرهب منها محمول على العاجز عنه وعلى ذلك، يحمل دخول من دخل فيه من العلماء وامتناع من استمع عنه، فقد تقلده بعد المصطفى -صلوات الله وسلامه عليه- الخلفاء الأربعة سادات الإسلام، وقضوا بين الناس بالحق، ودخولهم فيه أقوى دليل على قدره وموفور أجره، فإن من بعدهم تبع لهم، ووليه بعدهم من أكابر التابعين وتابعيهم من كره الدخول فيه من الأئمة من فضلهم وصلاحيتهم وصلاحهم، فهو محمول على مبالغة في حفظ أنفسهم وسلوك لطريق السلامة فإن الأمر فيه خطر، ومن العلماء من جعل أحاديث الترهيب مثل «من تولى القضاء فقد ذبح بغير سكين» دالًا على الترغيب، فهو يدل على أجر عظيم مقابل ما يعانيه من أمور القضاء ومنصبه، تشبيهًا له بالذبح بغير سكين، وإنه مبالغة في وصف المذبوح بأبلغ درجات الألم، وكذلك الحديث يأتي «على القاضي يوم يود ألا يقضي بين اثنين في تمرة واحدة».
وممن رفض تولي القضاء من العلماء السابقين الإمام أبو حنيفة والإمام الشافعي وسفيان الثوري، والشيخ ابن عثيمين في هؤلاء أسوة حسنة، وليس غريبًا على الشيخ ابن عثيمين أن يكون على خلق ودين وتقوى وورع وتواضع، فقد كان كذلك شيخه الذي قال إنه قد تأثر به وهو الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي وكذلك الشيخ عبدالعزيز بن عبد الله بن باز فقد قال -يرحمه الله-، إنه تأثر بالشيخ السعدي كثيرًا في طريقة التدريس وعرض العلم وتقريبه للطلبة بالأسئلة والمعاني، وتأثر به من ناحية الأخلاق الفاضلة فهو يمازح الصغير، ويضحك إلى الكبير، وتأثر بالشيخ عبد العزيز بن باز -كما يقول- من جهة العناية بالحديث وبالأخلاق وبسط نفسه للناس.
فرحم الله الشيخ محمد بن عثيمين، ورحم شيوخه الذين آثروا الحياة العلمية بالتأليف والفتاوي، وجاء الشيخ وسلك نهجهم، رحمهم الله جميعًا رحمة الأبرار، وأسكنهم دار القرار.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل