العنوان الحقيقة العليا بقلم فضيلة الشيخ عبد الحميد كشك
الكاتب الشيخ عبد الحميد كشك
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1975
مشاهدات 7
نشر في العدد 258
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 15-يوليو-1975
إن المعرفة بمفهومها العلمي تتورع عن نفي وجود
الله؛ لأنه إذا كان العقل لا يؤمن إلا بما يثبت وجوده، فواجبه ألا يجحد إلا ما
يثبت نفيه.
فمتى أثبت العقل نفي الله؟!
إنه لم يثبت ذلك، بل لن يستطيع أن يثبته.. إننا
نحتكم إلى العقل بالتفكير التجريبي الواقعي، وبالطريقة التي أثبت بها حركة الأرض
وتحول المادة.. عليه أن يثبت نفي الله، وإذا لم يفعل- ولن يفعل- فلا أقل من أن
نحترم- يومًا- ذلك الهاتف الإلهي الذي لا يفنى منذ وجد الإنسان على وجه الأرض،
يصيح به قائلًا: إن هناك إلهًا، وهذا الهاتف نفسه: حقيقة آتية من العقل ومن
المعرفة بأصدق ما للعقل والمعرفة من دلالة.
فالعقل الإنساني ليس هو هذا الجزء الذي نفكر به
ونبحث، والذي يطل على الكون من نوافذ حواسنا الخمس: السمع، والبصر، والذوق، والشم،
واللمس، بل هذا جزء من عقلنا الإنساني لا غير.
لقد ثبت أن لهذا العقل الإنساني مناطق أخرى تكشفت
لبعض الناس الأفذاذ؛ وأبصروا بها ما لا تبصر الكافة.
أجل، إن هناك عيونًا أخرى للعقل تنفتح في بعض
العقول المهيأة، لترى ما لا يراه غيرها. وهناك إذن مستويات أخرى للتجربة الإنسانية
لا تتاح لكل الناس.. بيد أنها تعطي أحكامًا صادقة صدق التجربة العلمية ذاتها، وعند
هذه المستويات العالية من التجربة استطاع أناس منا أن يعاينوا حقيقة الإيمان
ويثقوا بوجود الله، فلماذا لا نصدقهم؟ ولماذا نحاول أن نقيس الله تعالى بنفس
المقاييس التي نقيس بها أنفسنا؟!
يرحم الله الإمام عليًا رضي الله عنه وقد قيل له:
يا إمام حدثنا عن الله، فقال: «سبحان ربي.. لا يُدرك بالحواس، ولا يُقاس بالناس،
فوق كل شيء، وليس تحته شيء، لا كائنٌ في شيء، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير»!
ويرحم الله أبا بكر الصديق رضي الله عنه إذ قيل له:
يا أبا بكر: بم عرفت ربك؟ فقال: «عرفت ربي بربي، ولولا ربي ما عرفت ربي»! قيل:
فكيف عرفته؟ فقال: «العجز عن الإدراك إدراك، والبحث في ذات الله إشراك»!
وقال حكيم:
الله يدري كل ما نضمر يعلم ما
نخفي وما نظهر
وإن خدعت الناس لم تستطع خداع من يطوي ومن ينشر
فلماذا تحاول أن نقيس الله بنفس المقاييس التي نقيس
بها أنفسنا؟ ولماذا نحاول قياس حرارة الشمس بترمومتر عادي؟
ولله المثل الأعلى!
إن في حياة كل فرد إنساني تجارب كثيرة يحس من
خلالها وجود الله حتى لكأنه يراه، ولكن هذه التجارب العابرة والأحاسيس الخاطفة
تدور في المستوى العادي لشعورنا وتفكيرنا.. إن هناك رجالًا عظماء من البشر عاشوا
التجربة في مستواها الأعلى وتحدث الله إليهم من خلالها.. أولئك هم المرسلون
والأنبياء والهداة، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
فهل من حقنا أن نرفض تصديقهم وننتظر حتى نرى ما
رأوا، وحتى يكلمنا الله كما كلمهم؟!
إن أمورنا لا يمكن أن تسير على هذا النحو أبدًا؛
فإنه لا يلزم من عدم الرؤية عدم الوجود؛ فنحن لم نر الأشعة تحت الحمراء، ومع هذا
نؤمن بوجودها؛ لأن أفرادًا منا اكتشفوها وأخبرونا بوجودها.
وأنت لم تفجر الذرة، ولكنك تؤمن بكل أخبارها؛ لأن
أفرادًا من العلماء فجروها وأطلقوا طاقتها.
وأنت لا تحس أدنى إحساس أن الأرض تدور، ومع ذلك
تؤمن إيمانًا مطلقًا بدورانها؛ لأن العلم قرر دورانها.
وأنت لم تر الزهرة وعطارد والمريخ والمشتري ولا
المجموعات الشمسية الأخرى التي لم يصل العلم إلا إلى جانب يسير منها؛ وهذا الجانب
اليسير قُدّر بمائة ألف مليون مجموعة شمسية، وكل مجموعة اشتملت على مائة ألف مليون
شمس كشمسنا هذه، فما بالنا بما خفي؟!
ومع ذلك فأنت تؤمن بوجودها؛ لأن غيرك ممن تثق بهم
رآها من وراء عدسات المناظير، وبأنه يسير بسرعة 186200 ميل في الثانية الواحدة.
فلماذا تصدق كل ذلك وأنت لم تكتشف صدقه بنفسك، وإنما اكتشفه لك آخرون؟!
قد تقول إن الأمر مختلف؛ لأنك تستطيع التأكد من صحة
هذه الأشياء إذا أخذت مكانك في أي معمل أو مرصد، وهذا حق؛ لكن ليس في الأمر خلاف..
فأنت أيضًا تستطيع أن تتأكد من صدق الذين حدثوك عن
الله إذا أخذت مكانك في معملهم ومراصدهم.. ومعاملهم ومراصدهم من نوع آخر.. نوع
يستطيع كل إنسان أن يمتلكه إذا جلا روحه وأيقظ كل قوى نفسه الفاضلة، واكتشف
المناطق المخبوءة من عقله وبصيرته.
إن الإيمان الديني، كالإيمان العلمي، كل منهما
نوعان: إيمان رؤية، وإيمان تصديق. فإيمان الرؤية في العلم هو إيمان العلماء الذين
اكتشفوا بأنفسهم.
وإيمان التصديق في العلم هو إيمان ملايين البشر
الذين لم يمارسوا التجربة بأنفسهم، لكنهم صدقوها.
وإيمان الرؤية في الدين: هو إيمان المرسلين والهداة
الذين عاينوا وشاهدوا وذاقوا. وإيمان التصديق في الدين: هو إيمان الكافة، فإذا
رضيت أن تؤمن بحقائق العلم إيمان مصدّق لا غير، فلم لا تؤمن بالله إيمان مصدّق أيضًا؟!
هل أنت مصمم على أن يكون إيمانك بالله إيمان رؤية
ويقين مباشر؟
حسنٌ هذا..
فاصنع إذن ما يجب صنعه حين تريد أن يكون إيمانك
بحقائق العلم إيمانًا مباشرًا!
أخي في الله: دع عنك حجب الغفلة، وأزل عن عينيك
غشاوة الجحود، واقرأ هذه الآيات الكريمة التي سجلها الله للمخلصين الأصفياء، قال
جل شأنه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ
قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ
النَّارِ﴾ (آل عمران: 190-191).
وتمعن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن
الآية الأولى: «ويلٌ لمن لاكها بلسانه ولم يتدبرها بقلبه».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل